وتنطلق الرواية من سؤال مركزي يتعلق بكيفية استغلال الدين والمعتقدات من أجل الوصول إلى السلطة السياسية وتوسيع النفوذ داخل الجماعة، حيث ترصد الكاتبة التحولات التي تصيب المجتمع حين تتحول الرموز الدينية والمقدسات إلى أدوات للتأثير والسيطرة. فالرواية لا تقدم الدين باعتباره موضوعا وعظيا أو خطابا فكريا مباشرا، بل تتعامل معه باعتباره قوة رمزية قادرة على إعادة تشكيل العلاقات داخل المجتمع، وعلى إنتاج أنماط جديدة من الطاعة والخضوع. ومن خلال هذا التصور، تقترب الرواية من المسافة الدقيقة التي يلتقي فيها المقدس بالسياسي، وتكشف كيف يمكن للطموح الشخصي أن يعيد توظيف الإيمان والمعتقد لخدمة مشروع السلطة.
وتدور أحداث الرواية داخل فضاء قروي تحكمه البنية التقليدية والعلاقات القائمة على الخوف والرموز والذاكرة الجماعية، حيث تتابع الرواية صعود البطل “أمنار” والذي يسعى إلى بناء نفوذه من خلال فهمه العميق لطبيعة المجتمع، وإدراكه لقدرة المعتقدات على التأثير في وعي الناس وسلوكهم. وتكشف الرواية، عبر مسارها السردي، كيف يتحول الإيمان بالتدريج من تجربة روحية إلى أداة سياسية، وكيف يصبح المقدس جزءا من لعبة السلطة، في مجتمع تتداخل فيه الطاعة بالخوف، والإيمان بالحاجة إلى الحماية والاستقرار.
كما تركز الرواية بشكل واضح على الجانب النفسي للشخصيات، خاصة في ما يتعلق بعلاقتها بالعنف والطموح والسلطة والذاكرة، حيث تقدم الشخصيات “دا أوْزَالْ” و “أمغارْ أݣيزولْ” و “إدْرْ” وغيرها، وهي تعيش صراعاتها الداخلية وتحولاتها العميقة، بعيدا عن التبسيط أو التصنيف الأخلاقي الجاهز. وتعتمد الكاتبة في بناء عالمها الروائي على سرد أدبي كثيف يقوم على الوصف المطول والحوار النفسي، مع اهتمام كبير بالتفاصيل المرتبطة بالخوف والصمت والتوتر الداخلي، الأمر الذي يمنح الرواية بعدا إنسانيا يتجاوز الحكاية المباشرة إلى مساءلة أعمق لطبيعة الإنسان حين يدخل دائرة القوة.
ولا تكتفي «سماء بلا أولياء» بتقديم حكاية عن الصراع على الحكم، بل تفتح أسئلة متعددة حول طبيعة السلطة نفسها، وحول الحدود التي يمكن أن يصل إليها الإنسان حين يجعل من الدين وسيلة لبناء النفوذ السياسي. كما تسائل الرواية مفهوم الطاعة داخل المجتمعات التقليدية، وتكشف كيف يمكن للمعتقد أن يتحول إلى أداة لإنتاج الخضوع الجماعي، وكيف يصبح الخوف من فقدان الحماية أو البركة مدخلا لإعادة تشكيل المجتمع وفق منطق القوة والسيطرة.
ويرى متابعون للشأن الثقافي أن هذا العمل يندرج ضمن الروايات التي تحاول الاقتراب من القضايا الفكرية والاجتماعية عبر اللغة السردية، بعيدا عن الطرح المباشر، حيث تراهن الكاتبة على بناء عالم روائي تتقاطع فيه الأسئلة السياسية والنفسية والرمزية. كما يُنتظر أن يثير هذا الإصدار نقاشا داخل الأوساط الثقافية والأدبية، بالنظر إلى طبيعة الموضوع الذي يشتغل عليه، واعتماده على مقاربة روائية تنفتح على أسئلة الدين والسلطة والإنسان داخل المجتمع التقليدي.
ويضاف هذا العمل الجديد إلى تجربة الكاتبة خديجة الكجضى في الكتابة السردية، حيث تواصل من خلاله الاشتغال على القضايا المرتبطة بالإنسان والتحولات الاجتماعية والسلطة والذاكرة، ضمن مشروع روائي يسعى إلى مساءلة العلاقات المعقدة بين المعتقد والقوة، وبين الطموح السياسي والبعد الإنساني، في لغة سردية تقوم على التكثيف والوصف النفسي وبناء التوتر الداخلي للشخصيات.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
