وتسرد الرواية قصة البطل “أماياس” الذي يعيش سجينًا في غرفته، التي تحولت إلى مشرحة للأفكار وأشباح الشخصيات المبتورة، والتي تحاكم عجزه المتكرر عن دمج ثلاثة مخطوطات قديمة كانت مشاريع روايات مجهضة. ويتقاطع مصيره مع “تليلا” عبر منتدى افتراضي يحمل اسم “تيراوال”، لتنفجر الحقيقة في صدمة أنطولوجية تكشف أن كليهما “يُكتب” من قبل الآخر، في حلقة مفرغة من حبسة الكتابة المتبادلة وتداخل العوالم الموازية.
وتوظف الرواية مفاهيم الفيزياء الكمية والميتا-رواية لتصوير تمرد الشخصيات على دكتاتورية المؤلف وسلطة النص الجاهز، في محاولة لاسترداد “الكوجيتو” المسلوب من هوامش الرواية كجنس أدبي. وفي ذروة مشوقة، يرسم “أماياس” بابًا على صفحة بيضاء ليعبر نحو “تليلا”، حيث يقرران معًا الانصهار في “البياض المطلق” والفرار من قيود “النقطة” التي تنهي الحكاية.
وينتهي الجزء الأول من الرواية بانتصار الكينونة على الورق، تاركًا خلفه غرفة خالية وأسئلة حارقة حول من يكتب من، في فضاء مجهول لا يطاله سوى خيال القارئ الذي يجرؤ على عدم إغلاق الكتاب، ليعلن “أماياس” تمرده المطلق على “موت المؤلف” باحثًا عن حقيقته خارج أسوار الحكاية.
وفي الجزء الثاني، يعود “أماياس” من الغرفة الموازية إلى الغرفة الأصلية ليجد جثة في انتظاره على الكرسي الخشبي الموضوع في زاوية الغرفة. وكان سبب ظهور الجثة هو حسمه –حسمًا نسبيًا– في هوية “تليلا”، إذ كان قبل غوصه في عالمها روائيًا منعزلًا فاقدًا للخط الفاصل بين الواقع والخيال.
ويقرر “أماياس” ارتكاب “جريمة سردية” مثالية ضد منافسته الروائية الشهيرة “إلودي”، عبر “محوها” من الوجود من خلال التلاعب بواقعها وتحويلها إلى شخصية في مخطوطة قاتلة. وفي هذا السياق، يظهر المحقق العنيد “أوسمان” محاولًا حل لغز محو شخصية “إلودي”، بينما تتناثر أدلة الجريمة كشظايا نصية داخل الرواية نفسها.
وتقوم الرواية على لعبة سردية قائمة على تعدد الأصوات، حيث يتناوب على السرد راوٍ عليم يتابع التحقيق في العالم “الواقعي”، وراوٍ داخلي تمثله “تليلا”، الشخصية الرئيسية في عالم “أماياس”، والتي تروي تفاصيل العالم الداخلي وكيفية التخطيط للجريمة وتنفيذها، مما يخلق تبادلًا للأدوار بين الكاتب وشخصيته، ويقحم القارئ ضمن هذا البناء السردي.
وتتشابك خيوط الرواية حول لغز المحو المفاجئ لوعي الروائية “إلودي”، التي عُثر عليها جسدًا حيًا يسكنه فراغ مطلق، ليبدأ المحقق “أوسمان” رحلة تقصٍ تتجاوز الأدلة المادية إلى دهاليز ما يُعرف بـ “المحو السردي”. وتكشف الأحداث عن صراع وجودي بين “أماياس” وأستاذته السابقة، التي يعتقد أنها سلبت روحه وجوهر أفكاره لصناعة مجدها الأدبي، ما يدفعه إلى شن حرب نفسية عبر كتابة واقع موازٍ يهدم يقينها بحواسها وذكرياتها، من خلال رواية مفخخة تحمل عنوان “ءيريزي”.
وبينما ينخرط المحقق “أوسمان” وخبير المخطوطات “أمناي” في تحليل نصوص تتحول إلى فخاخ سردية تتوقع خطواتهما بدقة، يبدأ عقل “أماياس” في التآكل، لتستحوذ عليه شخصيته الخيالية “تليلا”، في تداخل معقد بين الخالق والمخلوق، وبين الواقع والخيال.
وفي ذروة المواجهة، تنقلب الموازين باكتشاف صاعق يكشف أن كل ما جرى من انتقام وجنون وتحقيق لم يكن سوى الفصل الأخير في رواية صممتها “إلودي” نفسها، لتكون ضحيتها وجلادها في آن واحد.
وتبلغ الرواية نهايتها بكسر الجدار الرابع، حيث يعثر المحقق “أوسمان”، أثناء تفتيشه غرفة “أماياس”، على مظروف بريدي مهمل كان هذا الأخير قد تجاهله، ليجد بداخله نسخة من رواية تحمل عنوان “ءيريزي” للكاتب صالح أيت صالح. وفي لحظة إدراك حاسمة، يتبين أن الكتاب الذي بين يديه داخل مسرح الأحداث هو نفسه الذي يقرأه القارئ، لتتلاشى الحدود بين الواقع والخيال، ويُكشف أن الجميع (المحقق والقاتل والضحية وحتى القارئ) محاصرون داخل لعبة سردية لا نهائية نسجها المؤلف.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
