في لقاءات خاصة بتكريم الدكتور الحسين المجاهد. أجمع كل من السيد أحمد توفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، والسيد أحمد بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة للأمازيغية، على الخصال الحميدة التي يتوفر عليها والمواصفات الشخصية والمهنية والعلمية والثقافية التي أهلته لتدبير ناجح وناجع وحكيم لكل المؤسسات والمسؤوليات التي تولاها. الحسين المجاهد، رجل الظل والصامت الذي نعرفه أكثر إداريا ومدبرا. هنا في هذا البروفايل لمحات عن مساره علميا وأكاديميا وإداريا…
النشأة والمسار الدراسي والعلمي
من بلدة إيغرم التابعة لتارودانت بجبال الأطلس الصغير الصامدة، كانت الصرخة الأولى للسيد الحسين المجاهد سنة 1954، تحديدا بزاوية “تين دين”. تتلمذ بداية في كتاب القرية – مثل جميع أقرانه ومثلما هي عادة الأهالي في الإقليم السوسي عامة، قصد النهل من السور الأولى للقران الكريم. وهو في الخامسة من عمره، سيهاجر رفقة والده للاستقرار بالرباط حيث يوجد عمل الوالد. وفي الرباط، سيلتحق بالمدرسة العصرية موازاة مع ذلك سيتابع تعليمه الديني بالمسيد خاتما حفظ القران الكريم لثلاث مرات ودراسة العديد من المتون الدينية واللغوية التي كانت مألوفة أنئذ على مستوى هذا النوع من التعليم التقليدي، تصادف هذا كله مع حصوله على شهادة الدروس الإعدادي (ما يطلق عليه حينئذ البروفي) في نهاية الستينيات. اختار بعده الالتحاق بشعبة الآداب العصرية بثانوية مولاي يوسف الشهيرة بوسط الرباط، ومنها سيحصل على شهادة الباكالوريا في العام 1974، الشيء الذي خول له الالتحاق بشعبة اللغة الفرنسية وأدابها بجامعة محمد الخامس بالرباط ليحصل على الإجازة في العام 1978. وحصل على ديبلوم الدراسات المعمقة سنة 1979 في علوم اللغة من جامعة روني ديكارت بالسوربون. وفي العام 1981، حصل على دكتوراه السلك الثالث من السوربون كذلك. ليختم هذا المسار الأكاديمي بحصوله في العام 1993 على دكتوراه الدولة في الأداب واللسانيات.
إنتاج علمي جامع بين الترجمة واللسانيات والأعمال الموسوعية
يحفل الأرشيف الصحفي لجريدة الأنباء بمجموعة من المواد الصحافية والمقالات التي حررها أو ترجمها الحسين المجاهد الصحافي. ومن البديهي العودة إلى هذا الأرشيف الإعلامي الهام من أجل توثيقه وتعزيزه وتعريف الأجيال الحالية به. وفي مجال العمل الموسوعي، قام بإنجاز الترجمة العربية لمجموعة من الموسوعات العامة الصادرة ضمن منشورات مؤسسة عكاظ، وهي بالأساس: الموسوعة الحديثة وموسوعة الشباب. وفي العام 1996، ساهم في إعداد وتحرير موسوعة الحضارة المغربية والفن والثقافة برفقة كل من محمد السجلماسي والسوسيولوجي المعروف عبد الكبير الخطيبي. كما يعتبر من المحررين الرئيسيين للموسوعة المغربية “معلمة المغرب” انطلاقا من العام 1984 والتي يعد كذلك عضوا بلجنتها العلمية بحكم عضويته في الجمعية المغربية للترجمة والنشر. وكانت المساهمات أو المواد التي نشرها في هذه الموسوعة الرائدة لا تخرج عن نطاق التعريف بالثقافة واللغة الأمازيغية في مختلف أبعادها اللغوية والثقافية والحضارية والفنية…
أما في مجال اللسانيات الأمازيغية، والتي تعتبر تخصصه الأول في الأصل، فقد صدر له سنة 1997 كتاب “النحو التوليدي في الأمازيغية”، ليعتبر بذلك أولى الإصدارات التي ساهمت في مقاربة اللغة الأمازيغية من خلال منهج اللسانيات التوليدية للباحث المعروف نعوم تشومسكي. وساهم في سنة 2005 في إعداد كتاب “النحو الجديد للغة الأمازيغية” الذي يعتبر الالية العلمية والبيداغوجية الأساسية في كتابة اللغة الأمازيغية وإملائيتها وقواعدها اللغوية الأساسية بعد بدء المسار المؤسساتي لتهيئة اللغة الامازيغية بالمغرب. وصدر له العام 2021 كتاب النحو البنيوي للأمازيغية (الاسم)، وفي عام 2022 كتاب “النحو الوظيفي للغة الأمازيغية: صرف وتركيب الاسم”. إضافة إلى العديد من المقالات العلمية في المجلات المتخصصة مثل مجلة “أسيناك” ومجلة “دراسات ووثائق أمازيغية ” الصادرة بفرنسا. وكذا مساهمات علمية في أعمال جماعية وكذلك في الكتب البديعية الصادرة عن مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
على مستوى النضال الأمازيغي، انخرط السيد الحسين المجاهد بالجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي وتولى مسؤوليات هامة بمكتبها ومجلسها الوطنيين وكانت له مساهمات عديدة على مستوى استراتيجية العمل الثقافي لهذه الجمعية المرموقة من حيث برامج عملها وإصداراتها وتظاهراتها العلمية والثقافية الكبرى. دون أن ننسى هنا الإشارة إلى مساهمة العلمية المتميزة حول تاريخ وحاضر الدراسات اللسانية الأمازيغية في الدورة الأولى لجمعية الجامعة الصيفية بأكادير بداية الثمانينيات.
مسار مهني علمي وإداري استثنائي
اشتغل السيد الحسين المجاهد أستاذ جامعيا منذ العام 1981 بجامعة محمد الخامس بالرباط مدرسا للسانيات والتركيب ومنهجية البحث. كما اشتغل أستاذا زائرا بالمعهد الوطني لعلوم الاثار والتراث منذ 1985 إلى غاية 1990. وباحثا بالمعهد الجامعي للبحث العلمي ما بين 1989 و1999. كما رأس شعبة الدراسات الفرنسية بنفس الجامعة ما بين 1999 و2000.
وهو إلى كل ذلك خبير مستشار لدى العديد من المؤسسات والمنظمات في مجالات النشر والترجمة والتواصل المؤسساتي.
تولى السيد المجاهد مسؤولية تدبير مؤسسات أكاديمية كبرى، ومن ذلك توليه مسؤولية الكتابة العامة لمعهد الدراسات الإفريقية من 1990 إلى 1998 إبان إدارته من طرف السيد أحمد التوفيق (وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الحالي). وبعد تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في العام 2002، عين أمينا عاما له لتدبير الشؤون الإدارية للمعهد. وتقديرا لأعماله الكثيرة في مختلف المجالات التي اشتغل بها، حظي السيد الحسين المجاهد بالعديد من التكريمات كما نال وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الممتازة سنة 2019.
على مستوى أكاديمية المملكة المغربية، يتولى السيد الحسين المجاهد العديد من المهام العلمية منذ العام 2022 ومنها عضوية اللجنة العلمية ولجنة تحرير مجلة الأكاديمية، وعضوية خلية التفكير المنوطة بإحداث الهيئة الأكاديمية للترجمة، وأخيرا عضوية مؤسسة أكاديمية المملكة المغربية للتعاون الدولي. فضلا عن عضوية المجلس الإداري لمدرسة فهد العليا للترجمة بطنجة انطلاقا من 2024.
مسار مهني ترجمي متنوع
يعتبر مجال الترجمة من المجالات المهنية والثقافية التي أعطى فيها السيد الحسين المجاهد الشيء الكثير. إذ ولج هذا المجال منذ ريعان شبابه. وكان ذلك في أروقة جريدة “الأنباء” التي عمل فيها في مجال الترجمة من الفرنسية إلى العربية منذ 1973 واستمر متعاونا معها إلى غاية 1988. وما بين 1984 و1990، ترجم لفائدة منشورات عكاظ موسوعتين ذات طبيعة عامة وهما: الموسوعة الحديثة وموسوعة الشباب. كما ترجم لفائدة الإيسيسيكو (منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة) مجموعة من الإصدارات العلمية المتخصصة إلى اللغة الفرنسية، نذكر منها: التربية الإسلامية بين القديم والحديث لمحمد مختار ولد أباه، الحضارة الإسلامية في جزر القمر لمصطفى زباخ، والحوار من منظور إسلامي لعباس الجراري. ولأكاديمية المملكة المغربية، قام بترجمة كتاب الأستاذ إدريس الضحاك بعنوان: الماء عالميا ووطنيا…موارده ونظامه القانوني.
الصحافة…عشق أول
لا يعرف الكثيرون أن الصحافة المكتوبة كانت المجال المهني الأول الذي اشتغل فيه السيد الحسين المجاهد. بسبب ولعه بالعربية، اهتم في شبابه بمختلف أنواع الكتابة على شكل خواطر وكتابات أدبية عرفت طريقها للنشر بداية في المجلة الحائطية إبان سنوات الدراسة الثانوية قبل أن يعمد إلى مراسلة جريدة “الأنباء” (جريدة رسمية كانت تصدر عن وزارة الإعلام) التي سيلتحق بها بشكل رسمي كصحافي انطلاقا من سنة 1972 إلى غاية 1978 للاشتغال في تصحيح المقالات وتدقيقها اللغوي وترجمة أخرى والاشتغال بالتحرير الصحافي عامة. وقد نشر في هذه المرحلة العديد من المقالات حول الثقافة الأمازيغية ومنها مقالات تعريفية بفرقة أوسمان الموسيقية الأمازيغية.
رشيد نجيب
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر




