أخبار عاجلة

زاوية أحنصال.. حيث تلتقي الجغرافيا بالروح وتنسج القبائل ذاكرتها الجماعية

بقلم الأستاذ الباحث سعيد مطيع

في قلب الأطلس الكبير الأوسط، حيث تنحت الجبال صمتها في الذاكرة، وتهمس الوديان بصلوات الأجداد، تقف زاوية أحنصال شامخة، لا كمجرد بناء طيني أو معمار تقليدي، بل كـ كائن روحي حي، تختزن فيه الجغرافيا أسرار التاريخ، وتتنفس عبره القبائل روح الانتماء والبركة والكرامة.
ليست زاوية أحنصال مجرد مزار ديني أو خلوة صوفية كما قد يوحي ظاهرها، بل هي فضاء مركب، تتقاطع فيه الطرق الصوفية، والتحالفات القبلية، والممارسات الرمزية، لتشكل ما يشبه شبكة ذاكرة حية تحتفظ بأصوات المريدين، وخطى الزوار، وهمسات الحكمة القديمة.

من “الزاوية” إلى “المجال المعيش”: حين يتكلم المكان

لفهم زاوية أحنصال، لا بد من التخلي عن النظرة التبسيطية للمكان بوصفه موقعا جغرافيا، والانفتاح على مقاربات جديدة تعتبره فضاء إدراكيا ورمزيا. هذا ما تقترحه الجغرافيا السلوكية والأنثروبولوجيا المجالية، حيث يصبح المكان “معاشا”لا مرسوما، مشبعا بالحنين والانفعال، كما يقول الجغرافي Yi-Fu Tuan في حديثه عن الطوبوفيليا.

هنا، يتحول المكان إلى حاضن للذاكرة، حيث تستعاد الحكايات عبر الطقوس والرموز، وتستبطن المعاني في عيون الشيوخ وهم يستقبلون زوار الزاوية تربطهم “تفركانت” و”تاضا”، أسماء أمازيغية ليست جغرافية فقط، بل شفرات حميمة لفهم تاريخ التآلف القبلي والروح الجماعية.

الزاوية كشبكة روحية فوق-قبلية: بين الزهد والسياسة

منذ نشأتها، لعبت زاوية أحنصال دورا يتجاوز التعليم الديني وتلقين الأوراد. فقد كانت، ولا تزال، شبكة توازن قبلي، ومؤسسة لحل النزاعات، ومركزا للتأطير الرمزي، خصوصا في فضاء جبلي صعب، لا يخضع بسهولة لسلطة مركزية.

وفي لحظة فارقة من القرن التاسع عشر، شهدت الزاوية انقساما رمزيا إلى فرعين: أحدهما في “أگديم” بقيادة سيدي مح بوحمالة، والثاني في “تامگا واسكار” تحت إشراف سيدي حساين. هذا الانقسام، الذي قد يفهم ظاهريا كصراع، لم يكن إلا آلية داخلية لتنظيم التعدد وضبط شبكات الولاء، بما يتماشى مع دينامية مجتمع قبلي متشعب، لا تحكمه القطبية الأحادية بل اللامركزية الروحية.

الزاوية والاستعمار: دهاء التفاوض وصمود الرموز

مع مطلع القرن العشرين، وتحديدا بعد 1918، بدأت القوات الاستعمارية الفرنسية تزحف نحو جبال الأطلس. غير أن الزاوية الحنصالية، ممثلة في شخص سيدي مح، لم تستسلم بسهولة حيث زاوجت بين المواجهة المفتوحة، والمفاوضات ، دون أن تذعن أيضا، بل مارست ما يمكن تسميته بـ”البراغماتية “: رفض مباشر للخضوع الكامل، ومناورة ذكية للحفاظ على قدر من الاستقلال الرمزي وسط واقع سياسي يتغير.

في هذا السياق، عمل سيدي مح على تفكيك تبعية القبائل التي أُخضعت بالقوة، وأعاد إدماجها تدريجيا في مجال الزاوية، دون استفزاز صريح للفرنسيين. لكنه حين أدرك استحالة الصمود العسكري سنة 1922، غير استراتيجيته: فتح باب التفاوض، ووقع اتفاق خضوع مشروط، سرعان ما ترجم في زيارة رسمية لمراكش سنة 1923 لتقديم “الهدية” للسلطان مولاي يوسف.

لكن “الخضوع” هنا لم يكن اعترافا منهزما، بل إعادة تموقع داخل شبكة السلطة الجديدة، بما يضمن للزاوية استمرار نفوذها الروحي والاجتماعي.
قصبة برنات: معمار للسلطة وصورة لذاكرة المقاومة بعيدا عن الرمزية الصوفية، تظهر قصبة سيدي مح بوحمالة في “برنات” كواحدة من أقوى الشواهد المادية على التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة. شيدت على أهم منابع المياه، واستغرق بناؤها نحو عقد، لتتحول إلى مركز إداري ومعماري لنفوذ الزاوية.

لم تكن القصبة بيتا للقائد فقط، بل مقرا للقرارات القبلية، ومحجا للزوار والساعين إلى التوسط أو الحماية. في نظر القبائل، كانت القصبة مثل الزاوية: رمزا للكرامة والتوازن، وخزانا لذاكرة النضال السلمي والممانعة الصامتة.

اغتيال في زمن الغفلة: نهاية رجل التوازنات

لكن نهايات الرجال الكبار نادرا ما تكون هادئة. في سنة 1942، وفي عز أجواء الحرب العالمية الثانية والمجاعة التي أنهكت المغاربة، تم اغتيال سيدي مح بوحمالة في الرباط، في ظروف غامضة تشير الروايات إلى أنها كانت عملية تسميم مدبرة من طرف سلطات الحماية.

الصمت المريب الذي أحاط بالحادث، وتجاهله من طرف الوثائق الفرنسية، يعزز فرضية التصفية السياسية. لقد كان سيدي مح رجل توازنات دقيقة، لم يرضخ للاستعمار، ولم ينخرط في شبكاته. وحين اشتدت الشكوك حوله، كان القرار جاهزا.

لكن الرجل رحل جسدا فقط، فاسمه لا يزال يتردد في أشعار النساء، وفي عبارات الشيوخ، وفي صمت الزوايا التي بقيت شامخة، تحفظ الذاكرة وتقاوم النسيان.

زاوية أحنصال اليوم: ذاكرة مستمرة وهوية تتجدد

قد تتغير وجوه الزعماء، وتتبدل موازين القوى، لكن زاوية أحنصال ما زالت تقف، لا كأثر من الماضي، بل كمجال حي يستعاد في المخيال الجماعي، وكجغرافيا مشحونة بالرموز والمعاني. إنها فسيفساء من الدين والتاريخ والقبيلة، ومرآة تعكس خصوصية المغرب الجبلي العميق، حيث لا يفهم المكان إلا إذا أصغي إلى نبضه، وتليت أوراده، واستعيدت تفاصيله في القلب قبل الخريطة.

زاوية أحنصال ليست فحسب مكان الأسرار بل سر الأمكنة.

اقرأ أيضا

معجم “أنامك”.. رهان الرقمية لإنقاذ اللغة الأم

في خضم كثرة المعاجم الأمازيغية، سواء الرسمية منها أو. تلك المقامة بمجهودات فردية التي تستحق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *