ويحمان… ذلك التلميذ المجتهد

عبدالواحد حنو
عبدالواحد حنو

“الأمازيغية مُكوّن أساسي للثقافة الوطنية، وتراث ثقافي زاخر، شاهد على حضورها في كلّ معالم التاريخ والحضارة المغربية”.

من خطاب أجدير للملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001

خاض مناضلوا الحركة الأمازيغية في العقود الماضية معارك فكرية وثقافية من أجل التحرر من الوصاية اللغوية والثقافية والسياسية. حيث استطاعوا أن يذيبوا تدريجيا الوضع الذي يكرس الأحادية اللغوية باستغلال الدين كمطية من أجل إضفاء نوع من القداسة على الوحدة المزعومة، وبتسويق كل الآليات التي تمتلكها السلطة من أجل زواج غير شرعي بين لغة ودين، والإعلاء من شأن لغة على أساس أنها لغة من السماء، مقابل تدنيس لغة أخرى على أساس أنها لغة استعملها المستعمر من أجل ضرب اللغة العربية “المقدسة”، وعبرها ضرب الإسلام كعقيدة للمجتمع المغربي المسلم.

وانطلاقا من هذا التوجه الذي يشيطن الأمازيغية مقابل وضع اللغة العربية موضع الضحية التي يراد القضاء عليها فالقضاء على الدين، وبعد أن استطاع المستعمر بمباركة نظام المخزن خلخلة البنيات السوسيوثقافية للقبائل الأمازيغية، تم استغلال المدرسة والمنظومة التربوية في شموليتها من أجل إشاعة إيديولوجية تكرس فكرة تفوق لغة وثقافة العرب عبر إعطائهما طابعا وطنيا لوحدهما، وإقصاء اللغة والثقافة الأمازيغيتين في تجاهل تام لعراقة الأمازيغية وتاريخها الذي يعود إلى آلاف السنين.

وإذا كانت الغاية من بين غايات المناهج الدراسية التي يتلقاها المتعلم هي تعريفه بمقومات هويته المغربية وبتاريخ بلاده وتراث أجداده، وكذا تربيته على حب هذا الوطن الذي ترعرع فيه، فإن المناهج الدراسية التي عرفتها المدرسة المغربية تسافر بعقل الناشئة إلى بلدان تبعد عنا بآلاف الكيلومترات، فتُربيهم على تبني هموم وطن يمتد من الخليج إلى المحيط، حتى أصبح المتعلم المغربي يعرف عن تاريخ المشرق أكثر مما يعرفه عن تاريخ بلاده، بل أصبح لا يعرف أن يميز نفسه كمغربي عن عرب المشرق لغويا وثقافيا وتاريخيا وجغرافيا.

فعوض أن يساهم التعليم المغربي في ترسيخ الهوية الحقيقية لدى المتعلم وجعله يعتز بانتمائه إلى وطنه حتى يتفاعل إيجابيا مع محيطه الاجتماعي، وحتى نضمن استمرار الذاكرة الجماعية عبر الأجيال، فإنه –التعليم المغربي- سعى ويسعى إلى إذابة الذات المغربية في الآخر، وتكريس اغتراب ثقافي وتاريخي في المناهج المدرسية، وتشكيل وعي مزيف لدى المتعلم وبالتالي جعله يمجد “أنا” أجنبية مقابل تحقير وتبخيس موروثه الثقافي والحضاري. نتج عن هذا أنّ المدرسة المغربية فرّخت لنا أفواجا من بني جلدتنا يعيشون بيننا ويفكرون بعقل خارجي. ونموذج هؤلاء هو المدعو أحمد ويحمان الذي صرح مؤخرا  في مهرجان خطابي نظمه فرعا حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية بمدينة سلا، وكذا المبادرة المغربية للدعم والنصرة، وقال بأن القضية الفلسطينية يجب أن تحضى بالأولوية قبل قضية الصحراء المغربية.

ليس عيبا أن يصدر هذا الكلام من ابن مدرسة تربى فيها على أنه مواطن عربي قبل أن يكون مواطنا مغربيا. وتلقى فيها دروسا عن تاريخ المدينة والقبيلة العربية قبل الإسلام، ولم يدرس تاريخ المدينة والقبيلة الأمازيغية بمعمارها وتراثها وفنونها وعاداتها وتقاليدها… تلقى دروسا عن تأسيس الدولة الأموية ولم يتلقى دروسا عن دول وإمارات مغربية كإمارة النكور وأمارة برغواطة . ويحمان كان تلميذا مجتهدا، وطبّق ما تلقاه في مدرسته المغربية التي عرّفته بمدينة بغداد وعراقتها، ولم تعرّفه بوليلي ومازاكان ولوكسوس وتافيلالت … لذلك هو يعي بأن الأولوية للشرق قبل الوطن، بل إن الوطنية تبتدئ من الشرق، لأن هذا ما اكتسبه من السنين التي قضاها في صفوف الفصول الدراسية.

ويحمان، هذا التلميذ المجتهد، ناذرا ما لا يطلق سهام الكراهية تجاه الأمازيغية كلما وجد ميكروفونا من الميكروفونات أمامه، فيأخذ في ترديد أسطوانته التي أكل عليها الدهر وشرب، حيث يبذل مجهودات كبيرة في أن يحذرنا من مخاطر الفتنة… كذا… وبأن الحركة الأمازيغية مدعومة من الصهاينة لتمزيق الوحد العربية الإسلامية…

هذه الأسطوانة كانت تردَّد في الثمانينات والتسعينات، وكان مناضلوا الحركة الأمازيغية يتصدون لهذه التراهات والمزاعم بالحجج المقنعة، وبالخطاب العقلاني الذي استطاع بفضل قوته أن يُرجعَ الذئاب إلى جحورها، لتخرج إلينا فيما بعد مرتدية جلود الماعز والشياه، محاولة خداعنا أنها تراجعت عن الخطاب الإقصائي، وأنها تتبنى مطالب الأمازيغ وحقهم في الدفاع عن قضيتهم العادلة. وقد لمسنا هذا التغيير في عدد من الأحزاب التي كانت في عهد قريب تعادي الأمازيغية وّتتوعد بالكفاح من أجل أن لا تأخذ هذه الأخيرة مكانها في الدستور المغربي، والآن أصبحت تنادي بأن يُعترف برأس السنة الأمازيغية.

هذه الأسطوانة التي يرددها ويحمان وغيره لم يعد مقبولا أن نردّ عليها الآن ونقدم مبررات وإيضاحات، لأننا في عهد دستور يقر بالأمازيغية لغة رسمية للمغرب، وفي عهد خطاب أمازيغي تجاوز هذه المزاعم بسنوات ضوئية. إلا أنه وجب أن نسأل السيد ويحمان السؤال الذي ورد في سورة البقرة “كم لبثت؟” أنظر إلى خطاب الحركة الأمازيغية وقطعه لأشواط كبيرة، ولن يستطيع أن يتخندق معك في جدال الأسبقية بين الكتكوت والبيضة.

وأخيرا أختم بقول حكيم أمازيغي: “ad taɣed xef ulɣem mala yuli taẓeqqa, ma aydi d wenni d amčan nnes”. ومعناه: الإشكال الكبير هو إذا ما وجدت جملاً فوق سطح منزلك، أما الكلب فذاك هو مكانه.

شاهد أيضاً

حتى لا يخفي سقف الثلاثين الوضع المخيف للمنظومة التعليمية

لا أحد يختلف مع الحكومة في سعيها إلى مصالحة المدرسة المغربية مع محيطها السوسيوتربوي لتكون ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *