أخبار العالم الأمازيغيكتاب وآراء

رسالة مفتوحة الى حميد المهداوي. انتبه الى ما تقول. “هان أركا سول تسروات”

بقلم: الحسين بوالزيت - صحفي وباحث في التاريخ
بقلم: الحسين بوالزيت – صحفي وباحث في التاريخ

ومنطلق خطابنا هذا للرد عليك سيكون من داخل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، لا من منطق السخرية لمواجهة سخريتك من الثقافة الامازيغية “والعروبية”. الملاحظة الاولى حول منشورك يقوم، من حيث لا تنتبه، على ثنائية تبسيطية: القرية = الماضي، والمدينة = الحداثة

. وهذه الثنائية نفسها تجاوزتها السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا منذ زمن.

والمشكل في هذا المنشور كذلك ليس في الأرقام ولا في النكتة، وإنما في التصور الاجتماعي الذي يقف خلفها. حين تقول إن «الحداثة» هاجرت من القرى إلى المدن، وإن القرية تمثل شيئاً مقابلاً للمدينة، فأنت لا تصف فقط نتيجة انتخابية؛ أنت تستعمل، ربما من غير قصد، تصوراً سوسيولوجياً قديماً يجعل المدينة فضاءً للحداثة والثقافة العالمة، والقرية فضاءً للتقليد والثقافة غير العالمة. وهذا التصور لا يصمد أمام أبسط دروس السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا المغربية. بول باسكون تحديداً كان سيطلب منا أن نتوقف عند هذه الثنائية قبل أن نطلق الأحكام. فقد تعامل مع المجتمع المغربي باعتباره مجتمعاً مركباً، تتداخل فيه البنيات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والرمزية، ولا يمكن اختزاله في خط مستقيم يبدأ من القرية وينتهي في المدينة. وكان يؤكد ضرورة فهم التنوع المحلي والجهوي للمغرب، لأن اختزال المغرب في نموذج واحد يحجب اختلاف أوضاعه الاجتماعية والتاريخية. والأكثر دلالة أن باسكون نفسه، عندما تناول الثقافة القروية، لم يتعامل معها باعتبارها «غياباً للثقافة». صحيح أنه تحدث في أحد نصوصه عن صعوبة تعميم وصف واحد على الثقافة في البادية، وانتقد ضعف انتشار بعض أدوات الثقافة المكتوبة، لكنه شدد في المقابل على أن الثقافة القروية تقوم بدرجة كبيرة على التناقل الشفهي والممارسات والذاكرة المحلية، وأنها ثقافة تتحرك وتتغير، وليست كتلة جامدة خارج التاريخ. بل ذهب أبعد من ذلك حين دعا إلى دراسة التنوع الثقافي المغربي والدفاع عن خصوصيته، وإلى الانتقال من مجرد المحافظة على التقليد إلى إنتاج حداثات مغربية مخصوصة هنا تحديداً يقع الخلط في منشورك: الثقافة العالمة ليست مرادفاً للمدينة، والثقافة الشعبية ليست مرادفاً للقرية. وهذا درس أساسي عند بيير بورديو أيضاً: قيمة الثقافة لا تُقاس بمكان إقامة حاملها، وإنما بأنماط اكتسابها، وبالرأسمال الثقافي الذي تمنحه المؤسسات التعليمية والاجتماعية شرعيةً معينة. فالمدرسة والجامعة واللغة والمؤسسات تمنح بعض أشكال المعرفة شرعية أكبر من غيرها؛ وهذا لا يعني أن ما يقع خارج هذه المؤسسات هو «جهل» أو أنه بلا قيمة معرفية. بل إن الدراسات المغربية نفسها تنبه إلى خطورة استعمال مفهوم «الثقافة الشعبية» باعتباره ثقافة الفئات الفقيرة أو «الثقافة الدنيا» في مقابل ثقافة النخب واللغات ذات المكانة الرمزية. وفي السياق المغربي، يمكن أن تتحول هذه الثنائية إلى شكل من أشكال الهيمنة الرمزية إذا اعتُبرت ثقافة المدينة هي الثقافة «العالمة» تلقائياً، وما عداها مجرد فولكلور، ثم إن الحداثة ليست عنواناً جغرافياً. ليست هناك بطاقة إقامة تقول: «هنا تبدأ الحداثة لأننا دخلنا المدينة»، ولا تنتهي الحداثة عند آخر منزل في الدوار. الحداثة عملية اجتماعية، تدخل القرية كما تدخل المدينة، وتعيد تشكيل الأسرة والعمل والهجرة والتعليم والاستهلاك والعلاقات بين الأجيال، كما أن القرية نفسها تؤثر في المدينة. وهذا ما أدركه جاك بيرك في دراساته للمجتمع المغربي؛ فقد لاحظ أن حركة الناس بين المجال القروي والضواحي والمدن كانت تحمل معها صوراً وأنماط حياة متباينة، وأن ما يبدو «حداثة» في المدينة قد يكون في الواقع مركباً من عناصر حديثة وأخرى موروثة. بل إن باسكون كان أكثر وضوحاً عندما رفض النظر إلى المغرب باعتباره وحدة اجتماعية بسيطة، وشدد على ضرورة مراعاة التنوع الجهوي والمحلي. وفي دراسته للسكن والتحضر، لم يتعامل مع المسألة باعتبارها مجرد انتقال من «القرية المتخلفة» إلى «المدينة الحديثة»، وإنما ربط أشكال السكن بالعلاقات والبنيات الاجتماعية، ودعا إلى فهم تحضر العالم القروي نفسه. لذلك فإن وصول 63 مقعداً من أصل 97 إلى حزب معين من المجال القروي لا يعني، سوسيولوجياً، أن «الحداثة هاجرت من القرى إلى المدن»، كما أن فوز حزب في المدن لا يعني أن المدينة احتكرت الحداثة. الصندوق الانتخابي يقيس سلوكاً انتخابياً في لحظة سياسية محددة؛ ولا يقيس مستوى الحداثة الثقافية للمجال الذي صوت فيه الناس. والأخطر من ذلك هو إسقاط نموذج التطور الأوروبي على المجتمع المغربي. المغرب لم يمر، ولن يمر بالضرورة، بنفس المراحل التاريخية التي مرت بها أوروبا: إقطاع ، تصنيع ، تمدين واسع، علمنة،حداثة سياسية، بالترتيب نفسه وبالمعاني نفسها. التاريخ المغربي له مساراته الخاصة، وتداخل فيه القبلي والديني والدولتي والقروي والحضري والتجاري والهجروي، كما تداخلت فيه الحداثة الوافدة مع البنيات المحلية. لذلك لا يصح أن نضع المغرب على خط زمني أوروبي جاهز ثم نقيس المسافة التي قطعها كل مجال عن «الحداثة». السوسيولوجيا الجادة لا تسأل: لماذا لم تصبح القرية مدينة؟ بل تسأل: كيف تنتج القرية والمدينة، معاً، أشكالاً مختلفة من التغير الاجتماعي؟وربما المفارقة أن الرجل الذي جعل من القرية موضوعاً للسخرية الانتخابية يحتاج، قبل أن يفسر تصويتها، إلى أن يقرأ شيئاً من الذين جعلوا فهم القرية المغربية علماً قائماً بذاته: بول باسكون، جاك بيرك، عبد الكبير الخطيبي، ثم بورديو في مسألة الرأسمال الثقافي والهيمنة الرمزية. فالحداثة ليست مكاناً، والثقافة ليست عنواناً عقارياً، والقرية ليست نقيض المدينة. والمغرب، لمن يريد أن يفهمه فعلاً، ليس نسخة مغربية من المسار الأوروبي. إنه مجتمع له بنياته التاريخية الخاصة، وله حداثاته المتعددة، ومنها ما خرج من القرية قبل أن يصل إلى المدينة. أما السخرية من القرية لأن جزءاً كبيراً من التصويت جاء منها، فهذه تصلح لمنشور فيسبوكي طريف؛ لكنها لا تصلح تفسيراً سوسيولوجياً للمغرب.

والنقطة الأقوى في هذا الرد، في رأيي، هي أن باسكون نفسه يصبح حجة ضد الاختزال:فهو لم يدعُ إلى اعتبار الثقافة القروية «دون الثقافة الحضرية»، بل انتقد تحديداً الطريقة التي يمكن أن تتحول بها السوسيولوجيا الريفية إلى أداة لفرض الثقافة الحضرية والصناعية والغربية على المجتمع القروي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى