كتاب وآراء

من الملكة تينهينان إلى ابنة الرحامنة فاطمة الزهراء المنصوري: حين يعيد التاريخ صوت المرأة

زايد بوسعباحث في الثقافة و اللغة الأمازيغية
زايد بوسع باحث في الثقافة و اللغة الأمازيغية

يأتي تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة اليوم من طرف جلالة الملك محمد السادس في لحظة سياسية تستحق أكثر من مجرد قراءة عابرة. فهو حدث يفتح نافذة على سؤال أوسع يتعلق بموقع المرأة وقدرتها على تدبير الشأن العام، ويمنحنا فرصة للعودة إلى صفحات من تاريخ شمال إفريقيا، حيث لا تزال الذاكرة الجماعية تحتفظ بأسماء نسائية ارتبطت بالقيادة والمقاومة والتأثير في شؤون مجتمعاتها. ويشكل هذا التعيين سابقة في تاريخ المغرب، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة.

ولعل الملكة تينهينان من أكثر الأسماء حضورا في الذاكرة المغاربية، فقد ارتبط اسمها، في الروايات المتداولة، بالقيادة والمكانة الرمزية ليس فقط في منطقة “أهكار” عند الطوارق وتافيلالت، بل شمال افريقيا بأسره، أما الملكة ديهيا، المعروفة بالكاهنة، فقد ارتبط اسمها بقيادة المقاومة في منطقة الأوراس خلال القرن السابع الميلادي في مواجهة التوسع العربي الإسلامي في شمال إفريقيا. ورغم اختلاف الروايات وتداخل التاريخ بالذاكرة في بعض تفاصيل سيرتهما، فإن حضورهما ظل قويا ومتواصلا في الذاكرة التاريخية لشمال إفريقيا.

وفي التاريخ الحديث، يبرز اسم لالة فاطمة نسومر، التي أصبحت إحدى أشهر رموز المقاومة في منطقة القبائل و الجزائر خلال القرن التاسع عشر. كما حفظت الذاكرة أسماء نساء شاركن، بأشكال مختلفة، في مقاومة الاستعمار في الريف والأطلس والجنوب الشرقي، ومن بين الأسماء التي تتردد في هذا السياق عجو موحى، وإيتو تازييت، ولالة بويا تمسامانت، إلى جانب أسماء أخرى لا تزال تحتاج إلى مزيد من التوثيق التاريخي والدراسة الأكاديمية. كلها أسماء أسهمت، كل واحدة في سياقها، في كتابة صفحات من تاريخ المقاومة بمداد من ذهب.

ولا يعني استحضار هذه النماذج القول إن المرأة كانت دائما في موقع القيادة، أو أن المجتمعات الأمازيغية كانت نموذجا مثاليا في هذا المجال. فصفحات التاريخ أكثر تعقيدا، خصوصا حين نستحضر التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها مجتمعات شمال إفريقيا عبر التاريخ. غير أن هذه النماذج تذكرنا بأن المرأة لم تكن غائبة عن لحظات التحولات الكبرى، وأن بعض النساء استطعن، في سياقات تاريخية مختلفة، أن يصبحن صاحبات قرار وتأثير داخل مجتمعاتهن.

ومن هنا يمكن فهم الرمزية التي يكتسبها وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة. فالمقارنة بينها وبين تينهينان أو ديهيا  و باقي النساء الأمازيغيات ليست مقارنة تاريخية بالمعنى الدقيق؛ فالسياقات مختلفة، والمؤسسات مختلفة، وطبيعة السلطة نفسها تغيرت جذريًا. إنها مقارنة رمزية تستحضر سؤالًا واحدًا:

كيف انتقلت المرأة من صفحات الذاكرة التاريخية إلى قلب المؤسسات الحديثة؟

إن قيمة هذه اللحظة لا تكمن في كون رئيسة الحكومة امرأة فحسب، وإنما في أن الوصول إلى هذا الموقع أصبح ممكنا داخل بنية الدولة الحديثة ومؤسساتها. وهنا تتجاوز المسألة حدود الجنس أو الانتماء الثقافي، لتصبح جزءا من التحول الذي يعرفه المجتمع المغربي في نظرته إلى أدوار المرأة وموقعها في الحياة العامة.

فهل تكون فاطمة الزهراء المنصوري ابنة الرحامنة تينهينان مغرب اليوم، وتقود سياسة البلاد نحو بر الأمان، كما ارتبط اسم تينهينان في الذاكرة بالقيادة والازدهار؟

ربما يكون السؤال، في حد ذاته، أكثر رمزية من اللازم. فتينهينان تنتمي إلى زمن مختلف وإلى فضاء تاريخي واجتماعي مغاير تمامًا، بينما تتحرك فاطمة الزهراء المنصوري داخل دولة حديثة تحكمها المؤسسات والقوانين والدستور وآليات العمل السياسي.

لكن بين الشخصيتين، رغم اختلاف الزمن والسياق، يمكن أن نعثر على خيط رمزي واحد:

المرأة حين تدخل مجال القرار لا تعود مجرد موضوع في التاريخ، بل تصبح جزءًا من صناعته.

وهنا تكمن دلالة اللحظة المغربية الراهنة. فبعد أن حفظت الذاكرة أسماء نساء ارتبطن بالقيادة والمقاومة، يأتي الحاضر ليضع امرأة في موقع متقدم من تدبير الدولة. وما سيمنح هذه اللحظة معناها الحقيقي ليس لقب «أول امرأة»، وإنما ما ستتركه التجربة من أثر في السياسات والقرارات وحياة المواطنين.

لقد انتهى زمن السؤال:

هل تستطيع المرأة أن تقود؟

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

ماذا ستفعل حين تصبح القيادة بين يديها؟

وهذا، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي الذي سيحسمه المستقبل، لا التاريخ.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى