
———————————
ملحوظة : كنتُ قد وعدْتُ متتبعي وأصدقائي، إثر زيارةٍ عائليةٍ قُمْنا بها إلى بيتِ أسرة صديقي المصطفى أوعزيز بالخميسات، والتي تخلَّلها إهداؤُه إيايَ كتابَهُ/أُطروحتَهُ الجامعيةَ المعنْونَةَ ب ” التعليمُ الفرنسيُّ في الوسطِ الأمازيغيِّ ،أزرو وعين اللوح 1915—1956″، بالعودةِ إلى هذا الكتابِ لتقاسُمِ محتواهُ معهم.. وإذْ أقدِّمُ لكُمُ اليومَ خلاصَتَهُ، لا أخْفيكُمْ أنني قرأْتُه بشغَفٍ وإعجابٍ، وقد شدَّني إليه كثيراً مُحْتواهُ العلميُّ الهامُّ، لذلك أدعوكمْ إلى قراءةِ هذا الملخَّصِ، ويبدو لي ألاَّ مناصَّ من العودةِ إلى الكتاب الأصليِّ، ففيهِ كثيرٌ من التفاصيل التي لمْ يسْمَحِ المقامُ هنا بعَرْضِها كلِّها أو جُلِّها…
———————————
صدَرَ كتابُ “التعليمُ الفرنسيُّ في الوسط الأمازيغي، أزرو وعين اللوح 1915-1956” للدكتور المصطفى أوعزيز عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط) سنة 2024.. والكتابُ في الأصلِ أطْروحةٌ جامعيةٌ لنيْلِ شهادةِ الدكتوراه في التاريخ، نوقِشَتْ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالقنيطرة يوم 8 يوليوز 2021 تحت إشراف أستاذي العزيز الدكتور بوجمعة رويان، وهو جهدٌ أكاديميٌّ مُعْتبَرٌ، اقتحمَ فيه الباحثُ أوعزيز مجالاً تاريخياً محكوماً بالنُّدْرةِ المعرفيةِ، محفوفاً بصعوباتٍ شتَّى، مادامتْ مُعطياتُه مُسْتقاةٍ من أبحاثٍ ميدانيةٍ استدعتْ وُلوجَ أرشيفاتٍ وطنيةً وخارجيةً، فضلاً عن تعدُّدِ النقاط/المؤسساتِ التي حتَّمتْ على الباحثِ التَّنقُّلَ إليها ومحاورَةَ القَيِّمينَ على تدْبيرها.. الخ صُدِّرَ المؤلَّفُ /البحثُ بتقديمٍ من توقيعِ الدكتور علي بنطالب المشتغلِ بمركز الدراساتِ التاريخيةِ والبيئيةِ بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط، أبْرَزَ فيه القيمةَ العلميةَ المُضافةَ في مجال البحث التاريخيِّ عموماً، وفي مرحلةِ الحمايةِ الفرنسيةِ بالأساسِ، مُنوِّهاً بالجُهْدِ المنهجيِّ المُتحقِّقِ، مُثْنياً على اسْتيفاءِ الموضوع وإلمامِ الباحثِ بما كُتِبَ حول التعليم خلال فترةِ الحماية ومجالِ الأطلس المتوسط تأليفاً وتحليلاً، وكذا المقاربةِ التي اتَّبعَها الباحثُ والقائمةِ على البحثِ الميدانيِّ من خلالِ الوقوفِ عند نماذجَ معيَّنةٍ لمؤسساتٍ تعليميةٍ مخْصوصةٍ… وقدِ اعتمَدَتْ هذه المقاربةُ، حسب الأستاذ بنطالب، المنهجَ التاريخيَّ والسوسيو-تربويَّ ودراسةَ المحيطِ السوسيو-ثقافيِّ، مؤكِّداً على كوْنِ العملِ يُشكِّلُ قيمةً مُضافةً للخزانةِ التاريخيةِ المغربيةِ.
يتألفُ الكتابُ من تقديمٍ عامٍّ للباحث أوعزيز، استغرقَ 23 صفحةً، وبابين؛ الأولُ عَنْونَه الكاتبُ ب :السياسة التعليمية الفرنسية في مغرب الحماية الفرنسية وسياقاتها التاريخية، يضُمُّ فصلين :(السياسة التربوية الفرنسية بمغرب الحماية – السياسة “البربرية” الفرنسية التربوية بالجزائر والمغرب)، الثاني عنْونَهُ ب:مصير السياسة التربوية “البربرية” في مغرب الحماية الفرنسية ، يَضُمُّ، هو الآخرُ، فصلين على النحو التالي: (المدرسة الفرنسية “البربرية” الابتدائية المهنية الفلاحية بعين اللوح، والثانوية “البربرية” بأزرو – فشل السياسة التربوية الفرنسية في الوسط الأمازيغي ، محاولاتٌ في التفسير).
وُزِّعتْ هذه المادَّةُ البحْثيةُ إجمالاً على 407صفحاتٍ، واسْتِحضاراً للعُدَّةِ الوثائقيةِ البحثيةِ التي لامستْ موضوعَ السياسةِ التعليميةِ لسلطاتِ الحمايةِ الفرنسيةِ ، وجَدَ الباحثُ نفسَه-في سياقِ الاستئناس والإحاطةِ النسبيةِ – أمامَ بعضِ الأطروحاتِ من قبيل :أطروحةُ Lucien Paye (الأستاذُ السابقُ بثانوية مولاي يوسف بالرباط /المديرُ السابقُ للتعليم الإسلامي بالمغرب / وزيرُ التربية الوطنية الفرنسية / السفيرُ الفرنسي الأول لدى جمهورية الصين الشعبية) المعنونةُ ب “تطور التعليم العصري بالمغرب ، من البدايات إلى غاية سنة 1956” ،حيث اعتبرها الباحثُ أوعزيز أهمَّ وأضخمَ الأبحاثِ النظريةِ التي اهتمتْ بالسياسةِ التربوية الفرنسية بالمغرب.. وإذا كانتِ الدراساتُ المعاصرةُ للحماية الفرنسية بالمغرب قد ركَّزتْ كثيراً على مشروع المدرسةِ الكولونياليةِ، فتبقى المعطياتُ التي وصلتْنا عن المدرسةِ “البربرية” أو المدرسةِ الفرنسيةِ في الوسطِ الأمازيغيِّ محدودةً وضئيلةً جدّاً.. هذه المدرسةُ التي نظَّرَ لها على سبيلِ المثالِ Roger Gaudefroy de mombynes و Paul MartyوMaurice le Glay وVictor Piquet ويرى الباحثُ أنَّ الدارسينَ المعاصرين الذين تناولوا الاحتلال الفرنسيَّ للمغرب مثل lucien Paye و G. Hardyدرسوا المدرسةَ الفرنسيةَ في الوسط الأمازيغي بشكلٍ عَرَضِيٍّ، كما أنهم لم يُعالِجوا مُخْرَجاتِ هذه المدرسةِ (مصيرُ خرِّيجيها).. ويكادُ يتميَّزُ-في رأي الباحث دائماً – بحثٌ تربويٌّ مهمٌّ، كُتِبَ سنة 1955 من طرف مفتشٍ للتعليم الابتدائي هو Paul Bourgeois..
التاريخُ المعاصرُ القريبُ، أو تاريخُ الزمن المغربي الراهن (فترةُ الحماية وما بعدها) لم يلْقَ الاهتمام نفسَهُ من طرفِ الباحثين والمؤرخينَ، لاعتباراتٍ عدَّةٍ منها ما يرتبطُ بالوثائقِ المتفرِّقةِ بين الخزاناتِ العموميةِ والخاصةِ داخلَ المغربِ وخارجَهُ، أو لأسبابٍ سياسيَّةٍ.. ويبقى طُموحُ تحقيقِ التَّراكمِ الضروريِّ لقراءةِ وكتابةِ تاريخِ الحمايةِ المغربيةِ كتابةً موضوعيةً علميةً متحرِّرَةً من القراءاتِ الإيديولوجيةِ أمراً مطلوباً بإلحاحٍ، سيما بعد تأسيسِ أرشيفِ المغرب سنة 2011، ورفْعِ القيودِ نسبياً عنِ البحثِ التاريخيِّ بالمغربِ في سياقِ ما سُميَ بالعهد الجديدِ مع اعتلاءِ محمدٍ السادسِ العرشَ سنة 1999وإعلانِ الرغبةِ في القطْعِ مع سنواتِ الجمرِ والرصاصِ، يقولُ الكاتبُ الباحثُ :
“الإشكالاتُ الكبرى المرتبطةُ بفترةِ الحمايةِ وما بعدَ الاستقلال، مثلُ الحركةِ الوطنيةِ والمقاومةِ والاستعمارين الفرنسي والإسباني ، والمخزنِ ومفاوضاتِ الاستقلال ، وجيشِ التحرير.. لا يزال جُلُّها في الظِّلِّ وتنتظرُ من يسلِّطُ عليها الضوءَ..”
ومنَ المواضيعِ التي لازالتْ لم تُتَناولْ بشكلٍ واسعٍ، نجدُ موضوعَ التعليمِ بشكلٍ عامٍّ، باستثناءِ بعضِ الأعمالِ التي اعتبرَها الباحثُ وطنيةً باعتبارِها أُنجِزَتْ داخلَ المغرب، مثلَ أطروحةِ كمال حسن الجامعيةِ تحت عنوان” مؤسساتُ البحثِ والتعليمِ بالمغربِ خلال فترةِ الحماية “، وأطروحةِ محمد اليزيدي حول ” التعليم بفاس في عهد الحماية” ، وأطروحةِ لحسن أوري حول “التعليم بمدينة صفرو على عهد الحماية”، ومؤلَّفِ “المنهاج التربوي بالمدرسة المغربية زمنَ الحماية” لمحمد بلكبير، ومؤلَّفِ المكي المروني حول “الإصلاح التعليمي بالمغرب :1956-1994″ ، وكذا أعمالَ خارجَ الوطنِ ذاتِ الإرتباطِ بالموضوعِ أهمُّها – في اعتقاد الباحثِ – مونوغرافيةُ نور الدين سرايب سنة 1995حول” ثانوية الصادقية بتونس 1875 – 1956: التعليمُ والوطنيةُ “، وأطروحةُ Pierre Vermeren تحت عنوان “تكوين النخب المغربية والتونسية :من الوطنيين إلى الإسلاميين 1920-2000” ، وكذا أطروحةُ محمد بنهلال حول “ثانوية أزرو وتكوين النخبة” البربرية “المدنية والعسكرية بالمغرب ما بين 1927و1956 ” ، ومونوغرافيةٌ حول “الثانوية الإسلامية مولاي ادريس بفاس 1914-1956″ ، هذا فضلاً عن المؤلَّفِ الجماعيِّ الذي أصْدَرَه المعهدُ الملكيُّ للثقافةِ الأمازيغيةِ بتعاونٍ مع معهدِ الدراساتِ والأبحاثِ حول العالميْن الإسلاميِّ والعربيِّ بفرنسا في شأْنِ المديرِ المؤسِّسِ لثانويةِ أزرو، السيد Arsène Roux، وهو ما عدَّهُ الكاتبُ مُساهِماً بشكلٍ نِسْبيٍّ في ملإ بعضِ الفراغِ الذي يعانيه موضوعُ المدرسةِ الفرنسيةِ في الوسطِ الأمازيغيِّ بالمغرب.
يهدفُ هذا العملُ، حسبَ ما صرَّحَ به الباحثُ أوعزيز دائما في التقديمِ العامِّ لمؤلَّفِهِ، إلى ” إعادةِ قراءةِ وكتابةِ تاريخِ المدرسةِ الفرنسيةِ في الوسطِ الأمازيغيِّ بالأطلسِ المتوسطِ المغربيِّ خلال فترةِ الحمايةِ، بوضعِها في سياقِها التاريخيِّ العامِّ، أي سياق السياسةِ التربوية” البربرية “، وقراءتها قراءةً معكوسةً تُركِّزُ على ما تَحقَّقَ من مراميها السياسيةِ وتوجيهاتها التربويةِ ، وما ظلَّ في حُكْمِ الأمنيةِ، وذلك بتقييم أدائها وتفسيرِ تعثُّراتِها في الوسط الأمازيغي ، ورصْدِ أنواعِ الخطابِ حولَها خلالَ فترتي الحمايةِ الفرنسيةِ والاستقلال السياسي للمغرب، وذلك بالانفتاح على العلومِ المساعدةِ الأخرى مثل الجغرافيا والاقتصاد والسوسيولوجيا والأنتروبولوجيا والشعر الشعبي “ص 17
يخوضُ الباحثُ غمارَ هذه التجربةِ البحثيةِ لدواعٍ ذاتيةٍ وموضوعيةٍ؛ ترتبط الذاتيةُ منها باهتمامِهِ التربويِّ كأستاذٍ للتعليم الثانوي العمومي، فضلاً عن اهتمامِهِ بالشأنِ الثقافي والجمعوي (الباحثُ عضْوٌ فاعلٌ في إحدى المنظمات الوطنية المهتمةِ بالحقوقِ الثقافيةِ واللغويةِ).. أما بخصوصِ الأسبابِ الموضوعيةِ، فهي كثيرةٌ ، أوْجَزَها الباحثُ في أربعةٍ هي كالتالي:
لِفَهْمِ السياسةِ التربويةِ الفرنسيةِ في عهد الحمايةِ بالمغرب عامةً ، والسياستين التربويةِ والتعليميةِ في الوسطِ الأمازيغي على وجهِ الخصوص-حسب أوعزيز-لابدَّ من فهمِ السياقِ العام الذي جاءتْ فيه تلك السياسةُ، وهو سياقُ نقْلِ السياسةِ القبايليةِ الجزائريةِ إلى المغرب بعد فرْضِ الحمايةِ الفرنسيةِ مباشرةً على المغربِ بموجِبِ معاهدةِ فاس الموقعةِ يوم 30 مارس 1912.
ويبقى من الضروري – بالنسبة إليه دائما – الوقوفُ عند مفاهيمِ السياسةِ والسياسةِ التربويةِ، والسلطةِ التي تصدُرُ عنها، مع تحليلِ أسُسِها ومبادئِها ومرتكزاتِها وغاياتِها وهيكلةِ مؤسساتِها وأنواعِها، باعتبارها مداخلَ مُسْعِفةً في تمثُّلِ الموضوعِ والإلمامِ به على نحوٍ شُموليٍّ..
ثم إنه لابد من فهْمِ الوظيفةِ التربويةِ الأساسيةِ والعامةِ (الغايات الكبرى)
ولابد أيضا من فهمِ الوسط الإجتماعي الذي وُضِعَتْ فيه، وتسليطِ الضوءِ على العلاقاتِ التفاعليةِ بين الوسطِ التربوي والوسطِ الإجتماعي..
هذه الدوافعُ في شكلها العام – يقول الباحثُ – هي التي “كانت وراء اختيار هذا الموضوع… إننا نرغبُ في أن نُقدِّمَ من خلال هذا البحثِ تحليلاً علمياً طَمُوحاً، يحاولُ رسْمَ صورةِ المدرسةِ الفرنسيةِ في الوسطِ الأمازيغي بالأطلس المتوسط ، وذلك برصْدِها في سياقاتِ تكوينِها وسيرورتها ، انتهاءً إلى صيرورتها، أي مصيرها، محاولاً تجاوزَ مرحلةِ الوصفِ إلى مرحلةِ التفسيرِ “ص 20
وقد حدَّدَ الباحثُ جملةً من الأهدافِ التي تحكَّمتْ في اشتغالِهِ على الموضوع – وفْقَ ما صرَّحَ به دائما في التقديمِ العامِّ – كالتالي :
- المساهمةُ في كتابةِ تاريخِ المدرسة الفرنسية في الوسط الأمازيغي في المغرب بالوقوفِ عند السَّرديةِ المتداولةِ التي روَّجتْها أدبياتُ الحمايةِ الفرنسيةِ حول المدرسةِ الفرنسيةِ “البربريةِ” باعتبارها الآليةَ الضامنةَ للتَّفْرقةِ العرقيةِ بين العرب والأمازيغ، وعزْلِ ساكنةِ الأطلس المتوسط عن الثقافةِ العربيةِ الإسلاميةِ لإستيعابها في الثقافةِ الأوربيةِ الفرنسيةِ ، وتكوين نخبة تدير شؤونها وتكون وسيطة بينها وبين الأهالي.
- قراءةُ المدرسة الفرنسية ” البربرية” قراءةً معكوسةً ، تركِّزُ على ما لم يتحققْ منها وظلَّ في حُكْمِ الأُمنيةِ.
- الإنتقالُ من وصفِ المدرسة الفرنسية ” البربرية” إلى تفسيرها ، والكشفُ عن تكوينها وسيرورتها ومصيرها.
- اعتمادا على المنهج التاريخي والسوسيوتربوي، قسَّمَ الباحثُ دراستَهُ إلى بابين كبيرين تضمَّنَا أربعةَ فصولٍ كبرى؛
الباب الأول: جعل منه إطارا نظريا للبحث، تطرَّقَ فيه إلى أُسُسِ ومبادئِ وأهدافِ وتطوراتِ ونتائجِ السياسةِ التربويةِ الفرنسيةِ بمغربِ الحماية، وقد تناولَ قضايا هذا البابِ النظري في فصلين؛
الفصلُ الأولُ خُصِّصَ للحديثِ عن مفهومِ السياسةِ والسياسةِ التربويةِ، والسلطةِ التي تضعُها، وأسُسِها، وأهدافِها، وتطوراتِها، ونتائجِها، وهيكلتِها التنظيميةِ.
الفصلُ الثاني تحدَّثَ فيه عنِ السياسةِ ” البربريةِ” الفرنسيةِ في مجال التعليم بالجزائرِ الفرنسية، وبمنطقةِ القبايلِ أساساً (1882-1914)، كمدخلٍ للسياسةِ الفرنسيةِ التربويةِ “البربريةِ” بالمغرب(1923- 1956)
الباب الثاني: هو بمثابةِ الشَّقِّ التطبيقي للبحثِ، عرضَ فيه الباحثُ حالتين من المدرسةِ الفرنسيةِ في الوسطِ الأمازيغي بالأطلسِ المتوسطِ: (مدرسة عين اللوح الفرنسية “البربرية” الفلاحية التطبيقية، وثانوية أزرو “البربرية”) ، للتمكن من تقييم مصير المدرسة الفرنسية في الوسط الأمازيغي ، مع محاولةِ تجاوزِ مرحلةِ الوصفِ، وصولاً إلى مرحلةِ التفسير.
قُسِّمَ هذا البابُ أيضا إلى فصلين؛
الفصلُ الأولُ، تناولَ فيه المدرستين التطبيقيتين (عين اللوح وأزرو)
الفصلُ الثاني، خصَّصَهُ الباحثُ لتقييمِ مصيرِ السياسةِ التربويةِ الفرنسيةِ في الوسط الأمازيغيِّ بالأطلسِ المتوسطِ (المدخلات، المنهاج، المخرجات…)
كما أردفَ الباحثُ هذا البابَ بخاتمةٍ عامةٍ بيَّنَ فيها ما انتهى إليه من استنتاجاتٍ.. وختَمَ الباحثُ تقديمَه العامَّ بالإشارةِ إلى مختلَفِ الصعوباتِ والعراقيلِ التي واجهتْه، وأساساً منها محنةُ ولوجِه المدارسَ ذاتَ الصلةِ بموضوعِ البحث، بما تطلَّبَهُ الوضعُ من مسالكَ ومساطيرَ.. فضلاً عن إكراهاتِ الاشتغال على الأرشيفاتِ، والتواصلِ مع مختلَفِ المواردِ البشريةِ القَيِّمةِ عليها…
وكي تتَّضِحَ الصورةُ أكثرَ، سنرافقُ الباحثَ عبرَ فصولِ أطروحتِهِ، حيث سَنسْتَدْعي في هذا الملخصِ أهمَّ الفقراتِ والمقاطعِ التي تُنيرُ مجالَ البحث..
في مسعى السيطرةِ المُحكمةِ على الأوضاعِ العامةِ بالمغربِ المحتلِّ، ظلَّ هاجسُ الإقامةِ العامَّةِ هو الحفاظُ على التراتبياتِ الاجتماعية السائدةِ بالمغربِ قبل توقيعِ عقدِ الحماية.. هذا ما يُوضِّحُه خطابُ Lyautey Hubert الذي وجَّهَهُ إلى وزراء السلطانِ وقوادِ القبائلِ وعمالِ المدن :”إنكم تعلمون كم كنتُ حريصاً على أن يبقى كلُّ واحد وكلُّ شيءٍ في مكانه التقليدي، وأن تبقى الزعامةُ بيدِ أصحابِها الطبيعيين، فيحكُمُون ويُطاعون” ص 59..
ذلك ما عبَّر عنه أيضا Paul Marty الذي اختاره ليوطي نفسُه ونصَّبَهُ مديراً على ثانويةِ مولاي ادريس بفاس، يقولMarty : “ينبغي أولا أن نحتاط من التعميمات، فنجعلَ من المسلمين جماعةً مُتجانِسَةً، ونُقدِّمَ لهم تعليماً عاماً وشاملاً.. ليس الهدفُ من التعليمِ هو إخضاعُ جميعِ الأطفالِ المسلمين لنفْسِ القاعدةِ التعليميةِ في فرنسا، أو دمقرطةُ المجتمعِ الذي لا نعرفُ عن كُنْهِهِ الشيءَ الكثيرَ، أو تكوينُ تلاميذَ من أجلِ مجتمعٍ مثاليٍّ في المستقبل.. يجبُ المحافظةُ على الأشياء والرجال كما وَجدْناهُمْ، وأن يتِمَّ الدفعُ بهم في إطارِ تطوُّرٍ بطيئٍ، ينبغي إعادةُ ابنِ الفلاحِ الصغيرِ إلى الأرضِ في وسطه القرويِّ، وتحويلُ ابنِ العاملِ إلى عاملٍ في المُدنِ، وابنِ التاجر تاجراً، وابنِ الموظف موظفا.. إنها قاعدةٌ غيرُ مَرِنَةٍ، ولكنَّها تُعبِّرُ عن توجُّهٍ ثابتٍ يهدفُ إلى تلقينِ المتعلمين تعليماً يتلاءَمُ مع الوسطِ الذي ينحدرون منه، لتَثْبيتِهِمْ فيه حتى يلعبوا أدوارَهُمُ الإجتماعيةَ المتواضعةَ داخلَهُ، كما يهدفُ التعليمُ كذلك لا إلى دمْجِهِمْ في الشرائحِ الإجتماعيةِ الأوربيةِ، أو في الفئةِ المغربيةِ الغنيَّةِ، بل إلى تكييفِ رجالِ الغدِ مع الشروط الجديدةِ والمتنوِّعةِ الناتجةِ عنْ إقامةِ نظامِ الحمايةِ بالمغربِ “. ص. 60
كما عمِلتِ الحمايةُ كذلك، على إبقاءِ الطبقاتِ الشعبيةِ، سواءٌ في المجالِ الحضريِّ أو المجالِ القرويِّ، في مجال الإنتاجِ، وتزويدِها ببعضِ الوسائلِ التي ستُمَكِّنُها من تحسينِه والرَّفْعِ من مردوديته.. يقول Gorge Hardy صديقُ ليوطي، وهو الذي اختاره لأن يكون على رأس مديرية التعليم (الوزارة) زمنَ الحمايةِ :
“نريدُ أن نسلِّحَ الأهالي المسلمينَ في المعركةِ الاقتصادية العصريةِ، بدونِ أنْ نسْتَأصِلَهُمْ، ولذلك بدأْنا بفَرْضِ التعليمِ التَّطبيقيِّ، وسنجْعلُهُ (يُحيلُ على التلميذ) يكونُ في الخدمةِ المباشرةِ لتعلُّمِ مهنةٍ وإنْعاشِ النشاطِ المحليِّ، ولكي نتجنَّبَ أن تُؤدِّيَ هذه اليقظةُ إلى قلْبِ أوضاعِ الحياةِ الاجتماعية، لنْ نعملَ على إخراجِ التلميذِ من وسَطِهِ، سنعلِّمُه في عينِ المكانِ، ولنْ نطلُبَ منه أن يُنتِجَ سوى المنتوجِ الذي كان بإمكانه أن يُنْتِجَهُ بِدونِنا، لكنْ بكثرةٍ وإتقانٍ “. ص. 62
وبطبيعةِ الحالِ، عملٌ كهذا يستوجبُ التَّخطيطَ المُحْكَمَ، وتسْخيرَ إمكانياتٍ ماليةٍ ولوجيستيكيةٍ ومواردَ بشريةٍ مؤهَّلةٍ ومدرَّبةٍ، وقد لعبَ ليوطي، الحاملُ معه تجربةً لا يُسْتهانُ بها من الجارةِ الجزائر، دوراً في توجيهِ وتنزيلِ المخطَّطِ الاستعماري.. يقول :” لقد أصبحْنا منذُ الآنِ فصاعداً، وعلى طولِ محيطِ المناطقِ المحتلةِ، على اتصالٍ ب” البربر ” ، إسلامُ الكثيرِ منهم لا يزالُ سطحيّاً، وكلُّهمْ صمَدُوا في وجهِ المخزنِ، ومنَ المُفيدِ أن نُحدِّدَ الأساليبَ الإداريةَ التي سنطبِّقُها عليهم بشكلٍ يُجنِّبُنا استعمالَ إجراءاتٍ رتيبةٍ قد تُسْلِبُنا وُدَّهُم، وعلى ضُبَّاطِ الاستعلامات أن يشرعوا في الحال في دراسةٍ معمَّقَةٍ لأعرافِ ومؤسساتِ القبائلِ، وسينْكبُّ كلُّ واحدٍ منهم على المجموعةِ التي سيكون على اتصال بها، وينبغي أنْ يتجنَّبَ تعْميمَ خلاصاتِهِ، لأن ذلك الأمرَ قد يُؤدِّي إلى ارتكابِ أخطاءٍ، وهذه الاستمارة تُعطي برنامجاً متكاملاً للدراسة المُزْمَعِ إنجازُها، وأرجوكم أن تُطوِّروا بجِدٍّ هذا العملَ نظراً لأهميته البليغةِ في تمْهيدِ كلِّ المناطقِ “البربريةِ” بالمغرب” ص 140
وتهدفُ الاستمارة التي أعدَّها ليوطي، والتي تتألفُ من 10مجالاتٍ، إلى تمهيدِ الطريقِ ل”الباسيفيكاسيون”، أي الغزو العسكري للقبائل الأمازيغية، بتغليبِ الأداةِ السياسيَّةِ على الأداةِ العسكريَّةِ، وتجاوُزِ الأخطاءِ التي ارتُكِبَتْ في التجربةِ الجزائريةِ، وبمحاربةِ التعريبِ والإسلامِ والعناصرِ التي تروِّجُ لهما داخلَ المدارسِ القرآنيةِ، والزوايا والطرقِ الصوفيةِ، وتطويرِ الأمازيغ نحو الفرْنسَةِ بوضْعِهِم خارجَ إطارِ الشَّرْعِ الإسلاميِّ، وإخضاعِهِم لنظامِ العُرْفِ..
في هذا السياقِ يأتي إصدارُ أوَّلِ ظهيرٍ “بربريٍّ” عام 1914، يُصنَّفُ بموجِبِه بعضُ القبائلِ الأمازيغيةِ ضمنَ مناطقِ العُرْفِ المقابلةِ لمناطقِ الشرعِ، وإحداثُ مدارسَ ابتدائيةٍ وثانويةٍ تحُولُ دونَ اختلاطِ الأمازيغِ بالعربِ، ومَنْعُ تدريسِ العربيةِ والقرآنِ فيها، كما لجأَتْ إلى تضْييقِ الخِناقِ على العناصرِ المقاوِمَةِ للمدرسةِ الفرنسيةِ، وعلى رأسها الفقيه، وباقي العناصر العربية التي يُشكِّلُ تنقُّلُها بين المجالَيْنِ الأمازيغيِّ والعربيِّ أداةً لنشْرِ التَّعريبِ والإسلامِ بين الأمازيغ..
لقد بدأ التأطيرُ القانونيُّ للقبائلِ الأمازيغيةِ منذُ وقتٍ مبكِّرٍ من عمْرِ الحمايةِ الفرنسيةِ بالمغرب ، وذلك بإصدارِ أوَّلِ ظهيرٍ “بربريٍّ” يوم 11 شتنبر 1914، يؤسِّسُ للعُرْفِ في القبائلِ من الناحيةِ القانونيةِ، ويؤكِّدُ على احترامِهِ بدونِ قيدٍ أو شرطٍ.
يتكوَّنُ الظهيرُ من توْطِئةٍ وفَصْلَين مُختصَرَيْن، إذْ يؤكِّدُ الفصلُ الأوَّلُ على ” أنَّ القبائلَ” البربريةَ ” بالإيالةِ الشريفةِ تبقى شؤونُها جاريةً على مقتضى قوانينها وعوايدها الخصوصيةِ تحت مراقبة وُلاةِ الحكومةِ”، فيما ينُصُّ الفصلُ الثاني على “أنَّ القراراتِ تصْدُرُ عنِ الصَّدْرِ الأعظمِ بعد الموافقةِ من الكاتبِ العامِّ لدى الدولةِ الشريفةِ في تعيينِ القبائلِ المتَّبِعةِ للعوايدِ “البربريةِ “، كما يقعُ تعْيينُ ما ينطبقُ على تلكَ القبايلِ والقوانينِ والضوابطِ الصادرةِ بها “. ص. 148
ويمكن اعتبارُ الظهيرِ هذا بمثابةِ الظهير المؤسِّسِ للسياسةِ” البربريةِ ” الفرنسيةِ بالمغربِ عامة، وللسياسةِ” البربريةِ “بشكلٍ خاصٍّ.. ولقد تلَتْ هذا الظهيرَ ظهائرُ وقراراتٌ وزيريةٌ أخرى لعِبَتِ الدراساتُ التي أُنجِزَتْ في إطار” لجنةِ الدراساتِ البربريةِ “التابعةِ ل” المدرسةِ العليا للغةِ العربيةِ واللهجاتِ البربرية” دوراً كبيراً في التحضيرِ لها، وهي المهمَّةُ التي سيُواصِلُها “معهدُ الدراساتِ العليا المغربيةِ” انطلاقاً من 1921، والتي ستُتَوَّجُ بإصدار الظهير المعروفِ ب “ظهير العدالة البربرية” ل 16ماي 1930..
وإلى جانب المدخلِ القضائيِّ، جعلتْ سلُطاتُ الحمايةِ الفرنسيةِ منَ التعليمِ مدخلاً جوهرياً ثانياً لسياستِها “البربريةِ”، وذلك بالشروع في وضْعِ سياسةٍ تعليميةٍ” بربريةٍ “.
لقدِ اعتُبِرَتِ المدرسةُ والمستوصفُ المدخلين الأساسَيْن للتنظيمين السياسيِّ والإداريِّ في البلادِ الأمازيغيةِ، وهو ما يجعل المدرسةَ في الوسطِ الأمازيغيِّ “تأخذُ منذ البدايةِ طابعاً سياسياً، إذ وُضِعَتْ تحتَ المراقبةِ المباشرة ِلضُباطِ الشؤونِ الأهليةِ، وذلك من أجلِ العملِ على تعميمِ الحضارةِ الفرنسيةِ.. كما تُوفِّرُ سلطاتُ الشؤونِ الأهليةِ بنايةً للمدرسةِ، وبستاناً للتجاربِ الفلاحيةِ، ومسكناً وظيفيّاً للمعلمِ، على أن تتكلَّفَ مديريةُ التعليمِ (الوزارة) بتوفيرِ الإطار الإداري والتربوي (الموظف)، والتجهيزِ الضروريِّ للمدرسةِ “، ونظراً لوظيفتِها السياسيةِ تلكَ، قرَّرَ الجنرالُ Paul Henrysالذي كلَّفَهُ ليوطي” أن يكون المدرِّسُ بها ومساعدُهُ من الفرنسيِّينَ، وعند الضرورةِ من الموظفينَ “البربرِ” ، وذلك تفادياً لتوظيفِ اللغةِ العربيةِ في التدريسِ ولو بصفةٍ مؤقتةٍ كأداةٍ للتواصلِ بين المعلم والتلاميذ” ، وفي الوقت نفسه أعطى Henrys تعليماته وتوجيهاته في أفق” أن تبقى تلك المدارسُ محايدةً من الناحيةِ الدينيةِ، ومستقلةً كلياً عن المدارسِ القرآنيةِ”…
استلهمَ الجنرالُ Paul Henrys توجيهاتِهِ من التقاريرِ الأولى التي أُنْجِزَتْ حول مسألةِ التعليم في بلاد الأمازيغ، انطلاقا من سنة1914، من طرفِ خُبراءَ في الشؤونِ الأمازيغيةِ، يتعلقُ الأمرُ بكلٍّ من Emile Laoust الذي كان آنذاك أستاذاً بالمدرسة العليا للغة العربية واللهجات” البربرية” بالرباط، وسبقَ له أن شغلَ منصبَ مديرٍ بإحدى المدارسِ بالجزائر، و Alfred Bel أستاذٌ سابقٌ ب”مدرسة تلمسان”، والذي كان سنة 1914مكلفاً بمهمةِ تنظيمِ وتفتيشِ المؤسساتِ التعليميةِ بمنطقةِ فاس ومكناس، وأخيراً Augustin Bernard أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب بالجزائر، وبعد هذه التقارير الثلاثة، عملت السلطات على استنباتِ المدرسةِ “البربرية” القبايلية الجزائرية بالمغرب” ص 143-144
وعلى مستوى تكوين المعلمين، يقول Roger Gaudefoy de mombymes :
” إن نجاحَ هذه المدارسِ متوقفٌ على التكوينِ الجيِّدِ للمعلمين الذين ينبغي أن يتوفَّروا على صفاتٍ خاصةٍ، فمِنَ المُفيدِ لمعلِّمِ المدارسِ “البربريةِ” أن يعْرِفَ لهجاتِ البلادِ، ويعْرِفَ طبائعَ “البربر” وذهنيتَهم المختلفةَ تماماً عن طبائعِ العربِ، وينبغي له أيضا أن يتوفَّرَ على معلوماتٍ فلاحيةٍ، لأنه مُطالَبٌ بالقيامِ بتكوينٍ فلاحيٍّ أوليٍّ، كما هو في حاجةٍ إلى إكمالِ معلوماتِهِ النظريَّةِ التي يتوفَّرُ عليها بدراسةِ الوسطِ الفلاحيِّ المغربيِّ وثقافتِهِ، وفي حاجةٍ كذلك إلى معرفةِ شيءٍ من الطِّبِّ والعنايةِ الصِّحيَّةِ :ففي الباديةِ التي لا يزورُها الطبيبُ إلا نادراً في حالةِ الوباءِ، يكونُ على المعلم أن يقومَ دائماً بدورِ الطبيبِ، فَلَهُ حقيبةٌ صيدليَّةٌ، ويقومَ بمعالجةِ الكبارِ، فضلاً عن تلاميذه، وهذه الخدماتُ التي سيُقدِّمُها سوفَ تُعطي للمدرسةِ امتيازا وحُظْوةً، وستكونُ مُفيدةً للتأثير الفرنسي.. ولا يمكن له القيامُ بمهمته إلا إذا كان قادراً على تحمُّلِ العزلةِ، وكان على استعدادٍ ليحيا حياةَ الأهالي. إنه مُطالَبٌ بأن يعيشَ غالبا في ظروفٍ ماديةٍ بسيطةٍ جدّاً (المسكن، المطبخ… الخ)، وقد يضطرُّ في البداية إلى مقاومةِ مُعاداةِ السُّكانِ له واستخفافِهِمْ به، وسيجِدُ أحياناً أنَّ آباءَ التلاميذِ يبذُلونَ جهودَهُم لاسْتخْدامِهِ في الشكاوي والاستشارات، فعليه أنْ يُبرهنَ على حيطته، ويظلَّ على صلةٍ جيِّدةٍ بالسلطةِ العسكريةِ، وعليه أن يكونَ له إحساسٌ دائمٌ بأنه يُمثِّلُ فرنسا، فيسعى جُهْدَ ما يَملِكُ لكي تُصبحَ محبوبةً “ص 168
لترجمةِ السياسةِ” البربرية “الفرنسية تعليمياً، وكمرحلةٍ أولى تجريبيةٍ – يقول الباحثُ – كان لا بدَّ من تأسيسِ مدارسَ ابتدائيةٍ عرَضيَّةٍ مؤقَّتةٍ ما بين 1915 و 1923.. وفي هذ السياقِ افتُتِحتْ أولُ مدرسةٍ عرضيةٍ مؤقتةٍ فرنسيةٍ بالوسط الأمازيغي القريب من مدينة فاس بعين الشكاك يوم الأحد 7 فبراير 1215 من طرف السلطات العسكرية، وُضِعَ على رأسها مُدَرِّسٌ / مُديرٌ من أصْلٍ جزائريٍّ هو الأخضرُ غزال بن معمَّر الذي كان معلِّماً بمدرسةِ العدوةِ بناحية فاس، ولقد وُضِعَتِ المدرسةُ تحت مراقبةِ الضابطِ المحليِّ للشؤونِ الأهليةِ، وتكلفتِ السلطاتُ العسكريةُ بتوفير البنايةِ للمدرسةِ، والسكنِ الوظيفيِّ للمدير/ المعلم، وفضاءٍ لحديقةِ التجاربِ الفلاحيةِ، فيما تكلفتْ مديريةُ التعليم (الوزارة) بتوظيفِ المدرِّسِ، وتوفيرِ التجهيزاتِ الضروريةِ للمدرسةِ.
لجأتِ السلطاتُ العسكريةُ لخدمات المدرِّسِ الجزائريِّ في المدارس المؤقتةِ العرضيةِ الفرنسيةِ “البربريةِ” الأولى، نظرا لعدمِ توفُّرِ المعلمِ الفرنسيِّ الذي كان منخرِطاً في الدفاع عن حوزةِ الوطن خلال الحرب العالمية الأولى، ولقد أوصى تقريرُAlfred Bel ب”أن يكون المعلِّمُ العرضيُّ المسلمُ مرِناً، عارفاً بالمرامي والأهدافِ السياسيةِ للمدرسةِ التي سيُشْرِفُ عليها”، لذلك أوصى Bill المعلمَ الأخضر غزال بمدرسةِ عين الشكاك ب”أن يُدرِّسَ لأطفالِ الأمازيغِ الفرنسيةَ فقط، وأنْ يتجنَّبَ بالمطلقِ استعمالَ اللغةِ العربية” ص 171
بعد مدرسةِ عين الشكاك، فُتِحتْ ثَلاثُ مدارسَ عرضيةٍ أخرى في كلٍّ مِنْ أكوراي والحاجب وأزرو.. وقد لعِبتْ هذه المدارسُ دورَ المختبراتِ الأولى لتجاربِ تأسيسِ هذا النوعِ من المدارسِ بالجبلِ الأمازيغيِّ، حيثُ تواصلتْ عمليةُ إنشاءِ المدارسِ بافتتاحِ سِتٍّ منها، ولكنْ هذه المرَّةَ بمدارسَ دائمةٍ بعد ثمانِ سنواتٍ من الإرتجالِ والتردُّدِ في إطار المدارسِ العرضيةِ، عرفَ فيها التعليمُ في الوسطِ الأمازيغي تخلُّفاً كبيراً عن مثيله في المدنِ والحواضرِ الكبرى والسهول.. ويتعلق الأمرُ بمدارس في: إيموزار، عين الشكاك مرة أخرى، أزرو، خنيفرة، عين اللوح ،القباب.. لتنضاف في سنة 1924 مدرسةٌ بأهرمومو في ترابِ تازةَ.. وفي 1925 أُنشِئَتْ أربعُ مدارسَ أخرى في كلٍّ من :الخميسات، الحاجب، البهاليل، ميدلت.. وقد بلغَ عددُ تلامذةِ المدارسِ الدائمةِ الإحدى عشرة سالفةِ الذكر 300 تلميذاً تقريباً، وبعد إضافةِ أربعِ مدارسَ أخرى ب(أكوراي، المنزل، عين السبيت، النجيل)، افتُتِحتْ ثلاثُ مدارسَ في سنة 1928هي (مدرسةٌ بأمزميز، مدرسةٌ بدمنات، مدرسةٌ بتزنيت) ليُصبحَ مجموعُ المدارسِ الدائمةِ في الوسط الأمازيغي إلى غاية 1928(ثمانية عشرة مدرسةً)، بمجموع (724 تلميذاً) في مقابلِ ( 523 تلميذاً). تحتضِنُهُم اثنتان وعشرون مدرسةً عرضيةً، وتشملُ مدارسَ ( العدروج/صفرو، آيت إسحاق، أكنول، بيكريت، بيركين، بولمان، الحْمام، إفران، كروشنْ، قصر السوق، مهيريجا، ميزكيتم، مولاي بوعزة، واويزغت، والماس، مركز 1565 التابع لأهرمومو، صاكا، تاكزيرت/القصيبة، تاهلة، تاونات، تيمحضيت، أكادير).
هذا ولم تضعِ السياسةُ التربويةُ الفرنسيةُ في الوسط الأمازيغي تعليمَ الفتاة في صُلْبِ اهتمامِها، فما كان يهمُّها هو تعليمُ أبناءِ الأعيانِ أو المتفوقين من أبناء الفقراء في المدارس الدائمة أو العرضية في الأطلس المتوسط.
تأسستْ مدرسةُ عين اللوح الابتدائية ، والتي كانت عبارةً عن قسمٍ للتعليم سابقا، في فاتح أكتوبر 1923، وبذلك سيتحولُ قسمٌ للتعليم الفرنسي كان قد أُنْشئَ عام1917إلى مدرسةٍ دائمةٍ فرنسيةٍ ” بربريةٍ”.. وفي البداية لم تلْقَ هذه المدرسةُ الإقبالَ المنشودَ، ولكنْ سيتوسعُ العرضُ المدرسيُّ نسبياً فيها مع 1947، حيث سينتقلُ عددُ التلاميذ من 100 تلميذٍ إلى 180 تلميذٍ في الموسم الدراسي 1947 – 1948، كما سيتعززُ العرضُ بمدرسةٍ للفتياتِ ب 70 تلميذًة، ومدرسةٍ قرآنيةٍ علميةٍ (المسيد المتجدد) ب 160 تلميذا بينهم 60 تلميذة.
عانت مدرسةُ عين اللوح الفرنسية “البربرية” الفلاحية المهنية من مقاومةِ الأُسَرِ التي كانت تنظرُ بعينِ الشكِّ إليها ، فما رفضه الآباءُ في المدرسةِ هو العملُ الفلاحيُّ اليدويُّ المطلوبُ من التلاميذ القيام به في إطار الأعمال التطبيقية خارجَ القسمِ في الحديقةِ المجاورةِ له، وبلغتِ المعارضةُ أوْجَها في عام 1938 عندما زِيدَ في عددِ ساعاتِ العملِ التطبيقيِّ ليصلَ إلى عشْرِ ساعاتٍ أسبوعياً.. ويتضحُ بتحليلِ الأرقامِ أن جلَّ المهنِ والحرفِ التي امتهنها خريجو مدرسةِ عين اللوح الفرنسية “البربرية” بعيدةٌ كلَّ البُعْدِ عن هدفِ المدرسةِ المتمثِّلِ في التوجيهِ المهنيِّ الفلاحيِّ، وبالتالي يمكن القولُ إن هذه المدرسةَ لم تكن نموذجا ناجحاً للمدرسةِ الفرنسية “البربرية” المهنية الفلاحية التطبيقية، مما يؤكد الهُوَّةَ السحيقةَ بين مرامي السياسة التعليمية “البربرية” النظرية الطموحة التي أطَّرتْها نظرياتٌ طوباويةٌ ومفاهيمُ غامضةٌ وآلياتُ تفعيلِها على أرض الواقعِ، ومن ثَمَّ يمكنُ أن نسَلِّمَ بفشلِ المدرسةِ الفلاحيةِ التطبيقيةِ..
تأسستْ ثانويةُ أزرو البربريةُ في أكتوبر 1929استجابةً لطلباتٍ متكررةٍ للجنرال Fredenbourg حاكِمِ منطقةِ مكناس، آخرُها الرسالةُ التي بعثَ بها إلى مديرِ الشؤونِ الأهليةِ يومَ 8 يناير 1928، ولقد حُدِّدَتْ دوافعُ المطالبةِ بتأسيسِ هذه الثانويةِ في “تمكينِ أبناءِ الأعيانِ الأمازيغِ من كسْبِ تكوينٍ أكبرَ من الذي يتلقَّوْنَه في المدارسِ الابتدائية الفرنسيةِ” البربريةِ “، وذلك بالسماحِ للبعضِ منهم بولوج المدرسة العسكرية للدار البيضاء بمكناس، وتزويدِ مكتبِ الشؤونِ الأهليةِ بكُتَّابٍ وموظفينَ نجباءَ ومتعلمين، ثم إن التجارةَ والفلاحةَ والصناعةَ تتطلبُ بدورها، في البلاد البربرية ” شُبَّاناً لديهم معرفةٌ ملائمةٌ بالمقاولاتِ العصريةِ، وتَمَّ اختيارُ أزرو لِوُجودِها في بلادِ” البربر “، وسهولةِ مواصلاتِها مع مكناس” العاصمة البربرية “، وقد أوكلتْ إدارةُ هذه المؤسسة الجديدة إلىArsène Roux (1893-1971 ( المبرز في اللغة العربية، والمتخصص في اللغة الأمازيغية “ص 228.
اصطدمتْ هذه الثانويةُ بضعفِ الإقبال على فصولها، نظراً للمقاوماتِ التي واجهتْها من طرفِ المسيد والزوايا والأُسَرِ التي رأت فيها مدرسةً “روميةً “، فضلاً عنِ الشروطِ التي وُضعتْ للتسجيلِ بها، فحسبَ التعليماتِ الصارمةِ لمديريةِ الشؤون السياسية، لابُدَّ للتلميذِ المسجَّلِ بها أن يكون أمازيغيا ومنَ الأعيانِ، كما يُشترطُ أن يكون اسمُهُ العائليُّ مُبتدِئاً ب “أو” كشاهدٍ على “بربريته” وليس ب “بن” كشاهدٍ على عربيته، وفي الحالة العكسيةِ يتمُّ اللجوءُ إلى نُجَباءِ المدارسِ الابتدائيةِ في الوسط الأمازيغي بالقبائل المجاورة، أو بقبائلِ الأطلس المتوسط.. ولقد لعبتِ المطاعمُ المدرسيةُ والمِنَحُ والداخليةُ دَوْراً مُهِمّاً في الرفعِ من عددِ التلاميذِ بالمدارسِ الابتدائية وبثانويةِ أزرو ” البربرية ”
بلغ مجموعُ التلاميذِ الذين مَرُّوا بثانويةِ أزرو في الفترة الفاصلة ما بين 1929 و 1956 ( 2215 من مجموعِ مناطقِ المغربِ والأطلسِ المتوسطِ أساسا، وضمنهم 90 أجنبيا)
توفرتْ ثانويةُ أزرو على قسمٍ داخلي ومزرعةٍ مدرسيةٍ ومصحةٍ مدرسيةٍ ومكتبةٍ مدرسيةٍ، كما كان دير تومليلين رافداً أساسياً في الحياةِ المدرسيةِ لتلامذتها، ونافذةً على العالم الخارجي، حيث وفَّرَ لتلامذةِ ثانوية أزرو نادياً سينمائياً، فضلاً عنِ الأنشطةِ الرياضيةِ..
وإلى جانبِ حرمانِ التلاميذِ من الرحلاتِ المدرسيةِ لتكريسِ مبدأَيْ العزلةِ والانغلاقِ في هذا النوعِ من التعليمِ الفرنسيِّ في الجبل (نُظِّمتْ رحلتان فقط لتلامذةِ ثانويةِ أزرو؛ واحدةٌ للمدرسةِ العسكريةِ بمكناس، والثانيةُ لميناءِ الدار البيضاء)، كان الحرمانُ من البكالوريا واللغةِ العربية والتعليمِ الديني السِّمةَ البارزةَ لمنهاجِ ثانوية أزرو ، وهو ما كان وراءَ الإحساسِ بالعُقْدةِ التي نعتَها المدرِّسُ الفرنسي Berthon بعقدةِ النقص أمام التلميذِ المديني الحضريِّ العربيِّ، ومن وسطه البربريِّ عموما.. وهو ما يستشفُّهُ الأستاذُ من إجاباتِ التلاميذِ في تمارين وامتحانات المراقبة المستمرة، خاصة الإنشاءات المقالية التي يُعبِّرُ فيها التلميذُ عن مواقفه.
ويفسرُ الأستاذُ Berthon عقدةَ النقص تلك، بدَفْعِ التلميذِ الأمازيغي إلى مغادرةِ ذاتِهِ والتشبُّهِ بالآخَرِ، بالعربي المديني من جهة، وبالفرنسي من جهةٍ أخرى. لقد جعلتِ السياسةُ التربويةُ الفرنسيةُ من التلميذِ الأمازيغيِّ فأراً للتجاربِ في مختبراتِ السياسةِ “البربرية”..
كان أستاذُ الفرنسيةِ عموماً يلاحظُ أثناءَ الأنشطةِ الشفويةِ في حصةِ الدرسِ انزعاجَ التلاميذِ الأمازيغِ بمجردِ تذكيرهم بعاداتِ ومعتقداتِ وسطِهِم الأمازيغي، إذ كانوا يُحسُّون بالإحراجِ في التأكيد عليها، وفي المقابل كانوا يحبون أن يروا أنفسَهم في مرآةِ الفرنسيين أو إخوانهم في الدين، الحضريين العرب، للتخلصِ منْ “عقدة البربري المتخلف”.
إجمالا يمكن القولُ بأن المدرسةَ الفرنسيةَ في الوسط الأمازيغي المغربي بالأطلس المتوسط فشلتْ في ترسيخِ تعليمٍ فرنسيٍّ صرفٍ هادفٍ لاجتثاثِ الأمازيغِ والمغاربةِ قاطبةً من أصولِهِمْ، وترسيخِ لغةِ وثقافةِ الفرنسيين لجَعْلِ واقعِ الاستعمار أمراً مرغوباً فيه، مع ما يرافقُ ذلك من اغترابٍ واستيلابٍ واستئْصالٍ وإضفاءِ الشرعيةِ على الاستعمار. لقد نَوَتِ الإقامةُ العامةُ عزلَ أبناءِ الأمازيغِ في الجبلِ في مؤسساتٍ تعليميةٍ، لتطويرهم نحو اللغة والثقافة الفرنسيتين، خارجَ الإسلام واللغة العربية، إلا أن النتائجَ جاءتْ على عكس نيَّتِها.
ثم إن الأحداثَ السياسيةَ التي وقعتْ في مغربِ ما بعدَ الاحتلالِ، وأساسا المحاولات الانقلابية العسكرية في بداية سبعينيات القرن المنصرم التي تورط فيها بعضُ الضباط خريجي ثانوية أزرو دفعتْ على سبيلِ المثال جمعية َالآباء بالثانوية إلى إحراق أرشيفِها، وهو حدثٌ يعكسُ مدى الارتباك الذي تسبَّبَ فيه المستعمرُ للتلامذةِ الذين كوَّنهُم .!
ترى، ما هي الأسبابُ التي كانت وراء الفشل؟ جواباً عن هذا السؤالِ، يقول الباحث أوعزيز :”ارتُكِبَتّ أخطاءُ كثيرةٌ في بناءِ السياسةِ التربويةِ الفرنسيةِ في البلاد الأمازيغيةِ وصياغتها، إذ تمَّ الاعتمادُ على خلاصاتِ أبحاثٍ متسرعةٍ وسطحيةٍ، أهمها اعتبارُ إسلامِ الأمازيغِ سطحيا، وبالتالي يجب تطويرُهُم خارجَ إطار الإسلام واللغة العربية، وعزلُهُم عن العربِ، وعزلُ المدينةِ عن الباديةِ، والسهلِ عن الجبلِ، وتوجيههم نحو الفرنسية ، وتجنب التأثير الذي كان للطالب القرآني بالمناطق الأمازيغية، وكل العوامل الأخرى المؤدية إلى تعريبهم وإسلامهم، وتكوين أبنائهم في مدارس وثانوية تمنع فيها اللغة العربية والتعليم الديني، وتوجيه الفقراء منهم إلى تكوين مهني فلاحي يُعيدُهم إلى الخيمةِ والأرض، وأبناء الأعيان إلى مناصب تمكنهم من خلافة آبائهم ولعب دور الوسيط بين الفرنسيين والأهالي.
لقد سبق ل Michaux Billaire أن نبه سلطاتِ الحماية الفرنسية إلى عدم الانجرار وراء الطوباويات، ونفسُ التنبيهِ جاء من Louis Massignon حول الخلاصات السريعة التي تَعتَبرُ إسلامَ البربرِ سطحياً، مؤكدا على العكس من ذلك، فإسلامُ الأمازيغ عميقٌ جدا ، وإن الباسيفيكاسيون أي الغزو العسكري الفرنسي فكَّ العزلةَ عنهم، ومهَّدَهُم للتعريبِ بشكل سريع..
ومن Bernard Augustin كذلك جاء التنبيه للسلطات، إذ قال :”نعتقد أنه لا ينبغي أن نتسرعَ، ومن المستحسن أن ننتظرَ قليلا ،بدلَ أن نقومَ بعملٍ مرتجَلٍ، يلزَمُ أن ندرسَ السكانَ، ونُحكِمَ السيطرةَ عليهم قبل الشروعِ في العملِ المدرسي، لأنَّ عملاً من هذا النوعِ يتطلبُ صبراً طويلاً، وإعداداً دقيقاً للمدرسين” ص 284.
ويسترسلُ الباحثُ في شرحِ الأسبابِ التي حَدَتْ بالسياسةِ الفرنسيةِ التربوية “البربرية “إلى الفشلِ قائلاً بنوعٍ من الإسهابِ :” لقد سقطتِ السياسةُ التربويةُ “البربريةُ” منذ البدايةِ في الأخطاءِ التي نبَّهَ إليها Lyautey منذ سنة 1914، في تقديمِهِ للاستمارة الموجَّهَةِ لحُكامِ المناطقِ القريبةِ للأطلس المتوسطِ، إذ قال :” على ضُبَّاطِ الاستعلامات أن يشْرَعُوا في الحالِ في دراسةٍ معمقةٍ لأعرافِ ومؤسساتِ القبائلِ “البربريةِ “، وسينْكبُّ كلُّ واحدٍ منهم على المجموعةِ التي سيكونُ على اتصالٍ بها، وينبغي أن يتجنَّبَ تعميمَ خلاصاتِهِ، لأن ذلك الأمرَ قد يُؤدِّي إلى ارتكابِ أخطاءَ، وهذه الاستمارة تُعطي برنامجاً متكاملاً للدراسةِ المُزْمعِ إنجازُها، وأرجوكم أن تُطوِّروا بجِدٍّ هذا العملَ نظراً لأهميتِهِ البليغةِ في تمهيدِ كلِّ المناطقِ “البربريةِ” بالمغربِ” ص 287
لقد خطَّطتِ السياسةُ التربويةُ” البربريةُ ” لغاياتِ ومرامي مدرسةٍ فرنسيةٍ” بربريةٍ “خالصةٍ ومُغْلقةٍ، أي موجهةً لأبناءِ الأمازيغِ الفلاحين والمزارعين المستقرين فقط ، فيما اصطدمتْ في الواقع بمدرسةٍ مفتوحةٍ على خليطٍ من الفئاتِ المتنوعةِ والمختلفةِ، فهناك أبناءُ الشرفاء، والتجارِ العرب، وأبناءُ الحرفيين والفقهاء، وخدامِ المخزن من أعوانٍ ومخازنيةٍ، وأبناءُ الفلاحين الذين يَفِدون على مدرسةِ المركزِ من نقطٍ بعيدةٍ، فتعثَّرتِ المدرسةُ الفرنسيةُ في الوسطِ الأمازيغي ، لأنها كانت جاهلةً أو متجاهلةً لتركيبتِهِ الإثنيةِ.. كما وُضِعَتِ المدارسُ الفرنسيةُ “البربريةُ” سواءٌ العرضيةُ أو الدائمةُ ، تحت مسؤوليةِ السلطةِ المباشرةِ لمكاتبِ المراقبةِ وضباطِ الشؤونِ الأهليةِ، الذين يفضِّلونَ المدارسَ العرضيةَ عن الدائمةِ ، لبساطتِها واقتصادِها، كما تمَّ التخطيطُ لها، باستنباتِ المدرسةِ الفرنسيةِ القبايليةِ بالجزائرِ، دون الوصولِ إلى بعضِ النتائجِ المحصَّلِ عليها نسبياً في منطقةِ “القبايل” ، نظرا للخصوصيةِ التي طبعتِ الوسطَ الأمازيغيَّ المغربيَّ بالأطلس ، والتي تميزتْ بتشتُّتِ السكانِ وكثافتِهم المتوسطةِ، وغلبةِ نمطِ الترحالِ والانتجاعِ، على عكس جبالِ القبايلِ بالجزائرِ التي تميَّزتْ بقِدَمِ استقرارِ السكانِ وقلَّتِهِمْ وقِدمِ التمدرسِ.
إن الدعوةَ إلى عزلِ الأمازيغِ عن العرب، والباديةِ عن المدينةِ، والسهلِ عن الجبلِ، تنِمُّ عن إنكارِ التوزيعِ الجغرافي المعقَّدِ والمُتفاوِتِ والمتنوعِ والمتداخلِ لسكان المغربِ على السواحل والسهول والجبال والصحراء، كما أن التقسيماتِ الإثنوغرافيةَ للمجتمع المغربي التي أكد عليها بعضُ الكتَّابِ والسوسيولوجيين الفرنسيين الذين نعتَهُم George Spillmann ب “غيرِ المسؤولين والمتهورين” ، والقائمةَ على الثنائياتِ المتضادة :قسم معرَّبٌ، أو في طور التعريبِ خاضعٌ للمخزن، وقسمٌ “بربري” معزولٌ عن كل تأثيرٍ عربي وفي سيبةٍ دائمةٍ، يعكسُ نظرةً تبسيطيةً “لا تصمدُ أمام تحليل بسيطٍ للمكوناتِ الإثنيةِ والثقافيةِ للجبل” البربري “، فالمناطقُ التي تعتبر عربيةً أو في طور التعريب، تحتوي على قبائلَ بربريةٍ، والمناطقُ” البربريةُ “تضمُّ قبائلَ عربيةً” ص. 287- 288.
ثم إن منهاجَ المدرسةِ الفرنسيةِ في الوسط الأمازيغي ، لم يلْقَ معارضةً من طرف الآباءِ فقط، بل حتى من طرفِ الساهرين على تنفيذِهِ.. أي ضُبَّاطَ الشؤونِ الأهليةِ وجلَّ الأساتذةِ الفرنسيين والمغاربةِ والجزائريين، وكذا جُلَّ المديرين المثقفين والمتنورين أمثال Bisson و Gabriel Germenفي ثانوية أزرو..
هذا فضلا عن كونِ الفضاءِ الواسع والعريضِ الذي كان مسرحاً لتجريبِ مشروعِ المدرسةِ الفرنسيةِ القبايليةِ ( الوسط الأمازيغي بالأطلس المتوسط) لم يكنْ مجالاً جامداً ومغلقاً على نفسهِ، بل كان كغيره من المجالاتِ المغربيةِ يفيضُ بالحيويةِ الاجتماعيةِ والدينيةِ والثقافيةِ ، تخترقُهُ الأخبارُ منْ كلِّ الجوانبِ، ويشْهَدُ حركيةً دائمةً للطُّلْبةِ والعلماءِ والأولياءِ والشعراءِ والفنانين والعطارين المتجولين عبر أرجاءِ قبائلِ الجبلِ، ولم يُقبِلْ على المدارسِ الفرنسيةِ في الوسطِ الأمازيغيِّ سوى جزءٍ صغيرٍ من الساكنةِ المستقرةِ بالمراكزِ أو بالقربِ منها، مما كان يدفعُ سلطاتِ الحماية إلى إطلاقِ حملاتٍ عنيفةٍ لتسجيلِ أبناءِ الأمازيغِ بالقوةِ في المدارسِ العرضيةِ والدائمةِ، نظراً لضعفِ الإقبالِ عليها.
عزيز نور- سيدي سليمان
في: 10 فبراير 2026
*عزيز نور، مدير ثانوية تأهيلية في سيدي سليمان سابقا. متقاعد حد السن حاليا، من مواليد م1961 بدار الواد (دائرة مقريصات)، خريج المدرسة العليا للأساتذة، التقدم الرباط عام 1991 شعبة اللغة العربية وآدابها، فاعل جمعوي، وأحد المساهمين في تأسيس الحركة من أجل الديموقراطية في المغرب خلال تسعينيات القرن الماضي.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
