
خلال محادثة لي مع الأميرة بلقيس، ابنة المقاوم الطوارقي الكبير الراحل محمد علي آغ طاهر الأنصاري، المنحدر من تيمبوكتو، ذكرت أن قبيلتهم تنتمي إلى سلالة الشرفاء، وهم أولياء مسلمون من الأنصار جاءوا من الجزيرة العربية ويربطون نسبهم بـ فاطمة الزهراء ابنة النبي محمد.
أشرت لها بأن أحدث الاكتشافات الأثرية والأنثروبولوجيا تدعو لمراجعة هذا السرد، حيث تشير إلى أن أصولنا ليست في الجزيرة العربية، بل في الأرض الإفريقية نفسها، عند» إنسان أدرار إيغود «، الذي يعتبر أقدم /Homo sapiensإنسان العاقل معروف حتى الآن، ويعود عمره إلى حوالي 315 ألف سنة.
أصل الهوية

ردّت الأميرة بروح دعابية: «إذن أجدادنا غادروا من هنا إلى شبه الجزيرة العربية، وأحفادهم يعودون إلى موطنهم!»
أسطورة الأصول العربية
الفكرة القائلة بأن الأمازيغ أصولهم عربية ما زالت منتشرة، وهي نتاج التأريخ الرسمي المتأثر بالإيديولوجيات القومية العربية-الإسلامية. وتدّعي هذه الرواية أن أجداد الأمازيغ جاءوا من اليمن وعبروا البحر الأحمر ليستقروا في شمال إفريقيا.
لكن البيانات الأثرية والأنثروبولوجيا تناقض هذه الرؤية. يجب التفرقة بين ‘إنسان أدرار إيغود ‘، أقدم Homo sapiens، وبين الحضارة الأمازيغية، التي ظهرت لاحقًا منذ حوالي 9000 إلى 10000 سنة.
ويقول غابرييل كامبس إن الحضارة الأمازيغية نشأت في تونس، في منطقة قفصة، ومن هناك ظهرت حضارة القفصيين.

كان القفصيون يدفنون موتاهم وفق طقوس متنوعة، وفنهم الحيواني المنقوش على قواقع بيض النعام ونقوش المكطة يعكس وعيًا رمزيًا وفنًا متقدمًا، ويعتبر من بدايات الفن الأمازيغي[2] .
القفصيون والإيبيروموريون: السلالتان البدائيتان للمغرب الكبير
القفصيون سيطروا على حضارة أقدم هي حضارة الإيبيروموريين، الذين شملت آثارهم مقابر مشطة أفالو، أفالو بورحمّل، تافوغالت وكولوناد على طول الساحل المغاربي والجبال التلية.
الإيبيروموريون، طوال القامة (حوالي 1.74م) وأقوياء، كانوا يمارسون خلع الأسنان الأمامية وطقوسًا جنائزية مختلفة. أدواتهم الحجرية الدقيقة شملت الكاشطات، المقاشط، الأدوات العظمية، ما يدل على مستوى تقني متقدم.

الاكتشافات الحديثة: أصل صحراوي للحضارة الأمازيغية
التقدم في علم الآثار والأنثروبولوجيا الجينية أعاد النظر في النظريات السابقة.
الرسوم الصخرية في تاسيلي ن آجر تظهر أنه بين 10 آلاف و6 آلاف سنة مضت، كانت هذه المنطقة خضراء، فيها أنهار وحيوانات كثيرة.
توضح مليكة حشيد في كتابها «الأمازيغ الأوائل»:
«البروتوأمازيغ هم ورثة حضارة النيوليت في الصحراء، من أقدم الحضارات العالمية، تضاهي حضارة الهلال الخصيب في الشرق الأوسط. لقد حملوا الحضارة إلى أوجها، مستفيدين من آخر العصور الرطبة التي خضّرت الصحراء. ليسوا مجرد رعاة صيادين، بل مجتمع منظم، مع عادات وقيم، وفن يعكس حضارة متقدمة.» [3]
خلال النيوليث(néolithique)، ومع وفرة الأمطار، بدأ الإنسان صناعة الفخار منذ أكثر من 11 ألف سنة، أي قبل الشرق الأوسط بألف سنة، ما يؤكد تقدم المجتمعات الصحراوية القديمة.
‘Middle Draa Project’: التأكيد المغربي
مشروع وادي درعة الأوسط (Middle Draa Project)، تعاون بين جامعة ليستر وINSAP المغربي[4] ، حدد أكثر من 2200 موقع أثري بين آكدز ومحاميد.
كشف المشروع عن أكثر من 22 ألف قبر من الفترة ما قبل التاريخ وما قبل الإسلام، وقرى محصنة، وآثار من العصور المرابطية والموحدية.
كما عثر الفريق على رسوم مذهلة تظهر النظام الأمومي (matrilinéaire)، وهو سمة ما زالت موجودة بين الطوارق حتى اليوم.
الدليل الوراثي والعلاقات مع المصريين القدماء
بحلول عام 2000، أشارت أبحاث أرنائز فيلينا وألونزو غارسيا [5]إلى أن السكان الصحراويين كانوا متكلمين بلغة واحدة ومتشابهين جينيًا، قبل أن يهاجروا نحو سواحل البحر المتوسط إثر الجفاف الكبير قبل حوالي 20 ألف سنة. يستنتج البروفيسور أنطونيو أرنايز-فيلينا أنه: “ربما كان هناك عدد كبير من السكان على طول الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا، ولغة واحدة، وربما هوية وراثية واحدة… أُجبر هذا الشعب على الهجرة في زمن التقلبات المناخية والتصحر التي حدثت حوالي 18,000 عام الماضية (بعد العصر الجليدي الأخير)، وعندما أصبحت الصحراء صحراء وأصبح البقاء فيها صعبًا، هاجروا بشكل دائم وجماعي إلى سواحل شمال البحر الأبيض المتوسط (شبه الجزيرة الأيبيرية، جنوب إيطاليا، جزر غرب البحر الأبيض المتوسط) إلى جزر المحيط الأطلسي (جزر الكناري) وإلى الشرق (مصر) (6,000 عام قبل الميلاد)”.
دراسات أحدث، بما في ذلك المنشورة في Nature (2 يوليو 2024) [6]، أكدت أن الجينوم المصري من العصر ما قبل الأسرات يعود 80٪ منه إلى النيوليث المغربي.
الأمازيغ والمصريون: صلة قرابة عميقة
تعزز هذه البيانات فرضيةً مثيرةً للاهتمام: للحضارة المصرية جذور صحراوية وأمازيغية.
يؤكد عالم المصريات زاهي حواس أن المصريين “ليسوا عربًا ولا أفارقة” [7]؛ قد يُسلّم بأنهم ليسوا عربًا، لكن أفريقيتهم لا شك فيها. وتشير عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية الشمالية هيلين إي. هاجان [8] إلى أن الثقافتين الأمازيغية والمصرية تشتركان في العديد من السمات اللغوية والرمزية، وأن فترة ما قبل الأسرات (5000-3000 قبل الميلاد) تُشكل الرابط التأسيسي بين الصحراء الغربية ووادي النيل. تقول هاجان: “كانت لديّ معرفة مسبقة مبهمة بأن الأراضي الليبية امتدت إلى النيل في وقت ما، وأن اللغة الأمازيغية واللغة المصرية تتشابهان إلى حد ما، وأنهما تنتميان إلى ما صنفه العلماء عائلة لغوية حامية. لم أكن أعلم أنني، خطوة بخطوة، سأواجه كل هذه الروابط، وكل هذه القرائن، وكل هذه الجذور المشتركة العميقة، وكمًا هائلًا من المعلومات اللغوية التي لم أستنفدها بعد.”
وبالمثل، تسلط الباحثة الجزائرية تقليت مبارك سلاوتي [9]، استناداً إلى نقوش طاسيلي ناجر وعربات الصخور والتلال الجنائزية، الضوء على الاستمرارية الفنية والطقسية بين الشعوب الصحراوية والمصريين القدماء. وتؤكد أنه: “قبل هذا التصحر الذي استمر قرابة 500 عام اعتمادًا على الموقع والهجرات الإجبارية المصاحبة له، تميزت الصحراء في البداية بفن رفيع المستوى ومتنوع للغاية، وهو فن “الرؤوس المستديرة” و”البوبالين”. يعود تاريخ هذا الفن إلى زمن سحيق وفقًا للكميات الكبيرة من اللوحات والنقوش في نفس المواقع. تعكس هذه اللوحات الصخرية – ما تبقى منها وما نكتشفه – حياة مثالية في الصحراء. تسمح الممرات المائية والنباتات المتنوعة والبحيرات للإنسان بالعيش من صيد الأسماك والصيد وتربية الماشية ولكن أيضًا من الزراعة … تميزت الصحراء أيضًا بخزف وفير ومتنوع للغاية متطابق في جميع الأماكن ويعود تاريخه إلى أكثر من 8000 قبل الميلاد، أي قبل أي شيء تم العثور عليه في الشرق (فلسطين أو أي مكان آخر). من ناحية أخرى، في المغرب، قام شعب البربر (حيث أن الأفراد الذين تم استخراج رفاتهم من المقابر التي يعود تاريخها إلى أكثر من 8000 قبل الميلاد لديهم نفس الهيكل العظمي لهيكلنا اليوم) بتربية الأغنام والماعز، وعرفوا الزراعة نظرًا لأن غالبية المواقع المسماة كابسيانز أظهرت اكتظاظًا سكانيًا من هذه الفترة من 8000 قبل الميلاد.
هذه النتائج تعزز فكرة أن الحضارة المصرية لها جذور صحراوية وأمازيغية. كما يلاحظ بعض الباحثين أن الثقافتين الأمازيغية والمصرية تتقاسمان خصائص لغوية ورمزية منذ العصر ما قبل الأسرات.
الخلاصة: إعادة كتابة تاريخ شمال إفريقيا
الاكتشافات الأثرية والجينية تؤكد أن الأمازيغ سكان أصليون وصحراويون وحضاريون. لقد ساهموا في الحضارة المصرية، وأهل جزر الكناري، والإيبيريين، والصقليين، والسكان [10] proto-Méditerranéens.
ويظهر التاريخ المثير للدهشة أن بعض سكان اليمن والسعودية هم بدورهم من نسل هؤلاء الأجداد الصحراويين[10] .
* ملاحظة: هذا المقال قدّم في الندوة الدولية حول الأمازيغية ووحدة التراب المغربي، جامعة فاس، 15 نوفمبر 2024.
**رشيد راخا: رئيس مؤسسة دافيد مورتغومري هارت للدراسات الأمازيغية ورئيس التجمع العالمي الأمازيغي
Notes :
[1]- www.youtube.com/watch?v=yl-yo49hGqg& https://www.historia.fr/histoire-de-france/prehistoire/maroc-decouverte-de-jebel-irhoud-nous-sommes-tous-des-africains-2061995
[2]- Gabriel Camps: Les Berbères, Mémoire et identité. Errance, Paris, 1987 & Les Civilisations préhistoriques de l’Afrique du Nord et du Sahara, Editions Doin, Paris, 1974. [3]- Malika Hachid : Les Premiers Berbères, entre Méditerranée, Tassili et Nil. Edisud, Aix-En-Provence, 2000. [4]- www.researchgate.net/publication/336735201_The_Middle_Draa_Project_Morocco_results_from_the_survey_and_trial_excavations_2015-18& https://journal.equinoxpub.com/JIA/article/view/20440/24261
[5]- Dr. Antonio Arnaiz Villena et Jorge Alonso Garcia: Egipcios, Bereberes, Guanches y Vascos. Université Complutense de Madrid, 2000. [6]- www.nature.com/articles/s41586-025-09195-5ou https://acrobat.adobe.com/id/urn:aaid:sc:EU:a8bc75bf-837c-4e9b-9269-5afc05fc8c7e
[7]- www.youtube.com/watch?v=kIqH20G2k1c [8]- Helene E. Hagan: «The Shining ones; an etymological essay on the Amazigh roots of Egyptian civilization». USA 2000.& Akhu, essai étymolorique sur les racines amazighes de l’ancienne civilisation égyptienne ; Xlibris, USA 2022.
[9]- Taklit Mebarek-Slaouti : Les Amazighs en Egypte. Des temps les plus reculés aux dynasties Amazighes. Editions ANEP, Alger 2016. [10]- http://amadalpresse.com/RAHA/Origines.html [11]-http://journals.plos.org/plosone/article/file?id=10.1371/journal.pone.0192269&type=printable
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
شكرا على هذه المعلومات والمعازف الممتعة والشيقة.