“داعش” الديكتاتوية.. ونهاية الحلم

حميد بوهدا

في خضم الذكرى الثالثة عشرة للهجمات الارهابية على برجي التجارة العالمية بالولايات المتحدة، و التي كانت مقدمة لإنشاء أول تحالف عالمي ضد ما يسمى بالإرهاب، واعتبر كل من لم يشارك في هذا التحالف ضمن خانة الدول المارقة أو الدول الراعية للشر وفق مفهوم بوش أنذاك، هذا الحدث كان مقدمة للحرب على العراق في سنة 2003، وهي التي كانت تقع تحت يد ديكتاتور استفاد من حسابات الحرب الباردة لتأسيس دولة قمعية، لا تتنفس فيها إلا الطائفة السنية، وهي الركيزة السياسية الأساسية التي قام عليها نظام صدام حسين. ومنذ ذلك الوقت مرت الكثير من المياه تحت الجسر، استفادت المكونات المقصية في المرحلة الماضية من الوضع الجديد الذي خلقه التدخل الأمريكي في العراق، في الوقت الذي فقدت الطائفة السنية امتيازاتها، كما كان تسريح جيش صدام من أكبر الأخطاء المرتكبة في العراق، إذ أنه سرعان ما وفرت له البيئة الجديدة امكانية المشاركة في اللعبة السياسية من بوابة الحركات الاسلامية السنية. لكن ما المقصود اليوم بإنشاء تحالف دولي لمواجهة الدولة الاسلامية في العراق و سوريا؟ و من هم المستفيدين من الوضع الجديد بالمنطقة؟

أربعة سنوات كانت كافية لينقلب المزاج الإقليمي والدولي رأسا على عقب، في أواخر 2010 انطلقت الشرارة الأولى للثورة التونسية من مدينة نائية اسمها سيدي بوزيد، وفي ما يشبه لعبة “الدومينو” انتقلت هذه الشرارة المفاجئة إلى كل بلدان المنطقة، وتحت تأثير الصدمة والمفاجأة تخلى البعض عن حكمه وهرب الاخرون إلى ملاجئ أمنة، وتنازل البعض الاخر عن جملة من صلاحياته، في حين واجهها اخرون بالقمع و نجحوا في اطلالة الأزمة كما فعل بشار الأسد، وتمكن مع مرور الوقت من بلقنة الوضع الاقليمي برمته.

الاتجاه الذي رسمه بشار استفادت منه اليوم الدول المجاورة الداعمة للإتلاف السوري المعارض وفي مقدمتها السعودية، إذ أن وضع دول الخليج اليوم أحسن بكثير مما كان عليه في السابق، فالإعلام وهو يتابع جرائم “الدولة الاسلامية” بالمنطقة تنازل عن كل خطابه الديمقراطي ورجع يطلب بالتحالف مع الأنظمة التي خلقت هذا الوضع بفعل سياساتها ودعمها للاتجاهات الدينية المتطرفة منذ عقود.

فالسعودية التي كانت تشتكي من تصرفات أوباما الداعمة للحركات المناهضة للأنظمة، تستعد لعقد لقاء في الرياض لبحث امكانية انشاء تحالف دولي لمواجهة “الدولة الاسلامية”، هكذا انتقلت السعودية وغيرها من الدول من وضع المعرقل للحريات والديمقراطية إلى دولة طرف ترسم سياسة المنطقة على مهل، بل أنها تريد التقليص من الدور التركي في أي تحالف مستقبلي و تعزيز الدور المصري، العنصر الثاني في مسار العودة إلى ما قبل 2011.

لقد دعمت دول الخليج منذ البداية الحركات الإسلامية المقاتلة في سوريا، وزودتها بالمال والسلاح، وانتشرت التجارة في كل شئ بين الأطراف الدولية والأطراف ما دون الدولة في سوريا، في زواج مصلحي انتهى مرحليا بخلق معطيات سياسية جيدة على الارض، السعودية و نظام بشار وإيران وغيرها من الدول الديكتاتورية لم تعد لها نفس الصورة التي كانت في السابق، بل أن صورتها في ذهن المواطن و الغرب تحسنت، إذ أن مقارنة هذه الدول بما تفعله “داعش اليوم” جعل الكثيرين يراجعون حساباتهم وفي مقدمتهم الدول الغربية. وأصبح بشار أفضل بكثير من نظام البغدادي، الذي رجع إلى طقوس يكاد يقال أنها لا يمكن أن تكون في زمننا، لكن وسائل الاعلام و التكنولوجيا حولت مدابح ‘داعش” إلى “فلاش باك” للعصور الوسطى، التي تكونت أغلب تمثلاتنا عنها من خلال كتب التاريخ وليس الصورة، فالصور القادمة من سوريا عبارة عن نوستالجيا الحروب الدينية بأوربا خلال القرن السادس و السابع عشر.

اليوم أصبح المواطن في دول شمال افريقيا والشرق الاوسط يفضل الأمن على أي شئ اخر، فصور الفوضى التي تتزاحم على القنوات الدولية جعلت المزاج العام يتغير بشكل درامي، حتى أكثر الحالمين بالتغيير يقول اليوم إنه لم يعد مقتنعا بالمسار الذي شارك فيه في بداية 2011، فالحرية لها مذاق مر، والديمقراطية لا تصلح لشعوب المنطقة، وأن الموجة الرابعة أسطورة، هذا بالضبط ما كانت تبحث عنه الأنظمة المجبولة على الديكتاتورية والمدمنة للسلطة.

إن ما يجرى في المنطقة جزء كبير منه مخطط له، أما الجزء الباقي فهو جاء بمحض الصدفة، فمنذ أواخر الثمانينات و العالم يعيش تحولات سريعة، إذ صعدت مكانة السوق و تراجعت مكانة الدولة، وأصبحت فكرة نهاية السياسية والبيروقراطية هي العملة الرائجة، وانتعشت مقولة “دعه يعمل دعه يسر”، وقلص مدى الدولة إلى أدنى مستوياته حتى كاد يختزل في دركي تطبيق القانون. هذه الموجة الجديدة كانت طبيعة وتنسجم مع التطور الذي تعيشه الدول الغربية، لكنه لا يتماشى مع حقائق الدول المتخلفة. ونظرا لصعوبة وقف هذا التحول، فقد تبنت بعض الدول الجانب الاقتصادي من النظام المعولم دون تطبيق شقه السياسي، الأمر الذي جعل العديد من الدول في وضعية شرود، فهي مندمجة في السوق العالمية الاقتصادية لكنها متخلفة من الناحية المؤسساتية والسياسية. هذا الوضع غير السليم جعل الكثير من الدول تفشل في الحفاظ على كيانها وسقطت في خانة الدول الفاشلة، لأنها غير قادرة على التأقلم.

هذه السيرورة الطبيعية تذكرنا ببداية القرن العشرين، وذلك في اطار العلاقة بين الدول الغربية المتقدمة و المتخلفة، في ذلك الوقت كانت الدول الغربية تعرف طفرة صناعية غير مسبوقة بعد نجاح الثورة العلمية و السياسية و الفكرية، في حين كانت باقي دول العالم ترزح تحت تخلف سياسي و اقتصادي مبني على الكفاف. اليوم، ونحن نشهد العالم الغربي يدخل إلى الثورة الصناعة الثالثة، لازال عالمنا المتخلف لم يغادر العديد منه النمط الفلاحي في نموذجه الاقتصادي، وتعويضه لدكتاتورية القبائل، بديكتارية الزعيم، إنها نفس البيئة التي كنا فيها قبل 100 سنة تعاد بأساليب أخرى.

إن الثورة حلم سكن الضمائر الحية في هذه البلدان لما يقرب من قرن، ولم تستطع كل النخب التي مرت أن تحققه، فلكل زمان إكراهاته، وتبقى الديكتاتورية كأنها قدرنا، نعيد ترميمها كلما تأكل أحد أركانها، ويسجل التاريخ فشل الشعوب و تفوق الأنظمة في الالتفاف و الحفاظ على مصالحها و إن اقتضى الأمر التحالف مع المستعمر لفترة، بل فرض شيوخ الديكتاتورية معادلة عصية على الحل، ووضعوا العالم أمام الأمر الواقع إما نحن أو داعش، فلكم الإختيار.

شاهد أيضاً

هل تحل الجزائر محل فرنسا في مالي؟

الجزائر: تقليد عدم التدخل العسكري منذ ظهور حركة احتجاجية على مستوى البلاد في فبراير 2019، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *