كتاب وآراء

أبعد من “فراقشية الثقافة”

نحو سيادة إبداعية والتقائية السياسات الثقافية بالمغرب

* من ثقافة الحدث إلى ثقافة المشروع
* نحو سيادة إبداعية والتقائية السياسات الثقافية بالمغرب

ليس النقاش الذي شهده البرلمان المغربي أخيراً حول ما اصطلح عليه إعلامياً بـ”فراقشية الثقافة” سوى لحظة كاشفة لاختلالات أعمق من أن تُختزل في أسماء أشخاص أو في ملفات دعم أو في سجال سياسي عابر. فكلما تحولت الثقافة إلى موضوع للتراشق، ضاعت الأسئلة الكبرى التي ينبغي أن تشغل الرأي العام، وفي مقدمتها: أي سياسة ثقافية نريد للمغرب؟ وأي موقع للثقافة داخل المشروع التنموي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس؟

إن أخطر ما يمكن أن يترتب عن هذا النقاش هو أن ينحصر في محاسبة الأشخاص أو في تبادل الاتهامات، بينما تظل الأزمة البنيوية التي يعيشها القطاع بعيدة عن دائرة التفكير. فالقضية ليست قضية فنان أو مسؤول أو لجنة، وإنما قضية تصور للدولة في علاقتها بالثقافة، وقضية حكامة عمومية لم تستطع، إلى اليوم، أن تجعل من الثقافة رافعة حقيقية للتنمية ورأسمالاً منتجاً للقيمة.

لقد وضع جلالة الملك، منذ سنوات، سؤالاً محورياً ما يزال يحتفظ بكل راهنيته: “أين هي الثروة؟” ولم يكن المقصود بهذا السؤال الثروة المادية وحدها، بل أيضاً الثروة اللامادية التي تجعل من الهوية، والذاكرة، والإبداع، والمعرفة، موارد استراتيجية لبناء المستقبل. وإذا كان المغرب قد نجح في تثمين كثير من مؤهلاته الاقتصادية والرياضية والدبلوماسية، فإن الرأسمال الثقافي ما يزال في حاجة إلى سياسة عمومية تجعل منه قوة ناعمة تواكب التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة.

والمفارقة أن المغرب لا يعاني من فقر في التراث أو في الطاقات الإبداعية، بل يمتلك واحدة من أغنى المنظومات الحضارية في الفضاء المتوسطي والإفريقي، كما تؤكد ذلك الاكتشافات الأركيولوجية المتلاحقة، وغنى الروافد الأمازيغية والعربية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية. غير أن هذا الرصيد الاستثنائي لم يتحول بعد إلى مشروع ثقافي وطني متكامل، لأن تدبير الثقافة ظل، في كثير من الأحيان، أسير منطق البرامج الموسمية، والتدخلات المجزأة، وغياب الالتقائية بين القطاعات الحكومية.

ومن هنا، لا يتعلق الإشكال بحجم الميزانيات وحده، بقدر ما يتعلق بغياب هندسة استراتيجية تجعل الثقافة تلتقي مع التعليم، والسياحة، والإعلام، والشباب، والجماعات الترابية، والاقتصاد الإبداعي. فالثقافة لا ينبغي أن تُدار باعتبارها قطاعاً إدارياً معزولاً، بل باعتبارها البنية الرمزية التي تمنح المعنى لمختلف السياسات العمومية.

لقد أدى هذا الاختلال إلى بروز ما يمكن تسميته بـ”البريكولاج الثقافي”، أي ذلك التدبير الترقيعي الذي يستهلك الوقت والموارد دون أن ينتج أثراً مستداماً. وتكفي نظرة إلى واقع الفنون الحية، وفي مقدمتها المسرح، لندرك حجم المفارقة. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يكون المسرح مختبراً لتكوين الفنان وصناعة الجمهور وتعزيز التربية الجمالية، تراجع حضوره داخل السياسات الثقافية، بينما أصبحت المبادرات الميدانية تعاني ضعف المواكبة وغياب الاستمرارية.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الاستثمار في الصناعات الثقافية الجديدة أو في الألعاب الإلكترونية، فهي بدورها جزء من الاقتصاد الإبداعي، لكن الإشكال يكمن في غياب التوازن بين الاستثمار في المستقبل والحفاظ على البنيات المؤسسة للفعل الثقافي، وفي مقدمتها المسرح، والموسيقى، والفنون البصرية، باعتبارها الحاضنة التي تتغذى منها مختلف الصناعات الإبداعية.

وتبرز هذه المفارقة بشكل أوضح عندما ننظر إلى ما يجري في الجهات. فقد أصبحت العديد من المبادرات الثقافية الجهوية تنتج تصورات أكثر جرأة وابتكاراً من تلك التي يصوغها المركز. ولعل تجربة الندوة الجهوية للصناعة السينمائية بجهة سوس ماسة تمثل نموذجاً دالاً؛ إذ انطلقت من رؤية تجعل من السينما رافعة للتنمية الترابية، ومجالاً لخلق فرص الشغل، وتثمين المؤهلات الطبيعية والثقافية للجهة. غير أن هذه المبادرة، رغم ما رافقها من توافقات ومقترحات عملية، لم تجد المواكبة الكافية لتحويلها إلى سياسة عمومية مستدامة، وهو ما يكشف أن الهامش أصبح، في كثير من الأحيان، يسبق المركز في إنتاج الأفكار، بينما يتعثر المركز في تحويلها إلى برامج مؤسساتية.

وينطبق الأمر نفسه على مشروع “نوستالجيا المدينة”، الذي وجد تجسيده العملي في احتفالية “تيفلوين” بمدينة تيزنيت. فقد نظر كثيرون إلى هذه التجربة باعتبارها احتفالاً موسمياً، بينما هي في حقيقتها مشروع ثقافي يقوم على إعادة تأويل المدينة التاريخية باعتبارها فضاءً دائماً للإبداع، ومختبراً حضرياً لإنتاج المعرفة، وربط الذاكرة بالتنمية، والتراث بالاقتصاد الإبداعي.

لقد سبق هذه التجربة عمل طويل في البحث والتوثيق، وإعادة تصميم الأزياء والإكسسوارات، وبناء الهوية البصرية، واستثمار الفضاءات التاريخية، حتى تتحول المدينة إلى متحف حي، لا يكتفي بعرض التراث، بل يعيد إنتاجه في صيغ معاصرة. غير أن ضعف التواصل، وهيمنة ثقافة الحدث، جعلا كثيراً من المتابعين لا يرون من المشروع سوى بعض المقاطع المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما غابت الرؤية التي تقف خلفه.

والحال نفسه ينسحب على فلسفة التوطين المسرحي، التي أُفرغت، في كثير من الأحيان، من مضمونها الأصلي. فالتوطين لم يكن يراد له أن يكون مجرد استقرار فرقة داخل فضاء ثقافي أو تنفيذ برنامج سنوي مرتبط بالدعم، وإنما كان يروم بناء مختبرات جهوية للإبداع، تنتج المعرفة، وتصنع الجمهور، وتربط المسرح بالتعليم، والجامعة، والإعلام، والاقتصاد المحلي. وعندما يغيب هذا البعد، يتحول التوطين إلى إجراء إداري، بدل أن يكون مشروعاً للتنمية الثقافية المستدامة.

إن كل هذه المؤشرات تؤكد أننا في حاجة إلى الانتقال من ثقافة الحدث إلى ثقافة المشروع؛ أي من تدبير المناسبات إلى بناء المنظومات، ومن منطق الدعم إلى منطق الاستثمار، ومن المركزية إلى حكامة ثقافية تجعل الجهات فضاءات لإنتاج المبادرات، لا مجرد مجالات لتنفيذ القرارات.

ومن هنا، يبرز مفهوم “السيادة الإبداعية” باعتباره أفقاً جديداً للسياسات الثقافية المغربية. والسيادة الإبداعية لا تعني الانغلاق أو رفض التفاعل مع العالم، وإنما تعني قدرة المغرب على إنتاج نماذجه الثقافية الخاصة، انطلاقاً من تاريخه، ولغاته، وتراثه، وذكائه الترابي، مع الانفتاح الواعي على التجارب الإنسانية.

فالسيادة الإبداعية هي أن يتحول التراث إلى معرفة، والمعرفة إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى قوة ناعمة. وهي أن تصبح الثقافة شريكاً في التعليم، والسياحة، والدبلوماسية، والتنمية الترابية، لا قطاعاً معزولاً عن باقي السياسات العمومية.

واليوم، ونحن نستعد لاستحقاقات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، ونعيش دينامية غير مسبوقة في الأوراش التنموية، يصبح من الضروري أن تحظى الثقافة بالمكانة التي تستحقها داخل المشروع الوطني، وأن يُفتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول مستقبلها، بعيداً عن منطق الإثارة والسجال.

إن المغرب لا يحتاج إلى المزيد من المهرجانات بقدر ما يحتاج إلى المزيد من المشاريع الثقافية المستدامة، ولا يحتاج إلى مضاعفة برامج الدعم بقدر ما يحتاج إلى بناء منظومات للإنتاج الثقافي، تقيس الأثر، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمنح الجهات القدرة على الابتكار.

إن النقاش الذي أثارته “فراقشية الثقافة” يجب أن يكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، لا مناسبة لتبادل الاتهامات. فالأمم لا تبني مكانتها بما تمتلكه من موارد مادية فقط، بل بما تنتجه من معرفة، وما تبدعه من فن، وما ترويه للعالم عن نفسها.

*إن الثقافة ليست هامشاً في المشروع الوطني؛ إنها أحد شروط سيادته.

بقلم: الحبيب نونو – منشط ثقافي، مكون، ومخرج مسرحي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى