إن هذه الانتعاشة تعكس انتقالا جوهريا للأدب الأمازيغي من ضيق ‘الشفاهية’ والخطاب الهوياتي المباشر، إلى رحابة الابداع الروائي القائم على التجريب الجمالي؛ حيث أصبحت الرواية اليوم مختبرا حقيقيا لتطويع اللغة الأمازيغية، وجعلها قادرة على استيعاب أعقد القضايا الوجودية، والنفسية، والاجتماعية. ولم يعد الروائي الأمازيغي يكتفي باستعادة التراث، بل صار يوظف آليات الحداثة الروائية كـ”الميتاسرد”، و”الواقعية السحرية”، و”الرواية النفسية، و”الرواية البوليسية”، و”رواية التخييل التاريخي” و”رواية الديستوبيا”… كما نلمس في أعمال جيل جديد من الكتاب (أمثال نافع، فراس،كوغلت، مالك، العدناني، الگجضا، أوبوتو…)، مما يمهد الطريق لتدويل الرواية الأمازيغية وفرض حضورها كشريك جمالي في الآداب العالمية.
في هذه الرواية، الممتدة على 158 صفحة، لا يقدم أوبراهيم مجرد حكاية، بل يقدم “قراءة مجهرية” في جغرافيا الوجع الإنساني، نابشا في أعماق العاطفة التي تولد من رحم الانكسار، لتتحول الكلمات إلى “وشم” لا يمحى، تماما كما يوحي العنوان. تتمحور “تيگزت” حول علاقة حب عميقة، صادقة، لكنها قاتلة؛ لأنها ولدت في اتجاه واحد. مراهقة تمنح كل ما تملك، تضحي بمستقبلها وبراءتها وسمعتها من أجل رجل لا يرى فيها سوى “علاقة عابرة”. نحن هنا أمام صراع غير متكافئ: امرأة ترى في الحب “قدرا”، ورجل يراه “نزوة”. هذا التناقض الصارخ هو ما دفع بطلة الرواية نحو منحدرات المعاناة، لتجد نفسها في مواجهة المجتمع “كأم عازبة”، تتجرع مرارة الحمل والولادة في عزلة تامة، قبل وبعد أن أبصرت طفلتها النور. الرجل، في المقابل، يظل غائبا تماما، ليس غيابا جسديا فحسب، بل هو غياب معرفي؛ فهو لا يدرك حتى أن هناك كائنا في هذا العالم يحمل جيناته، ولا يعرف أن هناك امرأة “وشمته” في قلبها قبل جسدها.
بذكاء سردي لافت، يختار حسن أوبراهيم اسم ” تيگزت” للطفلة. هذا الاسم ليس مجرد اختيار اعتباطي، بل هو تكثيف لمأساة الأم. ” تيگزت ” هي الأثر المادي للحب الذي لم يعترف به الأب، وهي الندبة الحية التي تذكر الأم بضعفها وقوتها في آن واحد. الوشمة هنا تخرج من معناها التزييني التقليدي لتصبح “هوية للمصير”؛ فالحب الذي تكنه البطلة للرجل ظل ثابتا رغم غدره، تماما كالوشم الأصيل الذي لا تزيده السنون إلا تجذرا.
بنيت الرواية تقنيا على شكل “رسالة طويلة”، في تقاطع خلاق مع الروائي العالمي “ستيفان سفايغ” وهي تقنية تمنح النص بوحا حميميا يقرب المسافة بين القارئ والبطلة. تكتب الأم هذه الرسالة وهي تصارع مرضا ينهش جسدها، موصية ابنتها “تيگزت ” أن تحمل هذا العبء الورقي إلى والدها بعد وفاتها.
هذه الرسالة ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي “أنطولوجيا للتعلق الشديد”؛ فهي تتضمن تفاصيل دقيقة، ومشاعر مرهفة، وضمنها الكاتب الكثير من الخواطر التي تبدو كأنها صلوات في محراب حب مستحيل. البطلة تكتب لرجل “لا يعرفها”، وهذه هي قمة التراجيديا؛ أن يكون الشخص هو محور حياتك وسبب دمارك، بينما أنت بالنسبة له مجرد وجه عابر في ذاكرة مزدحمة.
ما يميز “تيگزت” هو قدرة حسن أوبراهيم على تطويع اللغة لخدمة الاستبطان النفسي. النص يفيض بالشاعرية رغم قسوة الموضوع. نحن لا نقرأ عن “خيانة”، بل نقرأ عن “وفاء مفرط” حد الجريمة بحق الذات. الرواية تضعنا أمام تساؤلات أخلاقية ووجودية: هل الوشم الحقيقي هو ذاك الذي على الجلد، أم هو الحب الذي “يسمنا” للأبد ويحكم علينا بالانتظار حتى وراء القبر؟
“تيگزت” هي صرخة مكتومة، هي “وشمة” في المنجز الأدبي الأدب الأمازيغي الحديث، تستحق أن تقرأ بقلب مفتوح؛ لأنها باختصار رواية عن النساء اللواتي يحببن أكثر مما ينبغي، ويمتن في صمت من أجل رجال لا يتذكرون حتى أسماءهن.
لطالما تساءل قراء الكاتب حسن أوبراهيم، وهم يقتفون أثر سيولته الشعرية المتدفقة، عن كنه تلك “الأنثى” التي تسكن نصوصه؛ تلك الكائنة الهلامية التي تتأرجح في قصائده بين الرمز والواقع، وبين الحضور والغياب. ومع صدور روايته الجديدة “تيگزت” (وشمة)، يبدو أن حسن أوبراهيم قد قرر أخيرا أن يمنح “قصيدته” جسدا، وتاريخا، ووجعا ملموسا، لنتساءل بجدية: هل الرواية هنا مجرد جنس أدبي مستقل، أم أنها الامتداد الطبيعي والضرورة السردية لقصيدة لم تنتهِ بعد؟
إن المتأمل في “تيگزت” يجد أن أوبراهيم لم يقطع حبل الوريد مع “النفس الشعري” الذي ميز مساره الأدبي؛ فالأنثى في الرواية ليست مجرد شخصية ورقية، بل هي “أيقونة الوجع” ذاتها التي طالما غناها في دواوينه ومنشوراته اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي. إذا كانت القصيدة عند أوبراهيم هي “لحظة التكثيف” الشعوري لتلك الأنثى، فإن الرواية هي “جغرافيا التفكيك” لتفاصيل حياتها، ومعاناتها، وانكساراتها. في “تيگزت”، تخرج الأنثى من إطار “المجاز الشعري” لتواجه قسوة الواقع (في الجنس الذي يتسم بالرحابة والمرونة) كـ”أم عازبة”، لكنها تظل محتفظة بـ”لغة القصيدة” عبر تلك الرسائل والخواطر التي ضمنها الكاتب في ثنايا مادته السردية.
بهذا المعنى، تبدو الرواية عند حسن أوبراهيم كأنها “قصيدة ممددة”؛ فالبناء السردي الذي اختاره (رواية الرسالة) هو في جوهره اختيار غنائي (Lyrique) يتيح للذات الأنثوية أن تبوح بطلاقة الشاعر. إنها محاولة لاسترداد “الأنثى” من عالم الاستعارة وتوطينها في عالم “الوشم”؛ الوشم الذي لا يمحى، تماما كما لا تمحى القصيدة من ذاكرة الشاعر.
إن “تيگزت” هي الجواب السردي على أسئلة القصيدة الحائرة؛ ففيها تحول “الحنين” الشعري إلى “ألم” روائي، وتحول “الغزل” إلى “وصية”، لتظل الأنثى عند حسن أوبراهيم هي المركز والدائرة، سواء كتبت باستعارات “تاترارت”، أو سردت في رسالة موصى بها لابنة تدعى ” تيگزت “. هكذا، يثبت أوبراهيم أن الرواية والقصيدة عنده ليسا إلا وجهين لعملة واحدة: عملة الوفاء للذات الأنثوية في أقصى تجلياتها تراجيدية.
صالح ايت صالح
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
