أخبار عاجلة

المعرض الدولي للنشر والكتاب.. حضور متنام لحرف تيفيناغ والكتاب الأمازيغي

المصطفى عياش

يشكل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، في دورته الحادية والثلاثين، محطة مهمة لاستجلاء راهنية الثقافة الأمازيغية ومدى قدرتها على ترسيخ حضورها داخل المشهد الثقافي الوطني.

فحضورها لم يعد يقتصر على البعد الرمزي أو العرض البصري لحرف “تيفيناغ” الذي يؤثث الفضاءات، بل أضحى يثير تساؤلات جوهرية بشأن حجم التراكم في المتن المكتوب، ومدى قدرته على استقطاب القراء وترسيخ فعل القراءة والإقبال على الإنتاج الثقافي الأمازيغي.

والمتأمل في أروقة المعرض يلحظ حضورا بارزا للبعد المؤسساتي، يتصدره المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية باعتباره فاعلا محوريا يحمل على عاتقه مهام النشر والتوثيق وصون الذاكرة الثقافية الأمازيغية.

وفي هذا الصدد، أبرز مدير مركز الترجمة والتوثيق والنشر بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، حسن أكيوض، في تصريح للوكالة المغربية للأنباء، أن الجهود المتواصلة التي يبذلها المعهد أثمرت إصدار مئات العناوين في مجالات اللسانيات والمعاجم والتربية، بما يعكس دينامية متنامية في مسار التأليف والتراكم المعرفي بالأمازيغية.

ويرى السيد أكيوض أن هذا الحضور يندرج ضمن رؤية استراتيجية تجعل من الكتاب الأمازيغي جسرا نحو المستقبل وأداة لترسيخ الثقافة الأمازيغية في الفضاء العمومي، غير أنه لم يخف وجود تحد حقيقي يتمثل في محدودية انتشار هذا الكتاب خارج الدوائر المؤسساتية والأكاديمية المتخصصة، بما يطرح إشكال توسيع قاعدة القراء وتعزيز حضور الإنتاج الأمازيغي داخل السوق الثقافية الوطنية.

ويشارك المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية برواق مستقل يضم أحدث إصداراته المكتوبة بالأمازيغية وحولها، إلى جانب برنامج ثقافي موازٍ يشمل ندوات فكرية، وجلسات توقيع، ولقاءات مفتوحة، بما يبرز مكانة الأمازيغية وتراثها ضمن الفضاء الثقافي الوطني.

كما يساهم هذا الحضور في تقريب الزوار من اللغة والثقافة الأمازيغيتين، والتعريف بمشاريع تدوين التراث الشفهي، فضلا عن إبراز الدور العلمي الذي تضطلع به أبحاث المعهد ومنشوراته في ترسيخ الأمازيغية لغة وثقافة داخل المشهد المغربي.

وفي مقابل هذا الزخم المؤسساتي، يشهد المحتوى الإبداعي تحولات نوعية عميقة على مستوى الأجناس الأدبية؛ إذ لم يعد الشعر يتصدر المشهد وحده كما كان الحال في السابق، بل بدأت الرواية الأمازيغية تفرض حضورها بقوة ضمن المنشورات المكتوبة بالأمازيغية.

وقد رصد الباحث محمد أوسوس، عن رابطة الكتاب باللغة الأمازيغية “تيرا”، هذا التحول، مشيرا إلى أنه يتزامن مع تشكل قاعدة جماهيرية جديدة تضم قراء شبابا وخريجي المسالك الجامعية، ممن أضفوا نفسا جديدا على سوق الكتاب الأمازيغي وأسهموا في توسيع دائرة الاهتمام بالإنتاج الأدبي الأمازيغي.

ويتعزز هذا التطور الكمي والنوعي كذلك من خلال تجربة مجلة “أدليس” المتخصصة في العلوم الاجتماعية، إذ يرى مدير نشرها أحمد الخنبوبي أن الساحة الثقافية الأمازيغية انتقلت من مرحلة الندرة إلى مرحلة الوفرة، مع صدور عشرات العناوين سنويا. وقد جعل هذا التحول من المعرض فضاء حيّا للتواصل المباشر بين المؤلف والباحث والجمهور، بما يسهم في ترسيخ الأمازيغية بوصفها رافدا معرفيا أصيلا داخل المشهد الثقافي والفكري المغربي.

وهكذا، يظل حضور الأمازيغية في هذه الفعالية المرموقة متأرجحا بين الدينامية الثقافية وتحديات التداول الواسع داخل الفضاء العمومي. فبينما يساهم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والهيئات الشريكة في تعزيز جهود تدوين التراث الشفهي وتطوير النشر الرقمي والمسموع، يبقى الرهان المستقبلي معقودا على قدرة الكتاب الأمازيغي على اختراق فضاءات النشر الخاصة وتجاوز الرفوف الأكاديمية، ليغدو جزءا لا يتجزأ من القوة الناعمة للمغرب، ومن إشعاعه الثقافي في عاصمة الأنوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *