أخبار عاجلة

اللغة الأمازيغية والذكاء الاصطناعي.. صراع الهوية في الفضاء الرقمي “المنسي”

بقلم: نور الدين كنوي

بينما تسابق لغات العالم الزمن لترسيخ أقدامها في خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تقف اللغة الأمازيغية أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على موروث شفوي ضارب في القدم، وانتزاع اعتراف رقمي في عالم لا يعترف إلا بالبيانات الضخمة والرقمنة الشاملة.
مع طوفان الذكاء الاصطناعي الذي يغمر تفاصيل حياتنا، لم يعد السؤال اليوم هو “هل نحتاج التكنولوجيا؟” بل “هل تفهمنا التكنولوجيا بلغاتنا الأم؟”. وإذا كانت اللغة العربية تخوض معركة الوجود لزيادة حصتها الرقمية التي لا تتجاوز 8%، فإن اللغة الأمازيغية (تمازيغت) تجد نفسها في موقف أكثر تعقيداً؛ حيث تواجه “فجوة بيانات” تهدد بتهميشها في الأنظمة الذكية التي بدأت تشكل وعي الأجيال القادمة.
غياب البيانات.. العائق الأكبر
يرى خبراء اللسانيات الحاسوبية أن الذكاء الاصطناعي “يتغذى” على النصوص المكتوبة والمدونات الرقمية. وهنا تكمن المعضلة الأمازيغية؛ فبالرغم من كونها لغة رسمية في دول كالمغرب والجزائر، إلا أن المحتوى الأمازيغي المكتوب بحرف “تيفيناغ” أو حتى بالحروف الأخرى على شبكة الإنترنت لا يزال شحيحاً مقارنة باللغات العالمية.
يقول باحثون في معالجة اللغات الطبيعية (NLP) إن النماذج اللغوية الكبيرة مثل “GPT” و”Gemini” تعاني من ضعف حاد في فهم الأمازيغية بدقة، وغالباً ما تخلط بين لهجاتها المختلفة (التشلحيت، التاريفيت، القبايلية، وغيرها)، مما يجعل المخرجات الآلية تبدو أحياناً “هجينة” أو فاقدة للروح الثقافية التي تحملها اللغة.
مبادرات خجولة وجسور نحو المستقبل
رغم قتامة المشهد، تبرز مبادرات واعدة تحاول ردم الهوة. ففي السنوات الأخيرة، بدأت مؤسسات أكاديمية ومطورون مستقلون في دول شمال أفريقيا العمل على بناء “مدونات لغوية” (Corpora) أمازيغية، وتطوير لوحات مفاتيح ذكية تدعم حرف تيفيناغ، بالإضافة إلى محاولات إدراج الأمازيغية في أنظمة الترجمة الآلية العالمية.
إن الانتقال من “اللغة الشفوية” إلى “اللغة المحوسبة” يتطلب جهداً وطنياً ودولياً. فالأمازيغية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي خزان للقيم والتاريخ، وضياعها من ذاكرة “الآلة” يعني إقصاء ثقافة عريقة من مستقبل التفاعل البشري-التقني.
التحدي القادم: رقمنة التراث الشفوي
يشبّه المتخصصون وضع اللغة الأمازيغية اليوم بكنز مخفي داخل مغارة مغلقة؛ الكنز هو التراث الشفوي والأدب الأمازيغي، والمفتاح هو “الرقمنة”. الذكاء الاصطناعي لا ينتظر أحداً، وإذا لم يتم تحويل الأشعار والحكايات الشعبية والقوانين العرفية الأمازيغية إلى بيانات رقمية مهيكلة، فإن الجسر نحو “المسرح العالمي للمعلومات” سيظل مقطوعاً.
إن المطلوب اليوم ليس فقط الاعتراف الدستوري، بل “الاعتراف الرقمي”. هذا يتطلب من الجامعات والمراكز البحثية في تمازغا (شمال أفريقيا) الانخراط في هندسة الأوامر (Prompt Engineering) باللغة الأمازيغية، وتعليم الآلة خصوصيات هذه اللغة الصرفية والنحوية، حتى لا تصبح الأمازيغية مجرد “فلكلور” في ذاكرة البشر، وغائبة تماماً عن ذكاء الآلات.
الخاتمة
إن معركة الأمازيغية في عصر الذكاء الاصطناعي هي معركة وجود بامتياز. فإما أن تنخرط هذه اللغة في التحول الرقمي وتصبح فاعلاً في صناعة المحتوى الذكي، أو أن تظل سجينة الرفوف والصدور، بينما يتحدث العالم لغة الخوارزميات التي قد لا تعرف عن “تيفيناغ” سوى أنها رموز منسية من زمن مضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *