أخبار عاجلة

ما معنى أن تكون مناضلا في الحركة الأمازيغية؟

أمينة ابن الشيخ أوكدورت 

أكتب هذا الكلام لا من موقع المراقب البعيد، ولا من موقع من يوزّع الدروس، بل من داخل تجربة عشت تفاصيلها، ولامست تحوّلاتها، وما زلت، رغم كل شيء، مؤمنة بها كخيار فكري ونضالي. أكتبه لأنني أشعر، كما يشعر كثيرون، بأن شيئًا ما داخل الحركة الأمازيغية لم يعد في مكانه الطبيعي، وبأننا في حاجة إلى قول ما يجب أن يُقال، دون مجاملة ودون تردّد.

منذ محطة بوزنيقة 1 وبوزنيقة 2 سنة 2000، ونحن نعيد طرح نفس السؤال بإلحاح يكاد يكون لافتا، سؤال: “ما العمل؟” وقد يبدو هذا السؤال في ظاهره مشروعًا، بل ضروريًا، لكنه في العمق يكشف عن خلل منهجي استمر معنا لسنوات طويلة. لأننا، ببساطة، انشغلنا بالبحث عن الوسائل قبل أن نحسم في الغايات، وركّزنا على كيف نعمل دون أن نحدد بدقة ماذا نريد.

ولهذا قلت دائمًا، وأعيد التأكيد اليوم، أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يؤطر تفكيرنا ليس هو “ما العمل؟”، بل “ماذا نريد؟” لأن وضوح الهدف ليس مجرد مرحلة من مراحل التفكير، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه كل المراحل الأخرى. حين نعرف ماذا نريد، تصبح الوسائل واضحة، وتُختصر المسافات، ويتحول النضال إلى مسار له اتجاه ومعنى. أما حين نغيب هذا السؤال، فإننا نُنتج افعال وردود افعال كثيرة، لكنها بلا أثر حقيقي، ونُعيد نفس النقاشات دون أن نتقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام.

وفي خضم هذا الارتباك، بدأنا نعيش ظاهرة أخرى أكثر خطورة، وهي تقزيم معنى المناضل الأمازيغي واختزاله في صور ورموز سطحية. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالتعبير الرمزي المشروع، بل بتحويل هذا التعبير إلى معيار وحيد للنضال، وكأن رفع الأصابع الثلاثة في الصور، أو لفّ العلم الأمازيغي في التظاهرات، أصبح كافيًا لمنح صفة “المناضل”.

أنا لا أقلل من قيمة هذه الرموز، فهي جزء من التعبير الهوياتي والنضالي، لكن حين تتحول إلى اختزال للنضال، فإنها تفقد معناها. لأن النضال، في جوهره، ليس ما يظهر في الصورة، بل ما يبقى بعدها، وليس لحظة حضور عابرة، بل تراكم طويل من العمل، والصبر، والالتزام. وحين نقبل بهذا الاختزال، فإننا لا نبسط النضال فقط، بل نُقزّم المناضل نفسه، ونُفرغ تجربته من عمقها التاريخي والإنساني.

لقد تأسست الحركة الأمازيغية، منذ بداياتها، على ما هو أعمق من الأشخاص والرموز، على منظومة من المبادئ التي كانت، ولا تزال، هي الرابط الحقيقي بين مناضليها. هذه المبادئ ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي اختيارات فكرية وأخلاقية واضحة وهي الديمقراطية في تدبير الاختلاف، النسبية في النظر إلى الحقيقة، الحداثة في الرؤية، المساواة في القيمة الإنسانية، والحرية كقاعدة لا يمكن التنازل عنها.

هذه هي ولاءات الحركة الأمازيغية، فإن كان لا بد من الحديث عن الولاء، فلا ولاء فيها لأشخاص، ولا لتنظيمات، ولا لمواقع ظرفية، بل فقط لهذه المبادئ التي تعطي للنضال معناه ومشروعيته. وكل انزلاق نحو تقديس الأشخاص أو احتكار التمثيل أو توظيف القضية في حسابات ضيقة، هو في جوهره ابتعاد عن هذا الأصل.

وفي هذا الإطار، يبرز سؤال علاقة الحركة الأمازيغية بالسياسة الحزبية كواحد من أكثر الأسئلة التي تحتاج إلى وضوح. فالحركة الأمازيغية، انسجامًا مع إيمانها بالديمقراطية، لا يمكنها إلا أن تحترم حرية المناضلين في اختياراتهم السياسية، بما في ذلك انخراطهم في الأحزاب التي تتوافق مع قناعاتهم وتوجهاتهم. هذا حق فردي مشروع، ولا يمكن لأي جهة أن تمارس وصاية عليه أو تحدّ منه.

لكن في المقابل، فإن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى مدخل للزج بالحركة الأمازيغية في الصراعات الحزبية أو المعارك الانتخابية. لأن هناك فرقًا أساسيًا يجب أن يظل واضحًا بين حرية المناضل كفرد واستقلال الحركة كإطار جماعي، فالحركة الأمازيغية لم تكن يومًا امتدادًا لأي حزب، ولم تُبنَ لتكون أداة في صراع سياسي، بل لتكون فضاءً مجتمعيًا مستقلاً، يشتغل بمنطق القضايا لا بمنطق المواقع.

إن الحفاظ على هذا التوازن ليس تفصيلاً تنظيميًا، بل هو شرط أساسي لاستمرار الحركة كمشروع جامع، وكقوة اقتراحية تتوجه إلى المجتمع ككل، دون ارتهان أو اصطفاف.

غير أن ما يثير القلق اليوم، إلى جانب كل ما سبق، هو الانزلاق الذي بدأ يطبع طريقة تدبير الاختلاف داخل الحركة نفسها. فبدل أن يكون الاختلاف حول الأفكار والمواقف، أصبح، وللأسف، في كثير من الأحيان صراعًا بين الأشخاص، يتخذ أشكالًا من التجريح، وتلفيق التهم، والتخوين والضرب في الأعراض.

وهنا نكون قد تجاوزنا حدود الاختلاف المشروع، ودخلنا منطقة تُهدد أخلاقيات النضال نفسها. لأن النضال الذي يفقد أخلاقه، يفقد جزءًا كبيرًا من مشروعيته.

وإلى جانب ذلك، بدأ يتسلل إلى الخطاب داخل الحركة هاجس “الوحدة” بمعناه المغلق، وكأنه الهدف في حد ذاته، وكأن الاختلاف خطر يجب التخلص منه. فهذا التصورالذي يدعو في كل مرة وحين إلى الوحدة، هو تصور مستورد من منطق الفكر الواحد، والدين الواحد، واللغة الواحدة، الذي يقوم على إلغاء التعدد والتنوع باسم الانسجام.

بينما الحقيقة التي لا يجب أن ننساها، هي أن الحركة الأمازيغية، التي اعرفها، بُنيت على التعدد، وعلى التنوع، وعلى الاختلاف باعتباره قيمة، لا تهديدًا. فهي لم تكن يومًا حركة تبحث عن التطابق، بل عن التكامل، ولم تكن تخشى الاختلاف، بل كانت تخشى تحوله إلى خلاف يُفسد العلاقات ويُضعف التراكم.

إن الفرق كبير بين الاختلاف والخلاف، فالاختلاف يُغني، أما الخلاف فيُفكك، والحركة ان جرت إلى خلاف ذلك فأكيد ستفقد أحد أهم أسسها.
إن ما نحتاجه اليوم، ببساطة، هو العودة إلى الأصل: أن نختلف حول الأفكار لا حول الأشخاص، أن نواجه المواقف بالحجة لا بالتشكيك، وأن نحافظ على الاحترام المتبادل مهما كانت حدة الخلاف. كما نحتاج إلى قدر من التواضع يسمح لنا بالاعتراف بأن كل من يشتغل، من موقعه، هو جزء من هذا التراكم، حتى وإن اختلفنا معه.

نحن في نهاية المطاف، أمام لحظة دقيقة، ليس أخطر ما فيها هو الاختلاف، بل فقدان البوصلة. أن نستمر في الاعتقاد بأننا نسير في الاتجاه الصحيح، بينما نحن، في الواقع، نبتعد عن جوهر القضية.

ولهذا أعود إلى السؤال الذي أعتبره مفتاح كل شيء، إلا وهو ماذا نريد؟
لأن هذا السؤال إذا طُرح بصدق وبموضوعية، فهو كفيل بأن يعيد ترتيب أولوياتنا، ويمنح لنضالنا وضوحه، ويُخرجنا من حالة التيهان الذي طال أمده.

أما الاستمرار في اجترار سؤال ما العمل؟ دون حسم في الغايات، فلن يؤدي بنا إلا إلى مزيد من التشتت، ومزيد من استهلاك الوقت والجهد دون أثر يُذكر.

في الأخير، لا أكتب هذا النص ضد أحد، ولا لتصفية أي حساب، بل أكتبه دفاعًا عن معنى النضال كما آمنت به، وكما أراه اليوم في حاجة إلى استعادة روحه.

نعم نضال لا يُقاس بعلو الصوت، بل بعمق الأثر. نضال لا يُختزل في صورة او تدوينات بالمواقع، بل يُقاس بما يتركه المناضل والمناضلة في الواقع.

نضال لا يقوم على الادعاء والعجرفة، بل على الصدق في القول والفعل والانسجام بينها. لأن القضية الأمازيغية، في البداية والنهاية، أكبر منا جميعًا، ولا تحتاج إلى من يتحدث باسمها بقدر ما تحتاج إلى من يلتزم بها.

اقرأ أيضا

الملك محمد السادس يعين اليزيد الراضي أميناً عاماً للمجلس العلمي الأعلى

أفاد بلاغ صادر عن الديوان الملكي أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، استقبل اليوم الثلاثاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *