خطوط التماس في المنطقة العازلة والمساحة المشتركة بين السلطة والمجتمع المدني: تجارب ميدانية بجبال سوس

رئيس جمعية تيويزي للتنمية الإجتماعية لأيت عبد الله
ما يحدث في جهة سوس وخاصة بجبال الاطلس الصغير الغربي من محاولات ميؤوسة لتعطيل عمل الجمعيات التنموية الجادة عبر عدة طرق ملتوية يستدعي القلق.
من المعلوم أن عمل الجمعيات المدنية مسؤولية ينظمها قانون المجتمع المدني أساساً بموجب ظهير الحريات العامة لسنة 1958، وتعديلاته اللاحقة، حيث يظل الإطار الأساسي والمرجع الأصلي لتأسيس الجمعيات القائم على حرية التأسيس بالإكتفاء بالتصربح دون ترخيص مسبق، اللهم إن كان هناك مانع مخالف لمقتضيات القانون المعمول به.
كما أن الدستور المغربي لسنة 2011 كرس أدوار المجتمع المدني في الديمقراطية التشاركية وصاغ ضمانات حريات الجمعيات في الفصل 12 الذي ينص على حرية تأسيس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وممارسة أنشطتها بحرية، ويحظر حلها أو توقيفها من طرف السلطات العمومية إلا بمقتضى مقرر قضائي.
وبنفس النفس تكفل قوانين البلد الحق في حرية التعبير المسؤولة في الحدود المتعارف عليها.
كما أن عاهل البلاد صاحب الجلالة محمد السادس حفظه الله، ما فتئ يؤكد ويشيد في خطبه وتوجيهاته السامية بالوظائف والخدمات الوطنية الجليلة التي تقدمها مختلف الفعاليات المدنية ممارسة فضلى في التجربة الإنسانية المغربية. وما تخصيص 13 مارس من كل سنة، كيوم وطني وجوائز تقديرية وإعتبارية تحفيزية لمنظمات المجتمع المدني الفاعلة إلا إشارة قوية لتعزيز أدوار الجمعيات في النسيج المجتمعي.
للإشارة يضم النسيج الجمعوي المغربي أزيد من 130,000 جمعية تنشط في مجالات متعددة، وتسثأثر جهة سوس ماسة لوحدها بحصة الأسد، اغلب جمعياتها جمعيات تنموية تلعب دوراً حيوياً وفعالاً وتكميلي للتخفيف من عبئ الدولة وتقريب بعض الخدمات للمواطنين من خلال المساهمة في التنمية الترابية والمجتمعية.
على سبيل المثال، إقليم تارودانت يعتبر أكبر إقليم بالمغرب من حيث عدد الجماعات الترابية، إذ يضم لوحده 89 جماعة، 81 منها قروية موزعة على جبال صعبة التضاريس وتعيش جل ساكنتها وخاصة النساء المقيمة بشكل دائم فقر مدقع وهشاشة إجتماعية وبطئ في منسوب التنمية ناتج عن تراكم سنوات التهميش والإقصاء. إذ تعتمد الساكنة اساسا، بعد توالي سنوات الجفاف وشح التساقطات المطرية وضعف غلة الاشجار المثمرة، على عائدات ابنائها العاملة بالمدن او المهاجرة خارج الوطن او إكرميات المحسنين، دون إغفال دور الدعم الإجتماعي المباشر مؤخرا وتوفير حصص من الدقيق المدعم في إنقاد الحالة الإجتماعية لبعض الأسرة المستفيدة.
رغم ان المنحة الشهرية أنتجت وطنيا سلوك التواكل والتقاعس وتردد بعض المستفيدين في ممارسة أنشطة مدرة للدخل والإمتناع عن ولوج سوق الشغل كي لا يفقد المعني الدعم المباشر، وهذا موضوع ٱخر.
تلعب الجمعيات بالاقليم دورا مهما في تجويد ظروف عيش الساكنة وتقليص الهشاشة داخل القرى النائية بواسطة مبادرات مثل دعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي ومحو الأمية، وخلق مشاريع مدرة للدخل لتمكين المرأة وبناء قدرات الإنسان المحلي. أغلب هذه المشاريع وغيرها يتم تمويلها من الخواص والفاعلين الإقتصاديين المحليين الغيورين على مناطقهم او بشراكة مع مؤسسات عمومية او الجهات المنتخبة حيث تحظى بعضها بدعم مؤسسي لتنفيذ مشاريع تتماشى مع سياسات القرب والنهوض بأوضاع الفئات الهشة.
بإختصار، الفاعل الجمعوي شريك يشكل قطبا محوريا لإنتاج فعل التنمية وتجاوز التحديات وتحقيق عدالة وإنصاف إجتماعي خاصة بالمغرب العميق.
إلا أن ما تشهده الساحة الجمعوية في المنطقة لا يبشر بالخير، وخاصة ما تتعرض له بعض الجمعيات المحلية المشهود لها بالجدية وغزارة الإنتاج كما وكيفا من مضايقات ومناوشات غير مفهومة.
تبدأ المضايقات بممارسات بيروقراطية تقليدية وسلوكيات الفهلوة والدوغمائية خارج القانون. بدا بضعف التواصل، وبالإمتناع عن تسليم الوصل المؤقت عند تجديد إنتخاب المكتب المسير والإدلاء بالوثائق اللازمة. ويستمر التهرب من المسؤولية الإدارية بإزدواحية الخطاب والتماطل في تسليم الوصل النهائي، تماطل قد يدوم سنة كاملة مما يشل عمل الجمعيات خاصة جانب التسيير المالي منها لضرورة الإدلاء بالوصل النهائي للمؤسسة البكية للإستمرار في تداول المعاملات المالية. التماطل يساهم في هدر الزمن التنموي وتقصير مدة عمل وعمر ولاية مكتب الجمعية المحدد في غالبية الحالات في ثلاث سنوات مما يدفع بعض الفاعلين الجمعويين بالشعور بالملل والإضطرار للإنسحاب.
وتستمر المناوشات عن بعد وبدون إعتماد مراسلات رسمية بالتدخل لتغيير اشخاص غير مرغوب فيهم داخل المكتب، او محاولات التأثير وكسب تعاطف اعضاء حاملي اطماع إنتخابية بواسطة قضاء حوائج وتسهيل منافع او الإستفادة من مصالح ريعية اوالضغط على جهات ضعاف العزيمة لمغادرة سفينة الجمعية في محاولة لتحويل إتجاهها قبل الإبحار.
إضافة إلى أساليب اخرى ملتوية مثل عدم الوفاء بالوعود، وقلة إبداء الإهتمام بأنشطة الجمعية، إلا ما فرض، وعدم الإخبار والدعوة لحضور أنشطة إقليمية اوالمساعدة في الحصول على التمويلات المتوفرة، وعرقلة أنشطة ميدانية ذات طابع إجتماعي وتعطيل مبادرات ذات النفع العام والتمييز في العناية بالجمعيات وطرق أخرى متعددة الغرض منها لي دراع الجمعية في محاولات لقص جناحها وتقليص ادوارها داخل النسيج المجتمعي.
الجمعيات الغير مرغوب فيها هي الجمعيات التي تحمل تصور مجتمعي ورؤية شاملة وإستراتيجية عمل ومقاربة تشاركية وشفافية في التسيير وتقودها اطر بتجارب غنية ونية صادقة وحس وطني وروح تضامني تطوعي وعزيمة قوية للتغيير نحو الأفضل.
بعبارة أخرى الجمعيات العصية عن التدجين الخارجة عن سلطان السلطة، والتي لا تؤتمر عن بعد ، وتحمل إستقلالية القرار وتنتج افكار ومبادرات خارجة عن الصندوق وتنظم أنشطة بعيدة عن المألوف ولا تعيد إنتاج التكرار وروتين جمعوي متجاوز. وتزعج خاصة عند خلق جسور التواصل مع الساكنة وتعمل على بناء الثقة والاستثمار في العنصر البشري وخاصة الجانب التوعوي والتربوي و الإستقلال المادي.
توجسات وتخوفات الجهات المعنية من الجمعيات التي تحمل إستقلالية القرار ان تحل محل الجهات الرسمية في الميدان وتخلق جسور الثقة بين الساكنة والإطار الجمعوي وتنتج منظومة مخالفة للطابع التقليدي وولاء خارج عن إطار أهل النعمة وتساهم في التغيير بأسالب حديثة والمناهض للوضع القائم وفي بناء عقلية منفتحة وبنية ذهنية مستقلة تساهم في التفكير السليم وإذكاء الوعي الجمعي والحقوقي.
لكن لربما، أحيانا لا ينفع ان تشرح عمق البحر لسمكة تعيش في حوض، فالعقول محدودة بحدود تجربتها وبيئتها.
هناك من يتنكر لمحهودات هاته الجمعيات ويتأبط شرا منها بوعي او جهل او سداجة، ولا ينظر إليها بعين الرضى لانه يعتبرها منافسا في الميدان وتعلب داخل رقعة حدود مجال نفوده الذي يعتبره حكرا على جهات بعينها دون الأخرى.
بتعبير مجازي، تعتبر كل جمعية سليمة ومنتجة عضوا مزعجا داخل الجسم المحلي كأنه طرف مصاب بمرض معدي ويشكل خطرا على العادات المألوفة ويجب إستئصاله، بدون تشخيص طبي او إستشارة اهل الإختصاص، وبواسطة إجراء عملية جراحية قيصرية غير مرخص لها في جنح الظلام وتحت إشراف اطباء عديمي الضمير وممرضين مساعدين ضعاف التجربة واحيانا بجرعة تخذير مبالغ فيها في عملية إجرامية قد تؤدي بحياة المجني عليه. ويفقد الجسم المدني عضوا حيويا يصعب تعويضه.
بعض الجهات الوصية تلعب على عدة أحبال، فلا هي تترك الحبل على الغارب، ولا تقطع الخيط بين الخمر والعنب. وبذلك ترسل رسالة مشفرة للجميع بالخضوع والريع مقابل الولاء. “إذا عطست السلطة، أصيبت المنطقة بالبنومونيا”.
وتبدأ عندئذ أوراق خريف المجتمع المدني الجاد تتساقط تباعا وتصدق مقولة: ” أكلت يوم اكل الثور الأبيض”.
الحياة في المغرب العميق مثل التراجيديا الإغريقية، الفرح فيها شيئ مؤقت والحزن والألم هو الأساس، فيصبح الفرح المؤقت بدره حزن والألم حقيقة. والإنسان هناك حين يضحك لحظة يخشى أن يبكي بعدها الف دمعة مقابل لحظة الفرح العابرة. بعض جهات العالم فيهم أناس، لكن للأسف فارغين من حس الإنسانية.
هناك جهات ترتاح اكثر لجمعيات تحت الطلب اسقطت بالمظلات على المجتمع المحلي وتدور في فلك أصحاب النعمة وتخدم مصالح فئة معينة وتعمل بالوصاية وبٱلة التحكم عن بعد, وأحيانا تضم فرق بلطجية اكثر منهم فاعلين مدنيين. تساهم هاته الجمعيات في إبقاء الوضع على ما هو عليه أو تزيده تأزما. جمعيات على الورق وغائبة ميدانيا طوال السنة ولا تضيف اي قيمة مضافة للتنمية المستدامة المحلية. وتنحصر اعمالها في أنشطة اللهو والإلهاء الموسمية خاصة المهرجانات الصيفية والتنشيط الرياضي والفلكلوري وتتدفق عليها التمويلات بسخاء من كل صوب وجذب.
وبذلك نكون قد أخرجنا الحصان للحرث، والحمار للسباق، فيضعف الحرث ويضيع المحصول ونخسر كذلك الرهان في السباق.
العمل الجمعوي بسوس كما يقول المثل العربي: كالمستجير من الرمضاء بالنار. لا يكاد يخرج من ضغط التهميش والعمل على الهامش وقلة التمويلات حتى يصطدم بتعقيدات إدارية هو في غنى عنها ومن المفروض ان تشكل عامل مساعد عوض حاجز معرقل للسير العادي.
للأسف هناك من لم يستصغ بعد كيف لأناس ان يحملوا هم التنمية المحلية بهذا المستوى بدون مقابل وبشكل تطوعي، لأن اصحاب القلوب الضعيفة والنيات المبينة محدودي الرؤية.
العمل الجمعوي عطاء جبر الخواطر وسخاء الروح وتضحية وايمان بمبادئ. وكل إنسان سوي، إن قدر في عمره زيادة قد يمر من ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى يتعلم، والثانية يربح او يكسب والثالثة يرد الدين أو الجميل. ربما العديد منا توقف عند المرحلة الثانية لأن الأولى لم تنفعه في شئ.
من خبر شؤون اهل سوس وتاريخهم، يعلم تشبتهم بالارض والهوية والجدور. لان غالبتهم عصاميو التكوين، قليلو الشكوى وكثيرو الصبر ويحملون جينات عصية عن التدجين.
دمتم في سلام ومأمن من المناوشات.




