أخبار عاجلة

جدلية السيادة والعدالة العابرة للحدود، الأبعاد القانونية والإستراتيجية للتعاون القضائي المغربي الكندي

تتبوأ الإتفاقيات القضائية الدولية مكانة الصدارة في الهرمية القانونية المعاصرة، إذ تمثل الأداة السيادية الأنجع لتكريس التعاون الدولي وتجسيد مبدأ سيادة القانون على المستوى العالمي. وانطلاقا من القوة الإلزامية التي أرست دعائمها إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969، تشكل هذه المواثيق مرجعية معيارية تحكم الإلتزامات المتبادلة بين الدول في مجالات العدالة الإجرائية، تمتد من الإنابات القضائية إلى تسليم المجرمين وتنفيذ الأحكام الأجنبية، مما يجعلها الضامن الحقيقي لإستقرار المراكز القانونية وتوحيد الجهود الدولية في مواجهة الجريمة.

من هنا تبرز الإتفاقية المرتقبة بين المغرب وكندا كمنعطف إستراتيجي حاسم في مسار التعاون القضائي والأمني، إذ تجسد إرادة سيادية مشتركة لسد الثغرات القانونية التي ظلت لسنوات طوال عائق يحول دون بسط يد العدالة على المطلوبين. وبموجب هذا الإطار التعاقدي الرصين ينتقل البلدان من مربع التعاون الاختياري الذي تشوبه التعقيدات الدبلوماسية والإعتبارات السياسية، إلى رحاب الالتزام القانوني المؤطر الذي يرسخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويقطع الطريق أمام تحول تراب بعض الدول إلى ملاذات آمنة للفارين من الملاحقات القضائية، لاسيما في قضايا تهم المساس الخطير بمؤسسات دول والسعي عبد نشر الأهبار الزائفة والكادبة لزعزعة إستقرارها وأمنها الداخلي وهي ذاتها الجرائم التي لا تقل خطورة عن الجريمة المنظمة والإرهاب والجرائم المالية العابرة للحدود التي باتت تهدد السلم والأمن الدوليين.

إن القيمة القانونية الجوهرية لهذه الخطوة تكمن في صياغة مفهوم جديد للثقة المتبادلة بين المنظومتين القضائيتين المغربية والكندية، عبر الإعتراف المتبادل بالأحكام وملاءمة المساطر الإجرائية مع المعايير الدولية المتطورة. فإلى جانب آلية تسليم المجرمين تفتح هذه الاتفاقية آفاق رحبة للتنسيق الأمني الوثيق الذي يشمل تجميد الأصول والأموال المتحصل عليها من الجرمية وتبادل المعلومات الإستخباراتية والقضائية، مما يعزز من نجاعة العدالة الجنائية ويؤكد وضعية الطرفين كشريكين موثوقين في ضبط تدفقات الهجرة غير النظامية وحماية الأمن القومي. كما تساهم هذه الآليات في تقليص الآمد الزمني للإجراءات القضائية الدولية، الأمر الذي يمنح القضاء فاعلية وسرعة في تنفيذ الإنابات المتعلقة بالجرائم الخطيرة.

وبالنظر إلى الممارسة القضائية الدولية الحديثة، ولاسيما في هذه السنة 2026، نجد نوعا من التوجه المتصاعد نحو إبتكار أدوات قانونية لتجاوز إدعاء التحصن بالجنسية الثانية، حيث يتم تفعيل مبدأ التسليم أو المحاكمة عبر قنوات تعاون جد مرنة. ففي الحالات التي يتعذر فيها التسليم المباشر للمواطن الحامل لجنسية دولة أجنبية، تبرز إمكانية إعمال إتفاقيات نقل المحكوم عليهم وتفعيل الإنابات القضائية كحلول قانونية ناجعة تضمن تنفيد العقوبة المحكوم بها. وقد أضحى القضاء الدولي يميل بوضوح نحو التشدد في حالات جنسية المصلحة التي تكتسب بعد ارتكاب أو مناسبة إرتكاب الجريمة بقصد التملص من العقوبات المحكوم بها من محاكم بلد الأصل، مما يضعف الحماية القانونية التي يوفرها حق المواطنة في مواجهة طلبات التسليم الجدية من بلد الإقامة المتجنس بجنسيته.

ومن الناحية التشريعية المغربية، يظل المبدأ القار والراسخ هو سيادة الجنسية المغربية وقوتها القانونية إذ تنص المادة 19 من قانون الجنسية المغربي على أن المغربي الراشد لا يفقد جنسيته الأصلية بمجرد إكتساب جنسية أجنبية إلا بصدور إذن رسمي بموجب مرسوم. هذا التأصيل القانوني يزكي قاعدة مفادها أن المغربي لا يفقد جنسيته بمجرد التجنس، مما يمنح القضاء المغربي الصلاحية الكاملة والمشروعية المطلقة لملاحقة مواطنيه عن الجرائم المرتكبة فوق تراب المملكة أو خارجها والذي تستهدف سيادته أو تكون مقرا لتوجيه وتدبير أعمال اجرامية تستهدف أمنه وإستقراره أو سلامة مواطنيه ، مهما كانت الجنسيات التي اكتسبوها لاحقا، وهو نبدأ تأكيدي على أن سيادة الدولة المغربية على رعاياها وحقها في تحقيق العدالة فوق كل إعتبار سيادي.

ختاما، إن الإتفاقيات القضائية الدولية ليست مجرد بروتوكولات دبلوماسية تكميلية، بل هي الركيزة الجوهرية التي تضمن تماسك المنظومة القانونية العالمية في مواجهة عولمة الجريمة. كما أن الإنتقال المرتقب في العلاقات المغربية الكندية إلى الإلزام التعاقدي القضائي الثنائي هو إعلان صريح عن نهاية زمن الملاذات الآمنة، وتكريس لمبدأ سيادة القانون الذي لا تعترضه الحدود الجغرافية ولا تحجبه ثنائية الجنسية.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *