
في المغرب، لا شيء يحدث بلا ضجيج. ضجيج يكفي أحيانًا لكي لا نرى ما يقع فعلًا. نختلف حول صليب خشبي أهداه وزير خلال زيارة رسمية، وننسى أن السياسة ليست دائمًا ما يُقال لنا إنها عليه، بل ما يُراد لنا ألّا نراه.
فجأة، تحول صليب صُنع في الصويرة إلى قضية رأي، وبدأ السؤال: لماذا صليب؟ ولماذا الآن؟ وهل نحن أمام “تطبيع رمزي” مع المسيحية؟ أم مجرد هدية بروتوكولية بريئة؟ وبين المبالغة في التخوين والسذاجة في الإنكار، تضيع المنطقة الرمادية حيث تسكن السياسة الحقيقية.
المسألة، ربما، لا تتعلق أصلًا بالمغاربة. المغرب في كثير من لحظاته الرمزية لا يخاطب نفسه، بل يخاطب العالم. يستعمل أدوات داخلية كي يبعث رسائل خارجية. الصناعة التقليدية هنا ليست مجرد حرفة؛ إنها لغة دبلوماسية. والصليب ليس بالضرورة إعلان عقيدة، بل ربما إشارة تقول للآخر: “نحن نفهم رموزك ونتقن مخاطبتك”.
لكن، هل هذا كل شيء؟ غالبًا لا.
ربما نحن أمام تحولات أعمق لا تُقرأ بالشعارات. وربما الدولة نفسها تتحرك بمنطق استباقي، أو ربما تتحرك بلا وعي كامل بحجم ما يتغير. في الحالتين، السؤال مشروع.
خذ مثلًا النقاشات الجارية حول الأسرة والزواج. بعيدًا عن الانفعال، ثمة من يرى أن المغرب يعيد صياغة بعض تصورات الزواج والمؤسسة الأسرية بطريقة تقترب، موضوعيًا، من فلسفات قانونية أخرى، بينها النموذج المسيحي في فهم الرابطة الأسرية واستقرارها وتعقيد فكها. هل هذا انتقال واعٍ؟ هل هو مجرد تحديث قانوني؟ أم استجابة تدريجية لتحولات كونية؟ لا أحد يملك الجواب السهل.
ثم هناك عيد الأضحى. حتى النقاش حول “الحولي” يبدو أحيانًا أكبر من مسألة سوق ومضاربين وكساد وفلاحة. حين يتحول موضوع شعائري مركزي إلى موضوع تدبير اقتصادي خالص، يحق للبعض أن يتساءل: هل نحن فقط أمام أزمة ظرفية؟ أم أمام تحولات هادئة في معنى التدين نفسه، وفي موقع الرموز المؤسسة داخل المجال العام؟
ليس السؤال هنا عن اختفاء العيد، ولا عن الادوار الجديدة لمؤسسة استراتيجية وهي إمارة المؤمنين، ولا عن سيناريوهات المؤامرة التي يحبها العقل البسيط حين يشعر بالارتباك. السؤال الحقيقي أبسط وأعمق: هل نعيش تحديثًا صامتًا في علاقة الدولة بالدين والرمز والهوية؟ تحديثًا لا يعلن نفسه بل يتسلل عبر القرارات الصغيرة والإشارات الرمزية؟
قد يبدو الأمر مبالغًا فيه. وقد يكون فعلًا مجرد قراءة زائدة عن الحد. لكن وظيفة التفكير ليست أن يقدم أجوبة نهائية، بل أن يجرؤ على طرح الأسئلة حين يصبح الجميع منشغلين بالضجيج.
فنحن شعب بارع في الانشغال بالقشرة. نختلف أسبوعًا حول صلاة، وشهرًا حول صليب، وسنة حول مدونة، ثم نعود إلى طوابير الحياة وكأن شيئًا لم يكن. بينما التحولات الكبرى لا تأتي عادةً وهي تصرخ؛ تأتي همسًا، في هيئة هدية بروتوكولية صغيرة، أو تعديل قانوني يبدو تقنيًا، أو نقاش اقتصادي عن ثمن أضحية.
إلى أن نستيقظ يومًا، ونكتشف أن العالم تغيّر من حولنا… ونحن كنا نتجادل حول رائحة بولفاف.
أما المزحة الأخيرة، فتصلح فقط للتخفيف من ثقل الأسئلة:
إذا كان المؤمنون الحقيقيون بعيد الأضحى تقريبًا هم المسلمون واليهود… فربما سيأتي يوم يطلّ فيه إبراهيم من علٍ متعجبًا ويسأل: ماذا يقع في الاسفل؟ الجواب الجميل على هذا السؤال وما على شاكلته لها أجوبتها باسئلة الكاتب اليمني المتألق حبيب عبد الرب سروري في روايته الرائعة تقرير الهدهد.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
