
أين ذهب “أزغار”؟ – بحث في الميتامورفوز المجالي وذاكرة المكان في اللغة الأمازيغية.
قراءة في مقال الازغار والغرب: إشكالية التسمية وتحديد المجال، لصاحبه الأستاذ المصطفى البوعناني.
فمن “أزغار” إلى “الغرب”: كيف فقد سهل الغرب اسمه الأول؟ – تجيبنا القراءة التاريخية على عمق التحولات المرتبط بالهوية وإشكاليات التسمية وكذلك ذاكرة الأرض المطموسة، والتي تعني السهول و”أزغار” بالأمازيغية إلى مدينة القصر الكبير فتحت أسفلت القصر الكبير تختنق طبقات من التاريخ والهوية بين “الأزغار” واللكوس والغرب”والقصر الكبير على أنقاض كلها تأسست على أنقاض “أزغار”وتجسد مسارات التحول من الهوية الاصلية الى الهوية القسرية. ومن مرابع “الأزغار” إلى حاضرة “الغرب «تتجسد قوة الميتامورفوز التاريخي الذي صنع مدينة القصر الكبير. ميتامورفوز مجالي حامل لهويةجديدة اختفت معها كلمة “أزغار” بكل ما تحمل الكلمة من معاني زما تختزن من مكونات جغرافية ومنها إمدوان، وإكَلمامن، وضايات، عميقة ومستنقعات خطيرة ومجاري الاودية، إلى “القصر الكبير” نقدم هنا دراسة في إشكالية التسمية والتاريخ المحلي.
“أين ذهب ‘أزغار’؟ انطلاقا من طرح اسئلة وجودية، تستحضر الغموض والبحث عن الذات المفقودة
“مسارات التحول من الهوية المحلية إلى الهوية الشاملة” : يقدم الإطار النظري الميتامورفوز ويوضح أن المقال ليس مجرد تاريخ قديم، بل تحليل لعمليات التحول التي شكلت الهوية الحالية.
هذا العنوان يعد القارئ برحلة استكشافية في تاريخ مكانه، ويكشف عن الطبقات المنسية التي تكمن تحت سطح الواقع الحاضر، مما يجعله جذاباً للقارئ العام والمتخصص على حد سواء.
مقدمة: إشكالية التسمية والميتامورفوز (Métamorphose spatiale) على المجالي في تاريخ شمال إفريقيا
يمثل الاشتغال على تاريخ التسميات الجغرافية أو الطبونوميا مدخلاً رئيسياً لفهم تحولات الهوية والسلطة وإدارة المجال في التجربة التاريخية المغربية. فالأسماء ليست محايدة أو ثابتة، بل هي شواهد حية على صراع التمثيلات، وانزياح الدلالات، والتطور الديموغرافي والاجتماعي الذي تشهده المجالات الترابية عبر الزمن.
يُجسِّد التحول من تسمية «أزغار» إلى تسمية «الغرب» لمنطقة سهل الغرب الحالي، نموذجاً مركزياً لهذه الظاهرة. فخلف هذا الانزياح اللغوي، تكمن قصة تحول جيوثقافي واجتماعي معقد: كيف يتحول مجال ذو هوية أمازيغية محلية – بل ويتقلص دلالياً – ليصبح مجالاً يُعرَّف بهويته العربية المستجدة؟ وكيف تتعامل المصادر التاريخية والتمثيلات المخزنية مع هذا التحول الديموغرافي والثقافي؟
يتناول هذا المقال هذه الإشكالية عبر منهجية تاريخية-تحليلية دقيقة، تسعى للإجابة على ثلاثة أسئلة جوهرية: ما المدلول الجغرافي والتاريخي لكل تسمية؟ متى بدأ تداولها في السياق المغربي؟ وكيف تمت عملية الاستبدال الطبونيمي؟، التي تختفي معها التسمية القديمة وتحل محلها تسمية جديدة، تحمل في طياتها إعادة تشكيل لهوية المجال وساكنته؟
وموازاة مع ذلك، تسعى هذه لتكون لبنةً ضمن مشروع علمي أوسع، يروم تطبيق مفهوم «الميتامورفوز المجالي» والثقافي (Métamorphose spatial et culturelle ) على تاريخ شمال إفريقيا. لا يقتصر هذا المفهوم على التغيرات السياسية أو الديموغرافية السطحية، بل يستهدف تحليل التحول الجذري والشامل في كينونة المجال، بما يشمل:
1. تحول الهوية: الانتقال من هوية قبلية/إثنية محلية أمازيغية إلى هوية جديدة عربية/إسلامية شاملة أو هجينة.
2. تحول التمثيل: كيفية رسم المجال في الخرائط الذهنية للمخزن والمصادر الخارجية، وتطور خطاب وصفه من “الهامش” إلى “المركز” أو العكس.
3. تحول الوظيفة: تغير الدور الاقتصادي والاستراتيجي للمجال من مرعى شتوي إلى سهل زراعي مخزني، أو من حاجز طبيعي إلى معبر تجاري.
4. تحول الذاكرة: كيفية طمس الأسماء القديمة أو تحويرها، وتشييد سرديات جديدة تشرعن الواقع الجديد.
يعتمد المقال على حفريات مفهومية في مصادر متنوعة جغرافية، تاريخية، أدبية، مخزنية، محليّة وأجنبية، لتتبع هذه الرحلة الممتدة من مرحلة التأسيس الأمازيغي إلى مرحلة الهيمنة العربية وتبلور التقسيم المخزني التقليدي، مُظهِراً أن التسمية هي أداة سياسية للفهم والتحكم، قبل أن تكون وصفاً بريئاً للمكان. ويقدم حالة “الأزغار والعرب” كنموذج أولي لهذا الميتامورفوز، سعياً لوضع إطار منهجي يسهم في إعادة قراءة تاريخ المجالات والإقليميات في شمال إفريقيا بوصفها عمليات تحول مستمرة ومعقدة، وليس ككيانات ثابتة مسلمة بها.
1- البيانات الببليوغرافية والهيكلية الهامش رقم 01:
• طبيعة النص: يُعرِّف المؤلف نصه في الهامش 01 على أنه “نص الدرس الافتتاحي الجامعي”، مما يضعنا أمام محاضرة أكاديمية ذات طابع رسمي (ألقيت بمناسبة افتتاح مجلس البحث العلمي بكلية الآداب بالقنيطرة في 17 أكتوبر 2002). هذا مهم لفهم السياق: النص ليس بحثاً ميدانياً مفصلاً، بل هو إطار تأطيري نظري يطرح إشكالية كبرى أمام جمهور أكاديمي.
• المؤلف والتخصص: د. المصطفى البوعناني – شعبة التاريخ. هذا يحدد المنظور المنهجي الرئيسي للنص، وهو المنظور التاريخي، مما يعني أن التحليل اللاحق سيركز على التطور الزمني، تحليل المصادر، وتتبع التحولات في الدلالات.
٢. صياغة الإشكالية المركزية (الفقرة الأولى):
يبدأ المؤلف مباشرة بطرح الإشكالية المحورية التي سيدور حولها البحث، والتي يمكن تفكيكها إلى المكونات التالية:
• الملاحظة الأولية: وجود “إثارة انتباه” أو استغراب لدى الباحث عند مراجعة المصادر والمراجع المتعلقة “بالمنطقة”. (لاحظ أن “المنطقة” لم تُحدد بعد، مما يخلق حالة من التشويق والتساؤل).
• ظاهرة الدراسة: “إشكالية التسمية” أو “إشكالية الثقافة التسمية”. هذا يشير إلى أن الموضوع ليس تاريخ أحداث فحسب، بل تاريخ المفاهيم والمصطلحات وكيفية بناء المجال عبر التسمية.
• التجلي الملموس للإشكالية: الازدواجية أو التعددية في تسمية المنطقة نفسها بين “الأزهار” و “العرب”. هذا ليس مجرد اختلاف لغوي، بل إشارة إلى تحولات تاريخية وربما هوياتية وسياسية عميقة.
• أسئلة البحث الفرعية المحددة: يقدم المؤلف أسئلته بدقة منهجية:
1. سؤال الدلالة: “ما هو مدلول كل تسمية خاصة مدلولها الجغرافي والتاريخي؟”
2. سؤال النشأة والتداول: “متى بدأ تداولها؟” (سؤال في التأريخ ونقد المصادر)
3. سؤال التحول والاستبدال: “كيف اختفت التسمية الأولى لتحل محلها التسمية الثانية؟” (سؤال في حركية التاريخ وتحليل عوامل التغيير والاستمرار)
٣. التوسع النظري والمنهجي في الإشكالية:
هنا يتوسع المؤلف في الإطار النظري للموضوع، مما يمكن قراءته على النحو التالي:
• التعميم من الخاص إلى العام: ينتقل من إشكالية “الأزغار/الغرب” إلى قضية أوسع، وهي تسمية المجالات الترابية المغربية بشكل عام (بلاد الريف، الهبط، السوس…). هذا يشير إلى أن حالة الدراسة (الأزغار/الغرب) هي نموذج أو مثال عن ظاهرة تاريخية مغربية أشمل.
• فرضية ضمنية: يفترض النص أن هذه التسميات لم تكن ثابتة، بل:
o متغيرة دلالياً: “تختلف دلالاتها مع الزمن”.
o قابلة للاندثار والاستبدال: “يتلاشى بعضها لتحل محلها تسميات جديدة”.
o ذات أبعاد سياسية/هيكلية: التسميات الجديدة إما “قبلية” (مرتبطة بالتركيبة الاجتماعية)، أو “مخزنية” (مرتبطة بالسلطة المركزية والإدارة)، أو “إدارية” (مرتبطة بالتقسيم الحديث).
• الإطار الزمني الواسع: يضع التحولات ضمن رؤية طويلة المدى، تمتد “منذ أن تبلور التدبير المحلي الامازيغي إلى حين دخول الإسلام إلى المغرب. وكذلك “منذ دخول الإسلام إلى المغرب إلى حين تبلورت الإدارة المخزنية…” أو ما شابه.
• ما وراء التسمية: المؤلف لا يهتم بالتسمية لذاتها، بل بما تمثله: هوية المجال، تصور السلطة له، علاقته بالمركز، والتحولات الديموغرافية والاجتماعية. الانتقال من “الأزغار” (وهي تسمية قد تكون محلية أو مرتبطة بخصائصة طبيعية أو سكانية قديمة) إلى “الغرب” (تسمية تحمل دلالات قبلية وسياسية وربما مرتبطة بسياسات المخزن أو الهجرات) هو انتقال في بناء الهوية والسلطة.
• المنهج المقترح ضمناً: منهج تاريخي-جغرافي-لساني.
يحتاج الباحث إلى:
1. حفريات مفاهيمية في المصادر (الرحلات، النصوص الجغرافية، الوثائق المخزنية).
2. تتبع زمني لظهور واختفاء المصطلحات.
3. ربط التغير اللفظي بالتغيرات الاجتماعية-السياسية (الهجرات، سياسات المخزن، تغير التوازنات القبلية).
• الإسهام المتوقع: هذا البحث يساهم في تاريخ المناطق المغربية (Histoire régionale) الذي يعيد قراءة التقسيمات الترابية ليس كمسلمات، بل كنتاج لعمليات تاريخية معقدة. كما يساهم في تاريخ المفاهيم (History of concepts) في السياق المغربي
يقدم المؤلف بإحكام مشروع بحثي تاريخي طموح. فهو يضع إشكالية دقيقة (إشكالية التسمية) كنافذة لفهم تحولات كبرى في المجال والهوية والسلطة في مغرب ما قبل الحداثة. المقال عبارة عن بيان منهجي وإشكالي واضح، يعد القارئ بدراسة تحليلية نقدية للمصطلحات والمفاهيم الجغرافية-التاريخية.
الحسين بوالزيت صحافي وباحث في التاريخ
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر