إعادة كتابة تاريخ المغرب من منظور علمي يُدمج نتائج الاكتشافات الأركيولوجية
بقلم: جمال بورفيسي
شكلت الدورة الثانية للملتقى الوطني للبحث في تاريخ المغرب الذي نُظم بالرباط، في فاتح و2 يوليوز 2026 ،بشراكة مع الجمعية المغربية للبحث التاريخي حول موضوع ” استقلال المغرب الذاكرة والتاريخ”، محطة لإعادة استحضار الإشكاليات الكبرى المرتبطة بقراءة وكتابة تاريخ المغرب المعاصر.
فبقدر ما يتم استذكار وهج وعظمة لحظة الاستقلال الذي احتفلنا بذكراه السعبين، والذي تُوج سنوات من الكفاح المسلح شاركت فيه مختلف مكونات الشعب المغربي، بقدر ما أعادت هذه المحطة طرح الإشكاليات القديمة- الجديدة، المرتبطة بـ”حقائق” التاريخ كما هي ، وبقراءتنا أو “تأويلنا” لحدث الاستعمار/ الاستقلال.
وبقدر ما أسهمت الذاكرة في حفظ وحماية الحدث من النسيان ، بقدر ما نسجل أن استعادة اللحظة ظلت مشوبة بالانتقائية و هيمنة البعد العاطفي المبالغ فيه في أحيان كثيرة،وفق مخرجات الملتقى، إذ أن الكثير من القراءات و الأبحاث في موضوع الاستعمار والاستقلال ظلت تستبطن نظرة بطولية وتمجيدية، على حساب اعتماد المنهج العلمي الموضوعي والرصانة الفكرية في استعادة حدث الاستقلال، رغم ما حققته الكتابة التاريخية من تراكم مهم في دراسة فترة الحماية.
وسلط الملتقى الضوء على حقيقة مفادها أن كتابة تاريخ الاستقلال ظلت خاضعة لمنطق الانتقاء التاريخي الذي احتكرته النخب السياسية،خصوصا حزب الاستقلال، مقصيا بذلك الفاعلين الاجتماعيين، وأدوار النساء والعمال والنقابات وسكان القرى واليهود والمقاومة المحلية.
لقد ظلت قراءتنا حبيسة رؤية اختزالية وانتقائية وتبسيطية للتجربة الاستعمارية وتقديمها ككتلة متجانسة وإخفاء تعقيداتها القانونية والاقتصادية والرمزية، وفق ما أجمعت عليه العديد من المداخلات.
ورغم مرور سبعة عقود على استقلال المغرب، وهي مدة كافية لإعادة التفكير فيه وفق مقاربة علمية جديدة، إلا أن واقع الحال ظل كما هو، بدون تغيير، في الوقت الذي أصبحت فيه الحاجة ماسة إلى عقلنة السردية تاريخيا، أي إخضاعها للنقد العلمي، واعتماد تعدد الأصوات والانفتاح على المناهج النقدية المقارنة.
ورغم الأصوات المتعددة التي نادت بالأمس، وتنادي اليوم، بضرورة إخضاع تاريخ المغرب لكتابة جديدة تستبطن المنهج العلمي،إلا أن هذه الدعوات ظلت صرخة في واد، وظل تاريخ المغرب رهين سردية تقليدية مُتجاوزة.
والمحصلة أن هذا الحدث، أي حدث الاستقلال، أثمر جدلا متواصلا حول طبيعة الوجود الاستعماري بالمغرب، بدءا من السؤال الجوهري و المبدئي حول هل خضع المغرب للاستعمار أم للحماية؟، واختزال المقاومة في حركة وطنية مدينية بالأساس، في مقابل تهميش أدوار حركات وفئات أخرى من المجتمع.
وارتباطا بموضوع تاريخ المغرب ومسألة الاستعمار أو الحماية، والاستقلال، فإن الموضوع يثير مجددا إشكالية المناهج المعتمدة في تدريس التاريخ ، والتي ظلت تقريبا ثابتة تعتمد على السلالات الحاكمة في انفصال مع ديناميات وحركيات الوطن والمجتمع، في سياق منهج تجزيئي تبسيطي، ومختزل إلى حد كبير.
ولم تؤد المراجعات التي أخضعت لها هذه المناهج على قلتها وتباعدها الزمني، إلى إرساء مناهج جديدة متطورة تتوسل المنهج العلمي والنقد التحليلي في دراسة تاريخ المغرب، وبالأخص في المقام الذي يعنينا هنا، أي مغرب الاستعمار والاستقلال.
وبمناسبة انكباب اللجنة العلمية المكلفة بمراجعة المناهج على تحيين المناهج والمقررات، لابد من توجيه الجهود نحو إعادة الاعتبار للتاريخ الأمازيغي الذي ما يزال يعاني التهميش في المناهج الدراسية المغربية الحالية.
إننا في حاجة ماسة اليوم إلى إعادة بناء المناهج الدراسية على أسس علمية تستحضر الأمازيغة كحضارة وثقافة أصيلة في المغرب، كعنصر أساسي في بناء الهوية الوطنية.
فاللجنة التي تعتمد على الوثائق المكتوبة وأرشيف المقاومة وحتى الروايات الشفهية، لا بد أن تعتمد على نتائج الاكتشافات الأركيولوجية الحديثة لإعادة بناء التاريح الحقيقي للمغرب بوصفه بلد أمازيغي عريق.
لابد من التأكيد، ونحن نكتب تاريخ المغرب، على الجذور الأمازيغية والما قبل التاريخ، فالحفريات الأثرية تؤكد أن المغرب لم يكن “أرضا خلاء”، بل كان مأهولا منذ مئات الآلاف من السنين.





