قراءة في رواية “إيطانيا” لعبد الواحد حنو

توطئة
تقوم رواية “إيطانيا” على مشروع روائي طموح يسعى إلى تجديد أدوات التعبير السردي من خلال بناء متعدد المستويات، تتداخل فيه الأزمنة وتتقاطع العوالم الواقعية والغرائبية، ويصبح فعل القراءة نفسه جزءا من بنية الحكي. غير أن هذا الطموح الفني لا يفضي دائما إلى بناء روائي متماسك، إذ يترك العمل، بعد الفراغ من قراءته، انطباعا بأن بعض عناصره ظلت تبحث عن الانسجام الذي يجعلها تندمج في رؤية روائية واحدة.
العنوان وإنتاج أثر الغرابة
يلفت العنوان، منذ الوهلة الأولى، الانتباه إلى نزوع الرواية نحو بناء عالم غرائبي. وكما لاحظ محمد بوزكو في تقديمه للرواية، فإن الكاتب يراهن منذ العنوان على إنتاج أثر الغرابة. فـ«إيطانيا» ليست مجرد فضاء متخيل، وإنما هي تسمية تستدعي أيضا إيحاء سلبيا، بحكم ما يحيل إليه اللفظ في الأمازيغية من عالم الكلاب وما ارتبط به في المخيال الشعبي من دلالات تنقيصية. وهكذا يصبح العنوان أول عتبة دلالية تدخل القارئ إلى عالم يقوم على تشويه الواقع وإعادة بنائه وفق منطق رمزي قاتم.
تعدد مستويات السرد والزمن
يعتمد النص تقنية التناوب بين سارد عليم يروي بضمير الغائب وراوٍ-شخصية هو بوليط، الشخصية المحورية في الرواية، الذي ينصرف في حاضر السرد إلى قراءة أوراق قديمة كتبها في مرحلة سابقة من حياته، قبل أن يفقد يده اليمنى في الحرب الأهلية الإسبانية.
ويترتب عن هذا الاختيار السردي تشكل ثلاث زمنيات متداخلة.
الأولى هي زمن الحاضر، حيث يعيش بوليط عزلة قاسية بعد الاختفاء المفاجئ لزوجته ثمانكوت، فتغدو حياته اليومية سلسلة من التأملات والهواجس واستعادة الذكريات.
أما الثانية فهي زمن الذاكرة الشخصية والتاريخية، الذي يستعيد فيه تجربة الحرب وما خلفته من جراح جسدية ونفسية، لتصبح الحرب عنصرا مفسرا لحاضر الشخصية.
أما الزمن الثالث فهو زمن القصة المدونة في الأوراق، وهي قصة غرائبية تستقل بعالمها وشخصياتها، لكنها تظل مندمجة داخل القصة الإطار بفعل عملية القراءة التي يقوم بها بوليط.
ومن ثم فإن البناء السردي يقوم على ثلاثة مستويات متراكبة: حاضر العيش، وماضي الذاكرة، وزمن الكتابة المتخيلة.
القصة المتضمنة ووظيفتها
تعد القصة المدونة في الأوراق أهم مظاهر التجريب في الرواية. فهي تستعيد أجواء الحكاية الشعبية، وتعج بكائنات هجينة تجمع بين الصفات البشرية والحيوانية، وتقوم العلاقات بينها وبين من تحت إمرتها على منطق السلطة المطلقة والخضوع والعنف.
غير أن إدراج هذه القصة داخل الرواية يثير سؤالا حول وظيفتها السردية. فمن الناحية الرمزية، تبدو محاولة لبناء أليغوريا عن الاستبداد وآلياته، لكن عالمها يقوم على عنف دموي مفرط، يبلغ حد شق الرؤوس والتهام الأدمغة والأكباد، وهو عنف يروى أحيانا بقدر من التفصيل يجعل أثره الجمالي محل تساؤل.
ولا يتعلق الأمر هنا بوجود العنف في ذاته، وإنما بمدى اندماجه في الاقتصاد العام للرواية. فالإفراط في تصويره يجعل العالم الغرائبي أقل قدرة على الإقناع، رغم ما يحمله من طموح ترميزي واضح.
ولعل القراءة التي تمنح هذه القصة قدرا أكبر من التماسك هي النظر إليها باعتبارها امتدادا لكوابيس بوليط.
المرايا السردية والأليغوريا
تؤسس الرواية علاقة مرآتية بين فضاءين: “غاطا” و”إيطانيا”.
فإذا كانت “غاطا: تمثل فضاء مغلقا يصفه السارد بالقفص، فإن “إيطانيا” تظهر بوصفها «كهف الظلمات»، أي صورة مضخمة وأكثر تطرفا للعالم الأول. وهكذا تتحول العلاقة بين الفضاءين إلى علاقة تضخيم رمزي، بحيث يغدو أحدهما انعكاسا للآخر.
وتندرج أليغوريا الكهف ضمن هذا التصور؛ فهي تمثل عالما يستبد فيه الغول بمخلوقاته، ويقوم نظامه على العنف والإخضاع المطلقين. غير أن نجاح الأليغوريا يظل رهينا بالمحافظة على قدر معقول من التوازن مع القصةالإطار؛ وهو توازن يبدو في هذه الرواية مهددا بسبب “المبالغة” التي تطبع عالمها كما سبق القول. مبالغة قد تعرقل قبول (l’adhésion) القارئ.
الروابط بين المستويات السردية
تعتمد الرواية عددا محدودا من الروابط التي تنقل القارئ بين القصة الإطار والقصة المتضمنة.
ومن أبرزها عبارة التذكر المفاجئ (Ḥeqqa Buliṭ) التي تعيد السرد فجأة إلى حاضر الشخصية بعد امتداد طويل داخل القصة الغرائبية، وهي صيغة توحي وكأن الكاتب يمارس تمرينا أسلوبيا واعيا بآليات الكتابة، مما يقربها من تقنيات الميتاسرد.
أما الرابط الأكثر تكرارا فهو عبارة «وتابع القراءة»، التي تؤدي وظيفة انتقالية بين المستويين السرديين.
بعض مواطن الالتباس الحكائي
تتضمن الرواية عددا من الأحداث والشخصيات التي لا تتضح وظيفتها داخل البناء الحكائي.
ومن ذلك حادثة السير التي ينقذ فيها بوليط امرأة مجهولة، إذ لا يعاد توظيف هذا الحدث لاحقا. وقد يغري النص بتأويل يجعل تلك المرأة هي ثمانكوت، أو يجعلها كاميليا الأنثى الغاوية في عالم “الكهف”؛ غير أن الرواية لا تقدم ما يكفي من المؤشرات التي تسمح بترجيح أي من الاحتمالين.
كما أن التماهيات التي تنتهي إليها بعض الشخصيات في خاتمة الرواية تبقى مفتوحة على التأويل، لكنها لا تجد ما يكفي من التأسيس السردي داخل النص، وهو ما يجعلها تبدو أقرب إلى المفاجأة منها إلى النتيجة المنطقية لتطور الأحداث.
رمزية الذراع المفقودة
ومن العناصر التي تستوقف القارئ تكرر صورة الذراع المفقودة. فبوليط يفقد يده في الحرب، وثمانكوت شخصية بلا ذراع، كما أن كاميليا تقدم هي الأخرى فاقدة لإحدى ذراعيها. هذا، ما عدا إذا أخذنا بتماهيات الشخصيات في نهاية الرواية لتصير الهويات الثلاث هوية واحدة!
وتوحي هذه المراوحة حول الصورة نفسها بأن الأمر يتجاوز مجرد الوصف الواقعي ليقترب من الرمز. غير أن النص لا يسعف القارئ في بناء دلالة رمزية واضحة لهذا التكرار، فلا يتبين ما إذا كانت الذراع المفقودة ترمز إلى العجز، أو إلى الفقد، أو إلى تشظي الهوية، أو إلى أثر العنف التاريخي في الإنسان. ومن ثم يبقى هذا العنصر معلقا بين الإيحاء والإبهام.
شخصية علال: الغائب الحاضر.
ومن الشخصيات التي تثير الانتباه شخصية علال. فهي لا تحضر بالفعل الحكائي المباشر، بقدر ما تحضر بوصفها اسما يتكرر في مواضع متعددة من الرواية. وتبلغ هذه الإحالة ذروتها في الصفحة 114، حيث ينسب إليه تحول نعيم غاطا إلى مرارة إيطانيا.
غير أن النص لا يقدم معطيات كافية عن هذه الشخصية؛ فلا نعرف من يكون علال، ولا طبيعة أفعاله، ولا سبب اقتران اسمه بكل ذلك الحقد. وهكذا يظل حضوره حضورا اسميا أكثر منه حضورا سرديا، الأمر الذي يجعل وظيفته داخل الاقتصاد الحكائي غير مكتملة.
التماهيات في خاتمة الرواية
تتجه الفصول الأخيرة إلى بناء سلسلة من التماهيات بين الشخصيات، إذ يتماهى بوليط مع ثمانكوت، ثم مع كاميليا، بما يوحي بأن الحدود بين الشخصيات أخذت تتلاشى تدريجيا.
ولا شك أن هذا الاختيار يفتح باب التأويل على مصراعيه، غير أن الرواية لا توفر للقارئ ما يكفي من المؤشرات التي تمكن من فهم دلالته أو وظيفته السردية. ولذلك يظل هذا التماهي، على الرغم من كثافته الرمزية، أقرب إلى اقتراح تأويلي مفتوح منه إلى نتيجة يفرضها منطق البناء الروائي.
إحالة ممكنة إلى عالم لافكرافت
يستدعي العالم الغرائبي الذي تشيده الرواية، بما يزخر به من كائنات هجينة وأجواء كابوسية وعنف مفرط، المقارنة بعوالم الكاتب الأمريكي هوارد فيليبس لافكرافت، أحد أبرز كتاب فنتازيا الرعب. وليس المقصود بذلك القول بوجود تأثير مباشر، وإنما الإشارة إلى تقارب في بناء عالم يقوم على الغرابة والهلع، وعلى تحويل المجهول إلى قوة ضاغطة تهيمن على الشخصيات. غير أن عالم «إيطانيا» يظل أكثر التصاقا بالموروث الحكائي المحلي وبالرمز السياسي والاجتماعي، في حين ينزع عالم لافكرافت إلى الرعب الكوني والميتافيزيقي.
الأسلوب
يتسم إيقاع القصة الإطار بالبطء، إذ يقوم أساسا على رصد الحياة اليومية لبوليط وتأملاته، دون تطور درامي ملحوظ، بينما تتميز القصة الغرائبية بإيقاع أكثر دينامية، تتوالى فيه الأحداث وتتنامى الصراعات.
أما الوصف فيغلب عليه الطابع الانطباعي والإيحائي، مع ميل واضح إلى التهويل والمبالغة، بحيث يعكس رؤية الذات أكثر مما يعكس موضوع الوصف نفسه.
وعلى المستوى اللغوي، تمزج الرواية بين التعتيق والمتداول في أمازيغية الريف، دون أن يظهر توجه واضح نحو تقليص المقترضات اللغوية. كما يلاحظ ميل إلى الإكثار من العبارات المسكوكة، وإلى توظيف بعضها خارج سياقها الدلالي الأصلي، بما قد يوحي بأن استعراض الرصيد الثقافي واللغوي أصبح أحيانا غاية في ذاته.
ويضاف إلى ذلك حضور كثيف للألفاظ التعبيرية غير المعجمية، وهو ما قد يحد من مقروئية النص خارج مجاله السوسيو-لساني، فضلا عن حضور تناص متكرر مع الأمثال والأقوال السائرة، وهو تناص يسهم في ترسيخ الصلة بالموروث الثقافي.
خاتمة
تقدم رواية إيطانيا مشروعا سرديا جريئا، يراهن على التجريب عبر تشظية الزمن، وتداخل مستويات الحكي، وبناء عالم رمزي غرائبي. غير أن هذا الطموح الفني يصطدم، في أكثر من موضع، بغياب ما يكفي من الروابط الداخلية التي تمنح بعض الرموز والشخصيات والتحولات السردية ضرورتها الفنية. ولذلك تظل الرواية عملا يثير التفكير أكثر مما يحقق الإقناع، ويستدعي التأويل أكثر مما يمنح مفاتيحه. وربما كانت هذه المفارقة نفسها هي ما يجعلها جديرة بالقراءة والنقاش».




