ثلاث سنوات مرت على ترسيم الأمازيغية

(1)

مباشرة بعد إعلان نتائج الاستفتاء على دستور 2011 الذي تم فيه ترسيم الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية، عمدت مؤسسات رسمية (حكومية) عديدة إلى إدماج اللغة الأمازيغية في شعاراتها، وقامت أخرى بكتابة أسمائها على الواجهات بهذه اللغة إلى جانب اسمها المكتوب باللغة العربية. بل واجتهدت مؤسسات أخرى في صياغة وثائق باللغة الأمازيغية. كل ذلك طبعا قبل خروج القوانين التنظيمية الكفيلة بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية.

هذه المبادرات اعتبرت إبانها تأويلا سليما لمقتضيات الدستور، واستباقا حميدا يكشف عن رغبة حقيقية في استدعاء هذه اللغة إلى الفضاء العمومي، وانتصارا للتصور الذي يرى أن موضوع التصالح مع هذه المكون يكتسي طابع الاستعجال. وتسريعا لوتيرة الاستئناس بالحامل الغرافي الأمازيغي. بينما اعتبرها آخرون مجرد محاولة للركوب على القضية، وسعيا لقطف ثمار إنجاز لم يشاركوا في بذره ورعايته، وتلميعا لصورتها إزاء الأطياف الراعية للقضية والمدافعة عن الحقوق الثقافية واللغوية.

وبصرف النظر عن منطلقات كل طرف، ومبرراته في تقييم هذا الفعل، وبغض النظر أيضا عن الدواعي الخفية والمضمرة التي حركت هذه المؤسسات. نرى أنه من الواجب التنويه بالأثر الحسن الذي حملته هذه المبادرات، وبالصدى الإيجابي الذي خلفته لدى شرائح واسعة من المجتمع المغربي. لكن الذي ينبغي قوله أيضا هو أن مبادرات مثل هذه قد أوقعت مؤسسات أخرى كثيرة في حرج حقيقي لا تخفى دواعيه ومبرراته، إذ تواتر لدى الكثير من متتبعي الشأن الثقافي والسياسي بالبلد تساؤل بديهي عن الأسباب التي منعتها من الحذو حذو نظيراتها، والدوافع التي حالت دون انخراطها في مثل هذه الخطوة الرمزية.

ومن هذه المؤسسات المُعْرِضة نذكر مثلا عددا من الجامعات، وإحداها جامعة محمد الأول (وجدة) التي نشتغل في رحابها. ذلك أن المتتبع لمجريات الأمور بمجمل مؤسسات هذه الجامعة يلاحظ نزوعا ظاهرا من قبل المسؤولين عن تدبير شؤونها إلى استثقال كل الأنشطة والمبادرات التي تأتي في سياق تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية (عدم إدماج الأمازيغية في شعارات المؤسسات، ورفض استعمالها في كتابة شهادات التخرج، الوقوف في وجه جل المقترحات الرمزية السائرة في هذا الاتجاه…)، وهو ما يعطي الإحساس بأن كثيرا من المسؤولين عن إدارة هذه المؤسسات غير منخرطين تماما في سؤال التنزيل الديموقراطي للدستور الجديد، وأن موقفهم من الأمازيغية لم يتزحزح مطلقا، ولن يتزحزح إلا بمقدار ما يمكن أن تأتي به مضامين المذكرات والقرارات الملزمة، مع أن هامش التصرف والتكييف والمبادرة ركن رئيس من أركان التدبير الإداري الحديث، وأن مجال الاجتهاد يظل مفتوحا أمام الطواقم والهيئات المسؤولة، يكفله التشريع الإداري الذي يثمن قيم المواكبة والتشارك والتفاعل مع مستجدات الحياة الاجتماعية والسياسية.

قد يقول قائل إن هؤلاء المسؤولين ينتظرون الضوء الأخضر من رئاسة الجامعة، وهذا قول مردود عليه لأن مؤسسة الرئاسة قدمت غير ما مرة مؤشرات كثيرة تكشف عن انخراطها في كل ما من شأنه تمتيع هذه اللغة بمكانتها المستحقة، وأخرها اعتماد اللغة الأمازيغية في موقعها الإلكتروني. وقد كان من الواجب التقاط مثل هذه القرارات والمبادرات الإيجابية باعتبارها دعوة مبطنة إلى مجالس المؤسسات التابعة للجامعة تحثهم على مباشرة فعل التنزيل، والاجتهاد في صيغ الإدماج، وليس الوقوف على الحياد (السلبي) وانتظار المقررات التنظيمية (التي تنتظر بدورها صدور القوانين التنظيمية، وهذه الأخيرة تنتظر بدورها مناقشة مشاريع قوانين في البرلمان، والتي تنتظر بدورها مسيرة طويلة تقطعها مقترحات القوانين….).

إن الاستمرار في هذه الانتظارية يوحي للكثير من المتتبعين بانعدام الحماس لدى بعض المسؤولين، بل وتعطي الانطباع أن موضوع الأمازيغية شأن يهم الناطقين بالأمازيغية فقط، وهذا أمر يتعارض مع مضامين الدستور المغربي الذي يؤكد على أن الأمازيغية ملك لجميع المغاربة بصرف النظر عن لغاتهم الأم (تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء. “مقتطف من الفصل الخامس من الباب الأول من الدستور المغربي”). ويبدو من الواجب التأكيد هنا على الحكمة العميقة الثاوية وراء هذا الكلام؛ لأنها تتضمن الدليل الدستوري على الثراء اللغوي والثقافي الذي يسم هذا البلد، والحجة الدامغة على رغبة المغاربة في توطيد أركان التعايش بينهم، مع ما يعنيه ذلك من رفض لمنطق الاحتكار والاستفراد بأي مكون أو رافد.

إن قضية التأويل الديموقراطي للدستور في شقيه الثقافي واللساني، وتنزيله في شكل قوانين تنظيمية يحتاج إلى تراكم جهود أطراف مختلفة، وسيكون من المفيد التذكير هنا بالوضع الاعتباري الرفيع الذي تحتله الجامعة لاعتبارات احتضانها لثنائية “التعليم العالي والبحث العلمي”، مع ما يفترضه ذلكمنحرص على تغليب كفة العلم على الإيديولوجية، ووضع هذه الأخيرة موضع الدرس والرصد والمتابعة. وبذلك يصح القول إن ما تقدم عليه الجامعة من مبادرات في هذا الاتجاه يزيد أثره ودلالته بكل تأكيد عن أثر مؤسسات رسمية أخرى تبادر في نفس الاتجاه. وهذا هو سبب حرصنا على توجيه هذه الرسالة إلى من يهمهم الأمر.

إن هذا الوضع يجعل كل مبادرة جامعية من قبيل ما تحدثنا عنه آنفا عملا موزونا بميزان ذي حساسية شديدة، وخطوة محمودة ستشجع لا محالة مؤسسات أخرى على السير في نفس المنوال، وهو ما سيؤدي في الأخير إلى إشاعة مناخ صحي في سياق التحاور والحراك الثقافي والسياسي؛ لأنه سيكشف بالقوة والفعل وجود نوايا حسنة تجاه اللغة والثقافة الأمازيغية، وأن شريحة كبرى من المتمدرسين المغاربة قد قطعوا مع ثقافة الدولة-الأمة التي تمج الخصوصيات، وأنهم مستعدون لقبول تجليات الازدواجية اللغوية في مؤسسات الدولة، لا بمقتضى الإكراه بل بموجب الإيمان بالفائدة العميمة التي تتحقق على قاعدة الاعتراف المتبادل.

مؤسسة رسمية أخرى تقع بدورها في دائرة الكلام نفسه، هي المجلس الأعلى للتعليم، المؤسسة التي تم تعيين أعضائها بحر الشهر الماضي ( يوليوز 2014)، إذ يلاحظ من خلال تأمل تركيبة المجلس، حضورا باهتا للفعاليات والكفاءات المشتغلة بحقل الدراسات الأمازيغية، أو المدافعة عن الإدماج الحقيقي لهذا المكون في مختلف القطاعات والمجالات، مع أن الظهير المؤسس لهذه المؤسسة ينص في المادة 2 من الفصل الأول على اضطلاع المجلس بمهمة ملاءمة المنظومة الوطنية للتربية والتكوين مع محيطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهذا الكلام كان يفترض أن يكون رهانا متكامل الدعامات، تسعى بموجبه الجهات المسؤولة عن اقتراح تسمية أعضاء هذا المجلس إلى اعتماد معيار التوازن في استدعاء البعد الإيديوثقافي، بحيث تحظى الأمازيغية بأصوات ممثلة تضمن حضورها في أجندة هذا المجلس سواء بوصفها موضوعا لمقترحات الإصلاح البيداغوجي أم بوصفها لغة للتواصل داخل دواليب المؤسسة.

ولعله من الواجب التنبيه هنا إلى أننا لا نثير هنا “تأليف المجلس” كما نصت عليه المادة الثالثة من الفصل الثاني من الظهير المؤسس للمجلس؛ لأن المتغيرات التي تحكمت في هذا “التأليف” عديدة تبررها طبيعة المؤسسة ذات الانشغالات الاستراتيجية، والتي تقتضي اعتماد تمثيلية مجالية وقطاعية ومؤسساتية مختلفة. نحن نثير أساسا تسمية الشخصيات التي ستمثل القطاعات والمؤسسات (والتي تم اختيارها لاعتبارات مهنية أو أكاديمية أو إشعاعية لا دخل للأمازيغية فيها)؛ لأن هذه الشخصيات حاملة، قسرا، لآراء ومواقف وتصورات تخص المشهد اللغوي والثقافي بالبلد، وهي ستسعى بتأكيد، بوعي أو بدونه، إلى تصريف هذه المواقف في شكل سجالات ومقترحات إصلاحية قد تكرس الوضعية الآنية للغة الأمازيغية، إن لم ترتد بها إلى ما قبل دستور 2011. ونحن لا نخفي هنا تخوفنا من تكرار تجارب المؤسسات الحكومية التي كرست، طيلة عقود، منطق الهيمنة بإصرارها على تغييب اللغة الأمازيغية في مشاريعها ذات الطابع المادي أو التشريعي أو اللوجستيكي أو الرمزي…

هذه إذاً رسالة تهدف إلى نفخ الروح في جذوة الحماس الخابية، وإلى إذابة حاجز الجليد الذي صفق بفعل توالي عقود من التنكر والصدود، ودعوة إلى استيعاب مضامين الوثيقة الدستورية، روحا ومرجعية، قبل السعي إلى تنزيل موادها ومقتضياتها المختلفة. وهمسة في أذن المسؤولين عن تسيير المؤسسات الحكومية والمعاهد والجامعات لإعطاء المثال والقدوة، نرجو أن تلقى آذانا صاغية.

شاهد أيضاً

زواج الفقر والسياسة

يخفي اللغط الكبير بشأن زواج المال والسياسة، زواجا آخر يحيطه محترفو السياسة بكل الكتمان والسرية ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *