أكلميم- ايت باعمران: خيمة الوالي يكسوها الجراد

عبد الله بوشطارت

اللقاء الذي نظم مؤخرا بجماعة الشاطئ الأبيض، قادني إلى التفكير بعمق في العديد من القضايا التي طفحت إلى سطح الأحداث في منطقة واد نون، والخروج بكثير من الخلاصات التي كان يمتزج فيها الشك بالحقيقة منذ أن تم تعيين الوالي- العائد الجديد على ناحية كلميم -السمارة. قيل الكثير من الكلام في المقاهي والمنازل والصالونات، كلام امتزجت فيه الإشاعة بالتخمين واليقين والتأويل، واخترق النقاش مجال السياسة والسلطة إلى القبيلة والثقافة والتاريخ إلى حد النفسانيات.

حتى لا نكون منافقين، لابد من تحديد الموقع، الذي يعتبر من وجهة نظري أساسيا في الحديث عن هذه المسألة التي تحتاج إلى تحليل عميق وهادئ بذل إعطاء التهم يمينا وشمالا. وأقول أنني مواطن مغربي أمازيغي من آيت باعمران، اعتبر مدينة افني بمثابة امتداد لمدينة أكلميم…وهما مترابطتان ارتباط السوق بالميناء. وعليه فعلى المستوى الانثروبولوجي فإنه يصعب الفصل بين ما هو ذاتي وموضوعي، خاصة في مثل هذه المواضيع الحساسة. وحتى أكون أكثر دقة؛ فإنني اقصد تحديدا الحديث داخل الانتماء وليس الولاء.

لقاء الشاطئ الابيض، تناوب فيه الكثيرون على الكلام، لكن ما نطق به عضو جمعية شبابية تنشط في الخارج، التي يحلو لبعض أعضائها العزف على نفس المقام الذي نسجه في السابق الوالي الحالي، هو منطوق خطير للغاية، والأخطر فيه هو عدم معرفة الرأي العام المحلي والوطني، هل هو كلام شخصي، أو عبارة عن موقف للجمعية، أو هو موقف للذين يوجدون في الخلف. نقدم محتوى الكلام ثم نمضي في التحليل، قال صديقنا : “إن مدينة كلميم هاجمها جراد كثيف من جهة ايت باعمران، يأتي على الأخضر واليابس ويأكل خيراتها وهؤلاء الشلوح يجب محاربتهم في مدينة كلميم…..”

هذا الكلام جاء في سياق ما بات يعرف ب”الصراع” بين الوالي والرئيس بمدينة أكلميم، وان كنا نتجاهل حقيقة وأصل هذا الصراع وخلفياته، إلا أن امتداداته تستوجب منا الكلام وإبداء بعض الملاحظات:

هذا يبين بالملموس أننا مازلنا نتعامل بمنطق بعيد عن منطق الدولة الحديثة، دولة المؤسسات والقانون التي تتبجح بها الدولة وخاصة الإدارة الترابية، ويزيغ ببلدنا الذي يعرف استثناء حقيقيا، إلى مطبات ومنعرجات خطيرة، الجميع في غنى عنها. كما يعطي تصورا على شخصانية المؤسسات ومزاجيتها، والزج بها في صراعات هامشية تشعل فتيل الحقد والبغض بين التشكيلات والمجموعات التي يتكون منها المجتمع.

إن كان السيد الوالي يريد بصدق محاربة الفساد في بلدية أكلميم، فمن الأجدر به وغيره القيام بذلك بالطرق والوسائل القانونية لذلك، عبر جهاز القضاء ومجالس الحسابات وهي الجهات الوحيدة لردع الفساد وتحديد المسؤوليات بكل شفافية ومسؤولية وذلك بإحضار الأدلة والحجج التي تثبت ذلك. كما أن الفساد كما هو نظيمة راسخة في كل مؤسسات الدولة والمجتمع، يوجد في بلديات وعمالات ومؤسسات عمومية كثيرة في جهة أكلميم -السمارة. يحتاج إلى جرأة سياسية وإرادة حقيقية وخطة شمولية.

استعمال الانتماء القبلي في مثل هذه الأمور سيعود بنا إلى أزمنة غابرة، زمن العشيرة بدل الدولة، زمن العاطفة بذل العقل، زمن الفوضى بذل التنظيم. حضور القبيلة راسخ في كل تفاصيل الحياة في مناطق الجنوب. لا عيب في استحضار القبيلة، هي حقيقة وواقع. لكن يجب أن نسعى إلى تحيينه وحلحلته ليساير تطور العصر لقيادة المجتمع نحو الحداثة، نحو الإنسية، نحو المساواة والعدل والحرية. تحت خيمة دولة القانون التي تتسع للجميع. فالذين يقولون أن “الشلوح” غزوا مدينة اكلميم هل يعرفون أن العامل الحالي والسابق على إقليم ايت باعمران ينتميان إلى أقاليم الجنوب. ولا يمكن لنا أن نحتكم إلى نفس المنطق. لأننا نعيش داخل دولة لها مؤسسات وقوانين ونسعى جميعا إلى احترامها كما نعمل على تصحيح ما نراه غير ذلك، من شطط وتعسف

إن كان البعض يريد الوصول إلى بلدية أكلميم أو إلى رئاسة المجلس الإقليمي أو الجهوي فعليه الاستعداد لذلك في الموسم الانتخابي القادم، بالطرق التي يعرفها الجميع، وفي ذلك ليتنافس المتنافسون، ويعملوا على إقناع الجماهير والناس ببرنامجهم وليس إقحام آيت باعمران الذين يتشكلون من سبع قبائل كبرى، في نقاشات هاوية ومتسرعة وغير محسوبة. أو إقحام كلمات أخرى كالشلوح وغيرها..

قبل هذا وذاك، لا نحتاج العودة إلى تاريخ وادنون القديم والحديث والمعاصر والراهن. لا نريد الرد على شباب الخيمة بمثل الكلام غير اللائق الذي تفوه به أحدهم، ولكن نريد أن يعلموا بحقيقة وتاريخ تلك الأرض، أن يصفحوا تاريخ “تكاوست” و”نول” و”لمطة” و”أساكا” و”تامدولت”، وإذا أرادوا التعمق أكثر ومحاربة الجهل المقدس، أن يمروا على صفائح ونقوش صخور السمارة ويتوغلوا جنوبا إلى شنقيط وأدرار وافوغاس.

نشعر بروح القبيلة في ايت باعمران نحس بالانتماء نفتخر به، لكن نعيش في الامتداد نحبه ونقدسه كذلك، إنه الوطن- أمور بالامازيغية. ومنه اقتبس اسم مراكش، الذي كان يطلق على مجموع بلاد المغرب الأقصى. ايت باعمران يوجدون في افني يحسون بنفس الشعور وهم في الداخلة وبوجادور والعيون وطانطان والسمارة…نفس الأمر وهم في تيزنيت وآيت ملول والدار البيضاء. من يعتقد أن آيت باعمران الذين يعيشون في كل الأقاليم الجنوبية هم مقيمون ومستوطنون، فإنه يعيش في الوهم، غاية الوهم. نعيي جيدا حقيقة التشكيلات الاجتماعية وعمليات التمازج الاثني بين كل المجموعات المشكلة للخريطة الاجتماعية في الصحراء، هي عمليات تثاقف تنسج عبر سيرورة زمكانية لا يتحكم فيها الإنسان. لذلك فآيت باعمران ضمن هذا النسيج بقوة التاريخ والواقع لا يحتاج إلى تبرير، وإنما نحن في أمس الحاجة إلى التقدير والاحترام البيني.

حالة مدينة اكلميم تعيشها طانطان، العيون- بلدية المرسى والداخلة، ايت باعمران يصلون إلى المجالس البلدية والجماعية عن طريق صناديق الاقتراع، ورغم علتها، فإنهم يتشاركون مع منافسيهم في الوسائل والخطاب والممارسات. وقبل أن يكونوا رقما سياسيا فهم رقم اجتماعي وثقافي وقوة اقتصادية كبيرة، وهذا هو الأهم في نظري. وحين نستحضر كل هذه المعطيات فيما يجري بمدينة أكلميم، فإنه من الأجدر على الجميع احترام حرمة القبيلة كيفما كانت وعدم الزج بها في مطبات السياسة. واحترام المؤسسات لأنها هي الوحيدة الكفيلة بتدبير أمور المجتمع بحيادية. الإدارة هي فضاء الجميع لا يجب استعمالها ضد أشخاص بعينهم.

شاهد أيضاً

لماذا يصر الحزب الحاكم “العدالة والتنمية” على عرقلة الأمازيغية والاستخفاف بالدستور؟*

كما هو معروف، مرت 20 سنة على إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، حيت كان الإشكال ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *