تكسير المجاديف قبل إغراق القارب بمن حمل: الإغتيال الجمعوي وهدر الزمن التنموي في المغرب العميق

رئيس جمعية تيويزي للتنمية الإجتماعية لأيت عبد الله
حين وصف جلالة الملك في خطاب العرش السنة الماضية الحالة النهضوية للمغرب بقوله: ” لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”. خطاب جلالته ينم عن وعي عميق انه لا مجال بعد اليوم للتفاوتات المجالية، لانه اصبح من الصعب ان تتدارك السرعة الثانية الاولى في زمن يسير بسرعة نفاتة.
يفعل ذلك عن دراية بسرعة الاوراش الكبرى لبعض البنيات التحتية والعمران المتسارع الذي تعرفها بعض الحواضر من جهة وبتباطئ منسوب التنمية في بوادي المغرب العميق، لدرجة توقف معها الزمن التنموي في قفار سوس مثلا.
ربما كان جلالته لطيفا بتشخيص وتلخيص الحالة على انها سرعتين، لكنها تختزل وتختزن كل المعاني.
لان المغرب لا تنقصه الإرادة السياسية ولا الإمكانيات المادية (اوراش الملاعب الكروية تشهد عن ذلك)، ولا الخبرة التقنية ولا الاجتهادات البشرية، ولا حتى بعض النوايا الحسنة، بل أضف إلى ذلك تطوع جمعويين بتجارابهم ووقتهم وإمكانياتهم الذاتية وتضحية فاعلين إقتصاديين بدعمهم المادي لتمويل مشاريع تنموية بجل قرى جبال الاطلس الصغير وغيرها عبر التراب الوطني، لا لشيئ، إنما لحب وطن ترعرعنا داخله، ولا نرضى له المراتب السفلى، والشعور بالإنتماء ورد الجميل لمسقط الرأس. لان حب الوطن يبدأ من حب مسقط الرأس.
من اراد ان يعتبر فليقم بزيارة استطلاعية لمناطق تافراوت، واملن، بإقليم تيزنيت وايت عبد الله بإقليم تارودانت ،وإداوكنضبف بإقليم شتوكة – أيت باها، على سبيل المثال لا الحصر، ليرى بأم عينه الساكنة المغمورة في ظل ظروف معيشية صعبة “بتعمل إيه،”
المجهودات الجمعوية وتمويلات المحسنين حفرت الٱبار، بنت مستوصفات ودور الطالب وساهمت في بناء مدارس وثانويات (ايت عبد الله نمودجا)، مراكز تصفية الدم، مراكز تأهيل الشباب وذوي الاحتياجات الخاصة (أملن نمودجا). وكل مساجد قرى سوس، وتم تبليط جل طرقات القرى، وغيرها لا تتسع المساحة للتفاصيل.
سوس، كنموذج من ربوع الوطن، غنية برجالاتها، ونسائها المرابطات بالجبال الحافظات للتقاليد، وبإرثها الهوياتي وبثقافتها المتجدرة بتاريخها النضالي بجمال طبيعتها وتشبت الساكنة بالحفاظ على موروثها اللامادي الاثري، وإيمان اهلها بجدوى العمل التضامني الممارس منذ القدم. فكيف للعمل الجمعوي ان لا ينجح؟
بيت القصيد، العمل المدني بسوس جهد تكميلي لمسؤوليات الدولة في توزيع الثروة بإنصاف، وفرصة للأشخاص للتطوع ورد الإعتبار للوطن. العمل الجمعوي يحمل في جوهره البعد الإنساني والاستثمار في العنصر البشري الذي يعتبر الرأسمال اللامادي وكنز الوطن. وذلك من خلال أنشطة تعاونية هادفة للنساء مدرة للدخل، وأخرى متنوعة تنمي قدرات العنصر البشري بتكوينه وتمكينه ومساعدته لتجاوز تحديات العصر. دور الفاعل الجمعوي كفاعل ترابي هو العمل بجانب المنتخب ورجل السلطة والموظف الحكومي كمسؤولين إداريين من أجل تبسيط المساطر، وتجاوز العقبات الإدارية ولفت الإنتباه للنواقص وتدارك الهفوات.
رجل السلطة مثلا، لم يعد همه الوحيد هو الهاجس الأمني والتعامل السلطوي التقليدي للقرن الماضي. من بين مسؤولياته المعاصرة التواصل المستمر مع جمعيات المجتمع المدني والمساهمة في التنمية المستدامة للمنطقة وتشجيع المبادرات الميدانية الجادة، والعمل على توفير ظروف الإستقرار الأسري والعيش الكريم للساكنة والتقرب منهم والإنصات لهمومهم والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لمشاكلهم اليومية. لقد ولى عهد التباعد والتنافر والنظر لرجل السلطة كٱلة عقابية مخزنية. العهد الجديد زمن ممارسة الحقوق المدنية، والحريات المسؤولة وتقريب الإدارة من المواطنين،
ربما من باب ربط المسؤولية بالمحاسبة، وجب ترقية والحسم في اماكن إنتقالات رجال السلطة حسب درجة مساهماتهم في العمل التنموي في مناطق نفوذهم كمعيار اداري عادل.
للاسف من عوائق التنمية بجبال سوس البنية العقلية المتحجرة للبعض، والتفكير المحنط للبعض الٱخر، والإنتماء وجدانيا للزمن الغابر او الحنين لممارسة سلطة مخزنية قمعية وسلوك إستعلائي ممزوج بتضخم الأنى وإنفصام في ممارسة العمل الإداري لا يتلاءم مع متطلبات وتوجيهات العهد الجديد وتطلعات المغرب الصاعد.
العمل الإداري أسلوب قبل ان يكون ممارسة سلطة، كما قال حكيم: تذكر، بين كسب القلوب وكسر القلوب شعرة رفيعة إسمها: الأسلوب.
بهكذا سلوك وجفاء في التواصل والتباعد بين الأطراف المكونة للفعل التنموي الميداني ندفع بالعمل الجمعوي كقيمة مضافة في المجال الترابي وحلقة فاعلة ميدانية نحو الإنزواء والإنتحار.
السؤال هو من المستفيد في كسر أجنحة الجمعيات المدنية التطوعية الفاعلة ميدانيا والدفع بها نحو الإنسحاب؟ المؤكد ان الخاسر الأكبر هي المنطقة والساكنة والوطن. فمن يدفع في إتجاه خسارة الوطن؟
العمل الجمعوي حق يضمنه دستور المملكة وتحميه قوانين البلد وتفعله مسؤوليات الاعضاء ومن واجب الموظف الإداري ان ينظبط للمساطير الإدارية ويعمل على تبسيطها وتسهيل الأنشطة الميدانية ليتحقق فعل التواصل واهداف التنمية المستدامة التي نعتبر أنفسنا جميعا شركاء فيها داخل وطن يجمعنا.
الفعل المدني عمل تطوعي نابع عن قناعة وإيمان ومبادئ؛ لا ينتظر صاحبه ترقية او الإستفادة من إمتيازات مادية، او إضافة لسيىرة ذاتية إدارية قد يفعلها كورقة رابحة في المنافسة لمنصب مسؤولية.
الفاعل الجمعوي تنطبق علية مقولة الرئيس الامريكي الراحل، جون كينيدي حين قال: “Don’t ask what your country can do for you, but ask what you can do for your country” بمعنى تقريبي “لا تسأل عما يمكن لبلدك ان يمنحك، بل إسال ماذا يمكن ان تعمله من أحل الوطن.”
إلى ذلك الحين، تصبحون على وطن متنوع، تنموي متناغم من القاعدة حتى اعلى درجات الهرم المجتمعي.




