أخبار عاجلة

صرخة العدد 294-295 يوليوز-غشت 2025/2975

في مشهد لا يخلو من العبث والقلق، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا مقطع فيديو لعدد من النساء المغربيات العائدات من المهجر، أطلقن من خلاله حملة تحمل عنوانًا غريبًا ومستفزًا وهي “العودة من ديار الكفر”. بدعوى حماية الأسر من الانحراف، وصون الأطفال مما يعتبرنه خطرًا أخلاقيًا ومؤامرة غربية لتغيير العادات والقيم. هذه الدعوة، التي رُوّج لها باسم الدين، صدرت عن نساء يرتدين لباسًا أقرب إلى الزي الأفغاني، ويتحدثن بفرنسية مهاجرين تقطعها كلمات محشوة بالفكر المتشدد والخوف من الآخر.

لكن ما يثير القلق الحقيقي، هو أن هذه الحملة ليست حدثًا معزولًا أو مجرد خروج عابر عن السياق. بل هي جزء من ظاهرة متنامية، نشهد آثارها يوميًا في الفضاءات العامة، أمام المدارس، وفي بعض الأحياء المغربية. نساء وأسر عادت من المهجر وراكمت تجربة مشوهة، لم تجد في الإسلام المغربي المتنور مرجعًا لها، فتبنّت خطابًا ولباسًا وسلوكًا دخيلًا، تسعى الآن لفرضه على مجتمع لم يكن يومًا منغلقًا ولا رافضًا للتعدد والاختلاف.

الأخطر من ذلك، أن بعض هؤلاء النسوة لا يكتفين بتربية أبنائهن على هذه الأفكار المتشددة، بل يتجاوزن إلى التدخل السافر في المؤسسات التعليمية الأجنبية العاملة بالمغرب، بالمطالبة بتغيير المناهج، وفرض ما يسمينه “اللباس الشرعي”، وبحكم أن المغرب بلد إسلامي يجب أن تلتزم فيه هذه المؤسسات بقيمهن الخاصة. وكأنهن أوصياء على الدين، أو ممثلات لما يجب أن يكون عليه المجتمع المغربي.

هذا النوع من الخطاب والسلوك يعيدنا إلى تسعينيات القرن الماضي، حين بدأ الفكر الوهابي يتسرب إلى المغرب عبر بوابة الهجرة، مستغلًا هشاشة بعض الفئات، وضعف التأطير الديني والثقافي لمغاربة العالم. واليوم، تتكرر القصة بأشكال أكثر علانية، وفي سياقات أكثر حساسية، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول مسؤولية الدولة ومؤسساتها في حماية النموذج المغربي المتنور من هذه الاختراقات الفكرية الخطيرة.

فأين هو دور الأئمة الذين تُرسلهم الدولة لتأطير مغاربة المهجر على أساس المذهب المالكي، المعتدل والمتجذر في الثقافة المغربية؟ وأين هو دور المجتمع المدني، والجمعيات الثقافية، والأساتذة الذين يُوفَدون لتعليم أبناء الجالية؟ بل أين هي السياسة الثقافية الشاملة التي تجعل من الهوية المغربية، بكل مكوناتها، رافعة حقيقية لتحصين المواطن المغربي داخل الوطن وخارجه؟

لا يمكن الحديث عن بناء شخصية مغربية قوية ومعتزة بذاتها دون استحضار اللغة الأمازيغية والثقافة الأمازيغية، باعتبارهما من بين المفاتيح الأساسية في هذا البناء. إن إغفال توظيف الأمازيغية في التأطير الديني والتربوي لمغاربة العالم، يُعد ثغرة كبيرة تفتح المجال أمام البدائل المتشددة والدخيلة، التي تفصل الأجيال الجديدة عن جذورها الحقيقية.

فاللغة الأمازيغية، بثقافتها العريقة، وقيمها المبنية على الحرية والتسامح والمساواة، قادرة على أن تكون الحصن الثقافي والتربوي الذي يزرع الثقة في نفوس الأطفال، ويمنحهم الاعتزاز بهويتهم. كيف لا، ونحن نعلم أن المغرب، بحسب أحدث الاكتشافات الأركيولوجية، ليس فقط بلدًا شمال إفريقيًا، بل هو مهد للبشرية، ومركز حضاري عريق تعاقبت عليه الثقافات، وتعايشت فيه الديانات، وتعددت فيه التعبيرات، دون أن يفقد جوهره الأصيل.

إن ما تزخر به الأبحاث الأركيولوجية اليوم من معطيات مذهلة حول التاريخ العميق للمغرب، يفترض أن يكون في صلب البرامج التعليمية والدينية والتربوية لمغاربة الداخل والخارج. لأن المواطن المغربي حين يعرف أن أرضه هي أرض الحضارة، وأصله هو أصل الإنسان الأول، لا يمكنه إلا أن يفتخر، ويشمخ، ويحصّن ذاته ضد كل فكرٍ دخيل يزرع فيه الخوف، ويُفرغه من الاعتزاز بجذوره.

الخطر إذًا لا يأتي من الغرب كما تدّعي هذه الحملات، بل من العقول التي اختزلت الدين في لباس دخيل، واختزلت الوطن في قوالب جاهزة لا تشبهه. إننا نعيش زمنًا يتطلب منا التسلح بالفكر، لا بالخوف، وبالهوية العميقة، لا بالشكل الخارجي، وبثقافة الحياة، لا بخطابات النجاة الزائفة.

إن النجاة الحقيقية ليست في الهروب من الغرب، بل في العودة إلى الذات المغربية، وإلى هويتها المتعددة، وإلى تاريخها الأمازيغي العريق الذي يحمل في طياته من الحكمة والجمال والإنسانية، ما يكفي لصناعة مواطن حر، ومجتمع مزدهر، ووطن آمن في وجه كل فكر متطرف دخيل.

وقديما قال الحكيم الامازيغي:

ⵓⵔ ⵉⵔⵉ ⵓⵚⴽⴰⵢ ⴰⴷ ⵉⵎⵎⴰⵙ ⴰⵢⵍⵍⵉⵖ ⵉⵥⵕⴰ ⵓⵛⵛⵏ
Ur iri uSkay ad immas aylligh iZRa uccn

معناه: ما هم السلوقي بالحركة حتى رأى الذئب

صرخة العدد 294-295 يوليوز-غشت 2025/2975– جريدة العالم الأمازيغي

اقرأ أيضا

أمينة ابن الشيخ

صرخة العدد 298 نونبر 2025/2975

كان الزمن صباح أحد أيام شهر ماي من سنة 2002، وكان المكان مدينة تينيريفي بجزر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *