أخبار العالم الأمازيغيثقافة وفن

رواية “يوميات مغترب في بلاد الكفيل”.. الكاتب والشاعر الأمازيغي يستعيد ذاكرة جيل من الهجرة إلى الخليج

بلاد الكفيل".. حين يصبح العمل اختباراً للحرية

ليست كل الرحلات بحثاً عن المتعة، ولا كل المطارات بوابات إلى حياة أفضل. ففي بعض الحالات، يكون السفر اضطراراً، وتتحول الهجرة إلى محاولة للخروج من الفقر والبطالة، بينما يبقى الوطن حاضراً في الذاكرة، ويصبح البلد المضيف فضاءً تختبر فيه الأحلام وحدود الصمود والقدرة على الحفاظ على
الكرامة.

من هذه الزاوية تقترب رواية “يوميات مغترب في بلاد الكفيل” للكاتب والشاعر المغربي عبد الله أبردزو من تجربة إنسانية واجتماعية طبعت ذاكرة جيل من المغاربة الذين اتجهوا، خصوصاً خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، نحو بلدان الخليج بحثاً عن العمل وتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

ولا تقدم الرواية الهجرة باعتبارها مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل تجعل من تجربة الاغتراب مدخلاً إلى أسئلة أوسع تتصل بالحرية والكرامة والهوية والانتماء، وبالعلاقة التي تنشأ بين الإنسان والمكان الذي يغادره والمكان الذي يستقر فيه.

من الصويرة تبدأ الرحلة

تبدأ الحكاية من الصويرة، حيث تتحول لحظة الوداع إلى عتبة سردية تفصل بين حياة مألوفة ومستقبل مجهول. ومن المدينة إلى الدار البيضاء، ثم إلى الطائرة والمطار وفضاءات الإقامة الأولى في الخليج، يتتبع الكاتب التحولات التي ترافق المهاجر منذ لحظة اتخاذ قرار الرحيل.

الطريق في الرواية ليس مجرد مسافة جغرافية. إنه جزء من التجربة النفسية نفسها؛ فالمغادرة تعني الانفصال المؤقت عن الأسرة والحي والذاكرة، والانتقال من فضاء البحر والانفتاح إلى فضاء الصحراء والحرارة والانتظار.

ويمنح أبرزو لهذه التفاصيل وظيفة رمزية، إذ يصبح المطار والحدود والطريق والصحراء فضاءات للعبور والقلق والترقب، بينما يتحول السفر من حلم بالخلاص إلى اختبار حقيقي لما يمكن أن يحتمله الإنسان في سبيل تأمين حياة أفضل.

يحيى ومحمد.. وجهان لتجربة واحدة

تتمحور الرواية حول شخصيتي يحيى ومحمد، وهما شابان مغربيان ينطلق كل منهما من خلفية مختلفة، قبل أن تجمعهما تجربة الاغتراب في الخليج. يحيى ابن بيئة قروية متواضعة، تدفعه الظروف الاقتصادية الصعبة إلى البحث عن مصدر رزق يساعده على مواجهة حاجات أسرته. أما محمد، القادم من مراكش، فيحمل معه طموحات وأفكاراً تتجاوز الحسابات المادية المباشرة، ويبدو سفره أقرب إلى رحلة بحث عن إجابات تتصل بالمجتمع والهوية والدين والانتماء.

ومن خلال الشخصيتين، لا يقدم الكاتب نموذجاً واحداً للمهاجر المغربي، بل يبرز تعدد الدوافع التي كانت وراء الهجرة. فهناك من غادر بحثاً عن لقمة العيش، ومن رأى في الخليج فضاءً لتحقيق طموحات أكبر، ومن وجد نفسه في نهاية المطاف أمام واقع مختلف عن الصورة التي رسمها قبل الرحيل.

وتكشف الرحلة تدريجياً أن الحلم الاقتصادي لا ينفصل عن أسئلة أخرى أكثر تعقيداً: ماذا ينتظر المهاجر في البلد الجديد؟ وما الثمن الذي يمكن أن يدفعه مقابل العمل؟ وأين تنتهي الحاجة ويبدأ التنازل عن جزء من الحرية والاختيار؟

بلاد الكفيل”.. حين يصبح العمل اختباراً للحرية

يشكل نظام الكفالة محوراً مركزياً في الرواية، ليس باعتباره إجراءً مرتبطاً بعلاقة العمل فقط، وإنما بوصفه رمزاً لعلاقة غير متكافئة يمكن أن تنشأ بين العامل المهاجر والكفيل.

ومن خلال تجارب الشخصيات، يتوقف الكاتب عند وضع العامل الذي يجد مصدر رزقه مرتبطاً بعلاقة تمنحه هامشاً محدوداً من الحركة والاختيار. ويكتسب جواز السفر، في عدد من مشاهد العمل، دلالة تتجاوز وظيفته القانونية، ليصبح رمزاً للحرية الشخصية عندما يكون وضعه لدى جهة أخرى مؤشراً على اختلال ميزان القوة.

وفي هذا السياق، تطرح الرواية سؤالاً عن الحدود الفاصلة بين الحاجة الاقتصادية والحرية الفردية، وعن الكلفة الإنسانية التي قد يتحملها المهاجر عندما يجد نفسه في وضع اجتماعي وقانوني يجعله أكثر عرضة للتبعية والانتظار والصمت.

ولذلك لا تبدو كلمة “الكفيل” في عنوان الرواية مجرد إحالة إلى بلد أو نظام عمل، بل تتحول إلى مفتاح رمزي لفهم جزء أساسي من التجربة التي يرويها الكتاب: مغترب يريد أن يعمل ويكسب رزقه ويساعد أسرته، لكنه يجد نفسه مطالباً، في بعض الظروف، بالدفاع أيضاً عن حقه في الاختيار والكرامة.

شخصيات متعددة.. ووجوه مختلفة للاغتراب

لا تختزل الرواية عالمها في يحيى ومحمد، بل تفتح فضاءها أمام شخصيات أخرى تعكس تنوع التجارب داخل عالم الهجرة. يحضر عم إدريس بوصفه حاملاً لذاكرة سنوات طويلة من الغربة، بما تختزنه من تجارب وتحولات، فيما تقدم شخصية الأستاذ الإندونيسي صورة لمثقف يجد نفسه في وضع لا ينسجم بالضرورة مع مساره العلمي والمهني.

وتحضر شخصيات نسائية، من بينها ليلى وزهرة، عبر حكايات تفتح نقاشاً حول أوضاع النساء في سياقات الاغتراب والعزلة والاستغلال. كما تظهر شخصيات مثل الشيخ حمدان ومسلم المطيري في فضاءات السلطة والحدود والتهريب، بينما تؤدي شخصية “المجنون” وظيفة رمزية لافتة، باعتبارها صوتاً احتجاجياً يواجه المجتمع بخطاب مباشر وصادم.

ويمنح هذا التنوع الرواية قدرة على الاقتراب من الاغتراب من زوايا متعددة؛ فالخوف ليس واحداً، والحنين لا يتخذ الشكل نفسه، والسلطة لا تظهر دائماً في صورة واحدة، كما أن حلم العودة يختلف من شخصية إلى أخرى.

بين التوثيق والسرد

من أبرز خصائص العمل مزجه بين السرد الروائي واستعادة خلفية اجتماعية وتاريخية للهجرة نحو الخليج. فالكاتب يستحضر مرحلة شهدت توسعاً اقتصادياً وعمرانياً كبيراً في دول الخليج، في وقت كانت فيه فرص العمل محدودة أمام شرائح واسعة من الشباب في بلدان عربية ومغاربية، ومنها المغرب. لكنه لا يحول الرواية إلى دراسة تاريخية أو بحث اجتماعي، وإنما يستخدم هذا السياق لبناء حكايات إنسانية وشخصيات تتفاعل مع ظروف المرحلة.

وهذا التداخل بين الذاكرة والتخييل يمنح الرواية طابعاً خاصاً؛ فهي تستند إلى واقع اجتماعي معروف، لكنها تظل في النهاية عملاً أدبياً يعيد تشكيل الواقع من خلال الشخصيات والحوار والوصف والمواقف.ويؤكد هذا الجانب أهمية التمييز بين الرواية باعتبارها نصاً أدبياً مستلهماً من الواقع وبين الوثيقة التاريخية التي تخضع لقواعد مختلفة في التوثيق والإثبات.

البحر والصحراء وقاعة الانتظار..

تستثمر الرواية عدداً من الصور والاستعارات التي تمنح تجربة الاغتراب أبعاداً تتجاوز الحكاية المباشرة. فصورة “الأشجار المقتلعة من تربتها” تختصر وضع الإنسان الذي يجد نفسه بعيداً عن جذوره، ويحاول في الوقت نفسه أن يبني حياة جديدة من دون أن يفقد ذاكرته الأولى. أما “قاعة الانتظار الكبرى” فتتحول إلى صورة مكثفة لجيل ظل معلقاً بين وطن تركه وراءه ومستقبل لم يكن يعرف مساره بدقة.

وتكتسب أماكن مثل البحر والصحراء والمطار والحدود وظيفة رمزية داخل البناء الروائي، إذ لا تبقى مجرد خلفيات للأحداث، وإنما تتحول إلى علامات مرتبطة بالرحيل والانتظار والخوف والرغبة في العودة. وتظهر في اللغة نزعة وصفية ذات نفس شعري، وهو أمر ينسجم مع خلفية أبرزو كشاعر، ويمنح بعض المقاطع قدرة على تحويل المشهد الخارجي إلى انعكاس للحالة النفسية للشخصيات.

الاغتراب.. أكثر من مجرد بُعد عن الوطن

أحد الأبعاد الأساسية في الرواية هو تحويل الاغتراب من حالة مرتبطة بالجغرافيا إلى تجربة داخلية. فالمهاجر لا يعاني فقط من الابتعاد عن الأسرة والوطن، وإنما يواجه أسئلة تتعلق بالهوية والانتماء والمصير. ولهذا تصبح العودة في بعض مستويات الرواية أكثر من مجرد رجوع إلى المغرب؛ إنها رغبة في استعادة الذات التي أعادت سنوات الغربة تشكيلها.

وتحتل الذاكرة والحنين والدموع مساحة مهمة في هذا البناء، باعتبارها عناصر إنسانية لا تتوقف عند الحدود والجنسية. فخلف كل رحلة مهاجر توجد، بصورة أو بأخرى، أسرة تنتظر، وأم تودع، وأب يتحمل، وأطفال يكبرون بعيداً عن أحد الوالدين، وأحلام تظل معلقة بين بلد الأصل وبلد العمل. ومن هنا تتجاوز الرواية قصة أفراد محددين لتلامس ذاكرة اجتماعية أوسع، ارتبطت بالهجرة وتحولاتها وآثارها على الأسر المغربية.

ذاكرة جيل مغربي

تكتسب “يوميات مغترب في بلاد الكفيل” أهمية خاصة من زاوية استعادتها مرحلة من تاريخ الهجرة المغربية إلى الخليج. فالهجرة لم تكن بالنسبة إلى كثير من الأسر مجرد قرار اقتصادي، وإنما تجربة غيرت أنماط العيش والعلاقات الأسرية والاجتماعية، وفرضت على جيل كامل إعادة تعريف علاقته بالوطن والعمل والمستقبل.

وتحاول الرواية الإمساك بهذا الجانب الإنساني من الظاهرة، بعيداً عن لغة الأرقام والإحصائيات. فالمهاجر في العمل ليس رقماً ضمن حركة اقتصادية، وإنما شخص يحمل ذاكرة وأسرة وأحلاماً ومخاوف. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الرواية باعتبارها محاولة لاستعادة جزء من ذاكرة الهجرة المغربية التي لم تحظ دائماً بالحضور نفسه في الكتابة الأدبية، رغم تأثيرها العميق في المجتمع.

حضور نقدي

وقد حظي العمل بقراءة نقدية، من بينها دراسة للكاتب أحمد شهلي بعنوان “فلسفة الاغتراب وممكنات الكتابة من خلال رواية يوميات مغترب في بلاد الكفيل”، نشرت ضمن أحد أعداد مجلة “مدارات الثقافية” في يوليوز 2026.

وتندرج هذه القراءة ضمن اهتمام نقدي متزايد بأدب الهجرة والاغتراب، باعتباره مجالاً تتقاطع فيه الكتابة الأدبية مع أسئلة الهوية والذاكرة والحرية والكرامة والإنسان. ولا تنبع أهمية هذا النوع من الأدب من كونه يسجل تجارب السفر فقط، بل من قدرته على تحويل التجربة الفردية إلى مدخل لفهم تحولات اجتماعية أوسع.

عبد الله أبردزو.. من الشعر إلى الرواية

يكتب عبد الله أبردزو بالعربية والأمازيغية، ويجمع في تجربته بين الشعر والكتابة السردية. ويبدو هذا التنوع حاضراً في الرواية من خلال اهتمام واضح باللغة والصورة والوصف، إلى جانب الاشتغال على قضايا الإنسان والهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية.

وفي “يوميات مغترب في بلاد الكفيل”، تتحرك الكتابة بين مستويين متداخلين: مستوى حكائي يتابع مصائر الشخصيات ورحلاتها، ومستوى أعمق يطرح أسئلة حول معنى الوطن والهجرة والحرية والكرامة. وبذلك لا يكتفي الكاتب بإعادة سرد تجربة مغاربة في الخليج، وإنما يحاول تحويلها إلى سؤال إنساني مفتوح حول الإنسان عندما يضطر إلى مغادرة مكانه بحثاً عن حياة أفضل.

رواية عن الهجرة.. وسؤال عن الكرامة

في نهاية المطاف، لا تبدو “يوميات مغترب في بلاد الكفيل” مجرد رواية عن السفر إلى الخليج، ولا مجرد استعادة لمرحلة تاريخية من الهجرة المغربية، بل محاولة أدبية للنظر إلى الوجه الآخر لتجربة الاغتراب: ذلك الوجه الذي لا تظهره عادة صور السفر والنجاح والاستقرار الاقتصادي. إنها كتابة عن الحاجة والانتظار والحنين والوحدة، وعن الإنسان الذي يجد نفسه مطالباً بالتكيف مع مكان جديد، من دون أن يتخلى عن ذاكرته أو هويته أو إحساسه بكرامته.

وبين الصويرة والخليج، وبين لحظة الوداع وحلم العودة، وبين “المهاجر” و”المكفول”، تضع الرواية قارئها أمام سؤال يتجاوز الزمن والمكان: ماذا يبقى من الإنسان عندما يغادر وطنه بحثاً عن حياة أفضل، ثم يجد نفسه مضطراً إلى الدفاع عن حقه في أن يظل حراً وكريماً؟ وربما تكمن قوة العمل في أنه لا يقدم جواباً نهائياً عن هذا السؤال، بقدر ما يجعل القارئ يعيش الرحلة من الداخل؛ رحلة جيل حمل أحلامه إلى بلاد الخليج، واكتشف أن أصعب ما في الغربة ليس المسافة التي تفصل الإنسان عن وطنه، وإنما المسافة التي قد تنشأ بين الحلم والواقع، وبين الحاجة والحرية، وبين الرغبة في حياة أفضل والتمسك بحق الإنسان في الكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى