أخبار العالم الأمازيغيكتاب وآراء

التدبير العرفي للمراعي في مواجهة المنظومة القانونية المركزية: مقاربة تحليلية مقارنة لمراسيم حزب العدالة والتنمية

يشكل تدبير المراعي والترحال الرعوي في المغرب مجالا للتداخل بين النسق العرفي المحلي والنسق القانوني المركزي. قبل صدور القانون رقم 13-113 والمرسوم التطبيقي رقم 2.18.131 سنة 2016، كان هذا التدبير يرتكز على ترسانة قانونية سابقة وعلى أعراف قبلية راسخة تقوم على اتفاقات حسن الجوار. بعد 2016 انتقل التدبير إلى منظومة وطنية موحدة تقوم على الترخيص الإداري واللجان الجهوية. تهدف هذه الورقة إلى تحليل التحول المذكور، وتقييم آثاره الميدانية في إقليم سيدي إفني، مع إيراد شواهد مقارنة من تجارب إفريقية وأمريكية وكندية.

أولا: الإطار القانوني السابق لسنة 2016

اعتمد تدبير المراعي قبل سنة 2016 على ثلاث ركائز:

1. الظهير الشريف الصادر في 27 أبريل 1919 المتعلق بتنظيم الأملاك الجماعية
يخضع تدبير الأراضي الجماعية والمراعي لسلطة وزارة الداخلية عبر مجالس النيابة عن الجماعات السلالية. وبذلك ظل قرار فتح المراعي أو منع الرعي بيد السلطة الإدارية المحلية والوصاية على الأراضي الجماعية، دون اللجوء إلى ترخيص وطني موحد.

2. غياب قانون وطني خاص بالترحال الرعوي
لم تنص التشريعات السابقة على مسطرة لرخصة الترحال أو على عقوبات محددة للدخول إلى المراعي دون إذن. كان التعامل يتم وفق الأعراف القبلية واتفاقات حسن الجوار بين القبائل، وتحت إشراف السلطة المحلية التي تفصل في النزاعات عند نشوئها. وقد شكلت هذه الاتفاقات أساسا معترفا به في تدبير المصالح المشتركة.

3. تدبير المراعي داخل المجال الغابوي
خضعت المراعي الكائنة داخل المجال الغابوي لمقتضيات ظهير 20 يوليوز 1917 المتعلق بالمحافظة على الغابات واستغلالها، الذي يحظر الرعي إلا بمقتضى ترخيص صادر عن مصلحة المياه والغابات. أما المراعي الواقعة خارج المجال الغابوي، وفي مقدمتها أراضي الجموع والأراضي البورية، فظلت خاضعة للاستعمال التقليدي وفق المواسم واتفاقات محلية.

ثانيا: نجاعة التدبير العرفي المحلي في إقليم سيدي إفني

قام التدبير العرفي في إقليم سيدي إفني على ضبط مواسم دخول الرعاة الرحل، وحفظ حقوق الفلاحين المستقرين عبر أعراف قبلية تحدد المسارات والفترات وأعداد الماشية، وعلى آليات توافقية لحل النزاعات. مكن هذا النسق عبر قرون من الحفاظ على التوازن البيئي والاجتماعي، ومن تنظيم العلاقة بين الفلاحة المستقرة والترحال الرعوي دون الإخلال بسيادة الجماعات المحلية على مجالها.

ثالثا: مراسيم 2016 وفشلها الميداني في إقليم سيدي إفني

أحدث القانون رقم 13-113 والمرسوم رقم 2.18.131 تحولا من التدبير العرفي إلى منظومة مركزية قائمة على الترخيص واللجان الجهوية والعقوبات. وقد أظهرت الوقائع الميدانية في إقليم سيدي إفني محدودية هذه المنظومة وآثارها السلبية:

1. تفكيك آليات الضبط المحلي
أضعفت المنظومة الجديدة سلطة الأعراف القبلية في ضبط الدخول إلى المراعي، وسمحت بدخول فاعلين لا يخضعون لضوابط اجتماعية محلية، وتحرك قطعان كبيرة تستبيح الأراضي دون مراعاة للمواسم المتفق عليها.

2. آثار مباشرة على الموارد والفلاحة
– إتلاف المحاصيل الزراعية وأشجار الأركان وجنانات الصبار بفعل الضغط الرعوي الكثيف.
– تراجع المردودية الفلاحية واستنزاف الغطاء النباتي الذي يشكل موردا أساسيا لاستقرار الفلاحين.
– نشوء توترات أمنية ووقوع مواجهات بين الرعاة الرحل والسكان المحليين وأعوان السلطة في عدد من المداشر والدواوير.

3. ردود فعل الساكنة والسلطات
نظم سكان الإقليم عدة وقفات احتجاجية أمام العمالة والمقرات الإدارية للمطالبة بحمايتهم من الاعتداءات على الممتلكات. وفي المقابل اضطرت السلطات المحلية، ومنها قيادة تيوغزة، إلى تنفيذ حملات ميدانية للتصدي للرعي غير القانوني، تمنح مهلا للمغادرة، وتلجأ عند عدم الامتثال إلى حجز المواشي والخيام. ويعد هذا اللجوء إلى التدخل الميداني مؤشرا على عجز المنظومة المركزية عن تحقيق الضبط المطلوب.

رابعا: مقاربات مقارنة

تؤكد تجارب دولية أن إدماج الأعراف المحلية في تدبير المراعي يحد من النزاعات ويعز الاستدامة:

– في إفريقيا جنوب الصحراء، تعتمد دول مثل إثيوبيا والنيجر ومالي على حكامة رعوية تقليدية تسند سلطة ضبط المراعي ومسارات الترحال إلى زعماء القبائل ومجالس الشيوخ، وهو ما أثبت فعاليته في تقليص النزاعات بين الرعاة والمزارعين.
– في كندا، تقوم مقاطعات مثل ألبرتا وساسكاتشوان على اتفاقات تعاون مع الجماعات الأصلية First Nations، إذ لا يتم تدبير المراعي في أراضيها التقليدية إلا بالتشاور مع مجالسها، ويعترف القانون الكندي بسلطة الأعراف الأصلية في تحديد مواسم الرعي وأعداد الماشية.
– في أمريكا الجنوبية، يعترف قانون الأرجنتين وشيلي بمناطق الرعي التقليدية لشعوب المابوتشي، وتدعم الدولة هذه المناطق بعقود تعاون دون إلغاء سلطة الشيوخ المحليين في تنظيم الدخول إلى المراعي.

تبين المعطيات الميدانية من إقليم سيدي إفني أن الانتقال إلى المنظومة المركزية بعد 2016 لم يحقق الضبط المنشود، بل أدى إلى تفكيك آليات الضبط العرفي، وترتبت عنه أضرار على المحاصيل الزراعية وأشجار الأركان وتصاعد في التوترات الاجتماعية. وعليه، فإن أي إصلاح مستقبلي لتدبير المراعي والترحال الرعوي يقتضي الاعتراف بالدور التدبيري للجماعات المحلية والأعراف القبلية، والاستفادة من التجارب المقارنة التي تجمع بين الإطار القانوني الوطني وسلطة التنظيم المحلي، تحقيقا للتوازن بين حماية الموارد وضمان السلم الاجتماعي.

المراجع والمصادر

باللغة العربية:
1. الظهير الشريف الصادر في 27 أبريل 1919 المتعلق بتنظيم الأملاك الجماعية، كما تم تعديله وتتميمه.
2. الظهير الشريف الصادر في 20 يوليوز 1917 المتعلق بالمحافظة على الغابات واستغلالها.
3. القانون رقم 13-113 المتعلق بالترحال الرعوي وتهيئة وتدبير المجالات الرعوية والمراعي.
4. المرسوم رقم 2.18.131 الصادر بتطبيق بعض أحكام القانون 13-113.
5. اتفاقية أمزدوغ الموقعة بين الباعمرانيين والدولة الإسبانية، 1934.
6. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، الحكامة الرعوية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، تقرير 2019.
7. المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة ICARDA، النظم التقليدية لإدارة المراعي في إثيوبيا، 2017.
8. حكومة مقاطعة ألبرتا، إطار التعاون مع الشعوب الأصلية في إدارة الأراضي الرعوية، وزارة الزراعة والغابات، 2018.
9. المجلس الكندي لإدارة المراعي Canadian Rangeland Management Council، دليل الممارسات المستدامة للرعي في أراضي السكان الأصليين، 2020.
10. معهد الدراسات الأندينية IAI، حقوق شعوب المابوتشي في الرعي التقليدي بالأرجنتين وشيلي، 2016.
11. لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي ECLAC، التنمية المستدامة وأراضي الشعوب الأصلية في باتاغونيا، 2019.

En français:
1. Dahir du 27 avril 1919 portant organisation des collectivités ethniques et réglementation de la gestion des biens collectifs.
2. Dahir du 20 juillet 1917 sur la conservation et l’exploitation des forêts.
3. Loi n° 13-113 relative à la transhumance pastorale, à l’aménagement et à la gestion des espaces et des parcours pastoraux.
4. Décret n° 2.18.131 pris pour l’application de certaines dispositions de la loi n° 13-113.
5. Convention d’Amzdough, signée entre les Aït Baamrane et l’État espagnol, 1934.
6. FAO, Gouvernance pastorale au Sahel et en Afrique de l’Ouest, Rapport 2019.
7. CIRAD, Les systèmes traditionnels de gestion des parcours en Éthiopie, Études et Documents, 2017.
8. Gouvernement de l’Alberta, Cadre de collaboration avec les Premières Nations pour la gestion des terres de pâturage, Ministère de l’Agriculture et des Forêts, 2018.
9. Conseil canadien de gestion des parcours, Guide des pratiques durables de pâturage sur les terres autochtones, 2020.
10. Institut des Études Andines IAI, Les droits des peuples Mapuche au pâturage traditionnel en Argentine et au Chili, 2016.
11. CEPAL, Développement durable et terres des peuples autochtones en Patagonie, 2019. ‎

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى