كتاب وآراء

سبتة التاريخ وسبتة اليوم (2)

الحسين بوالزيت صحفي وباحث في التاريخ

حين تعجز الدولة الاستعمارية عن الاحتفاظ بالأرض، قد تحاول الاحتفاظ بشيء آخر: بالاسم، بالوثيقة، بالذاكرة، وأحياناً بالبشر أنفسهم. وهنا بالضبط تبدو المفارقة الإسبانية الجديدة. فبعد أن طردت إسبانيا من الصحراء، وبعد أن أغلقت بنفسها ملف وجودها الإداري هناك سنة 1976، وبعد أن أقر قضاؤها الأعلى سنة 2020 بأن الصحراء لم تكن جزءاً من إسبانيا بالمعنى القانوني الذي يسمح باعتبار المولود فيها إسبانياً بحكم الميلاد، تعود مدريد اليوم إلى الماضي الاستعماري لكي تستخرج منه حقاً جديداً في الجنسية. وكأن التاريخ الاستعماري، الذي كان يفترض أن ينتهي بانتهاء الاستعمار، يمكن أن يعود في هيئة جواز سفر.

المفارقة ليست في أن تمنح إسبانيا جنسيتها لمن تختار وفق قانونها الداخلي؛ فهذا من اختصاص الدول في الأصل، وإن كان خاضعاً لقيود القانون الدولي في حالات معينة. المفارقة الحقيقية هي في الأساس التاريخي الذي يراد بناء هذا الحق عليه. فمشروع القانون الإسباني الذي أقره مجلس النواب في شتنبر 2026، ولم يستكمل بعد جميع مراحله التشريعية، يتجه إلى منح الجنسية للصحراويين المولودين في «إقليم الصحراء الغربية» خلال فترة الإدارة الإسبانية ولذريتهم. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ما هي بالضبط الحدود التاريخية لذلك الإقليم؟ وما طبيعة السلطة التي كانت لإسبانيا عليه؟ وهل كانت الإدارة الاستعمارية الإسبانية امتداداً لسيادة إسبانية أصلية، أم ممارسة استعمارية نشأت داخل ترتيبات دولية صاغتها فرنسا وإسبانيا حول المغرب؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً أكاديمياً. إنها تعيدنا إلى أصل الحكاية، إلى تلك اللحظة التي بدأ فيها المغرب يُقسَّم على الخرائط قبل أن يُقسَّم على الأرض.

ففي 3 أكتوبر 1904 عقدت فرنسا وإسبانيا اتفاقاً حول المغرب، وأقرتا في مقدمتهما مبدأ المحافظة على وحدة الإمبراطورية المغربية تحت سيادة السلطان. ثم جاءت اتفاقية 27 نونبر 1912 لتعيد تنظيم مناطق النفوذ الإسباني في أعقاب فرض الحماية الفرنسية على المغرب. وفي الجنوب، رسمت الاتفاقية حدوداً بين المجالين الفرنسي والإسباني انطلاقاً من وادي درعة، ثم جنوباً عبر خط الطول 11 غرب باريس إلى حدود 27°40′. والأهم أن الاتفاقية أبقت، جنوب هذا الخط، على مقتضيات اتفاقية 1904.

غير أن نظام النفوذ هذا لم يكن، في صيغته القانونية الأصلية، نسخة مطابقة لمفهوم المستعمرة الإسبانية الذي سيظهر لاحقاً في الخطاب الإداري والسياسي الإسباني. ففي المنطقة الجنوبية من المغرب، كانت السلطة المدنية والدينية للسلطان قائمة من حيث البناء القانوني للحماية، وكان الخليفة السلطاني في تطوان يمثل هذه السلطة. وتؤكد الدراسات التاريخية أن المناطق الواقعة جنوباً من وادي درعة إلى تخوم ريو دي أورو بقيت، في الصيغة القانونية لنظام الحماية، مرتبطة بالسلطة السلطانية بواسطة الخليفة، وإن كانت إسبانيا تملك أدوات الهيمنة الفعلية وتتحكم في الإدارة والأمن.

بل إن الوثائق الدبلوماسية الإسبانية نفسها تكشف شيئاً بالغ الدلالة. ففي يوليوز 1916، عندما أقدمت القوات الإسبانية على احتلال رأس جوبي، أخبرت مدريد الحكومة الفرنسية بأن المنطقة تقع في الجزء الجنوبي من منطقة النفوذ الإسباني في المغرب، وأن إدارة هذه المنطقة ستُسند إلى حاكم ريو دي أورو وإلى ممثل للخليفة. نحن إذن أمام وثيقة تقول، بلسان الإدارة الإسبانية نفسها، إن الاحتلال العسكري لم يكن كافياً لإلغاء البنية السلطانية التي ظلت حاضرة في الصيغة الإدارية.

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: كيف انتقلنا من «منطقة نفوذ» إلى «مستعمرة»؟ وكيف تحولت منطقة كان نظامها مرتبطاً في الأصل بالترتيبات المفروضة على الإمبراطورية المغربية وبالسلطة السلطانية إلى «الصحراء الإسبانية» في الخطاب الاستعماري؟

إن المسألة ليست مجرد تغيير في قاموس الجغرافيا. فالاسم، في التاريخ الاستعماري، ليس بريئاً. عندما تسمي الدولة منطقةً «مستعمرة»، فإنها لا تصفها فقط؛ إنها تنتج لها وضعاً سياسياً جديداً في الوعي وفي الإدارة وفي الأرشيف وفي الخرائط. وهكذا أصبح «ريو دي أورو» و«الساقية الحمراء» و«الصحراء الإسبانية» مفردات تبدو، لمن يقرأها بعد مرور عقود، وكأنها كانت دائماً كيانات إسبانية مستقلة عن التاريخ المغربي. والحال أن التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. بل إن محكمة العدل الدولية، عندما نظرت سنة 1975 في سؤال وضع الصحراء عند الاستعمار الإسباني، لم تقبل مطلقاً فكرة أن الإقليم كان أرضاً بلا صاحب. لقد أجابت بالنفي عن سؤال terra nullius، وأثبتت وجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي كانت تعيش في الإقليم.

لكن ماذا فعلت إسبانيا نفسها بعد ذلك؟.

الجواب واضح. فقانونها الصادر في 19 نونبر 1975 بشأن إنهاء استعمار الصحراء يقدم لنا جواباً بالغ الأهمية. فقد نص القانون الإسباني صراحة على أن الصحراء كانت «إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي» وأنها، رغم خضوعها لسلطات الدولة الإسبانية، «لم تكن قط جزءاً من التراب الوطني» الإسباني. أي أن مدريد نفسها قالت في قانونها إن الإدارة الاستعمارية لا تساوي الاندماج في التراب الوطني. وبعد ذلك صدر المرسوم الملكي رقم 2258 لسنة 1976 الذي فتح، بشروط محددة، إمكانية اختيار الجنسية الإسبانية لبعض «سكان الصحراء الأصليين» الذين كانت بحوزتهم وثائق إسبانية معينة. ثم جاءت المحكمة العليا الإسبانية سنة 2020 لتضع حداً مهماً أمام محاولة تحويل الولادة في الصحراء إلى ولادة في إسبانيا، فقالت بوضوح إن الصحراء لم تكن إسبانيا لأغراض المادة 17.1.C من القانون المدني الإسباني.

فماذا تغير اليوم؟

تغير شيء واحد على الأقل: تغيرت الحاجة السياسية إلى الماضي. فالمشروع الجديد يريد أن يعيد ترتيب علاقة القانونية على أساس الانتماء إلى فضاء كان، بحسب الوثائق الإسبانية نفسها، إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي، ولم يكن جزءاً من التراب الوطني الإسباني. هنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا لم تكن الصحراء إسبانية عندما يتعلق الأمر بالسيادة والتراب الوطني، فلماذا تصبح «إسبانية التاريخية» عندما يتعلق الأمر بالجنسية؟

وإذا كانت مدريد تقول إن الأمر يتعلق بـ«تصحيح ظلم تاريخي» لصحراويين حرموا من الجنسية، فإن السؤال المقابل هو: هل يمكن تصحيح خطأ استعمار قديم بخطأ جغرافي وسياسي جديد؟ وهنا نصل إلى وادي نون وطرفاية، حيث تصبح المسألة أكثر حساسية. لا يجوز الخلط بين طرفاية، التي كانت جزءاً من المنطقة الجنوبية المرتبطة بنظام الحماية الإسبانية، وبين كامل المجال الذي أطلق عليه الإسبان لاحقاً «الصحراء الإسبانية». فوثائق 1912 تضع جنوب المغرب في منظومة خاصة، وكان الخليفة السلطاني في تطوان جزءاً من هذه المنظومة.

وتكشف الوثائق المعروضة أمام محكمة العدل الدولية أن الإدارة الخليفية لم تكن مجرد صورة معلقة على جدار الإدارة الإسبانية؛ فقد صدرت ظهائر خليفيّة خلال الثلاثينيات والأربعينيات، وتعلقت بالتعيينات والاعتمادات والمصالح الصحية والأمنية في مناطق الصحراء، وكانت بعض هذه النفقات مرتبطة بميزانية المنطقة الشمالية. وهنا لا يعود الحديث عن «ذاكرة مغربية» فقط، وإنما عن بنية إدارية يمكن تتبعها في الوثائق. أما وادي نون، فقصته أقدم من الحماية بكثير. كان فضاءً بشرياً وتجارياً ودينياً متصلاً بالمغرب الصحراوي وبمناطق سوس ودرعة والصحراء، ولم تكن الحدود الاستعمارية اللاحقة قادرة على محو شبكة القبائل والأسواق والمسالك والبيعة والرحلات. لقد جاء الاستعمار الأوروبي إلى مجال اجتماعي موجود أصلاً، ولم يخترع هذا المجال من الصفر. وهذا ما يفسر لماذا جرى التوسع الإسباني في الجنوب في سلسلة من المغامرات أكثر منه انتقالاً هادئاً للسيادة. في سنة 1884 أقامت إسبانيا وجودها في ريو دي أورو وأعلنت حمايتها على الساحل بين بوجدور والرأس الأبيض.

لكن القبائل المحلية قاومت هذا الوجود، وهاجمت مراكز بونيللي سنة 1885، واضطرت الإسبان إلى التراجع. ثم استمرت البعثات الإسبانية في استكشاف المنطقة ومحاولة إنشاء مراكز تجارية، فيما كان السلطان مولاي الحسن الأول يتابع تحركات القوى الأجنبية على السواحل الجنوبية ويتدخل سياسياً ودبلوماسياً في مواجهتها. وتوثق المصادر المغربية الرسمية هذه المواجهات، بما فيها هجوم القبائل على منشآت الإسبان في وادي الذهب سنة 1885 والبعثات الإسبانية اللاحقة بين درعة وبوجدور.

إنها واقعة مهمة لأن صورة «الصحراء التي دخلتها إسبانيا فوجدتها فارغة» لا تصمد أمام التاريخ. كانت هناك قبائل، وزعامات، وشبكات اقتصادية، وسلطة دينية، وعلاقات مع المخزن، وقوى محلية قاومت المشروع الاستعماري.

وحتى عندما نجحت إسبانيا في إقامة مراكز ساحلية، لم يكن ذلك يعني أنها أخضعت المجال الصحراوي كله. لقد احتاجت سنوات طويلة حتى توسع سيطرتها الفعلية، وظلت مناطق واسعة خارج السيطرة المباشرة. وهذا ما يفسر أيضاً لماذا لم يكن انتقال النفوذ من الورق إلى الأرض أمراً تلقائياً. ولذلك فإن اختزال تاريخ المنطقة في كلمة «مستعمرة» يشبه كتابة التاريخ من فوق الخريطة وإلغاء التاريخ الذي كان يعيش تحتها.

أما فرنسا، فلا يمكن إعفاؤها من المسؤولية التاريخية. لكنها أيضاً لا ينبغي أن تُحمّل قانونياً ما لا تثبته الوثائق. فقد كانت فرنسا القوة التي فرضت نظام الحماية على المغرب سنة 1912، وكان عليها بموجب ترتيباتها مع إسبانيا أن تتشاور معها بشأن مصالحها وحقوقها على السواحل المغربية. واتفاقية 1904 نفسها أعلنت تمسك الطرفين بوحدة الإمبراطورية المغربية تحت سيادة السلطان.

لكن فرنسا وإسبانيا كانتا دولتين استعماريتين، وكان تقسيم المجال المغربي جزءاً من منطق القوة الأوروبية في ذلك العصر. لذلك فإن السؤال التاريخي المشروع ليس فقط: «لماذا سلمت فرنسا هذه المنطقة لإسبانيا؟» بل: «بأي حق كانت دولتان أوروبيتان تعيدان رسم المجال المغربي أصلاً؟». وهنا تظهر المفارقة الاستعمارية في أقصى صورها الأوروبيون كانوا يتفاوضون على المغرب فيما كان المغرب نفسه موضوعاً للتفاوض، ثم جاء الزمن اللاحق ليعامل تلك الخرائط وكأنها حقائق طبيعية نزلت من السماء.

بل إن اتفاقية 1904 نفسها تحمل تناقضاً صارخاً: فهي تتحدث في مقدمتها عن المحافظة على وحدة الإمبراطورية المغربية تحت سيادة السلطان، ثم تمنح فرنسا لإسبانيا حرية العمل في مجال جنوبي وتصف جزءاً منه بأنه خارج التراب المغربي. هذا هو التناقض الذي ينبغي أن يُدرس، لا أن يُدفن تحت المصطلحات الاستعمارية اللاحقة. ومن هنا يمكن فهم لماذا كان المغرب حريصاً على استحضار وثائق البيعة والظهائر والعلاقات القبلية والإدارية أمام محكمة العدل الدولية. فالقضية لم تكن مجرد حدود مرسومة على خريطة أوروبية، بل كانت أيضاً قضية دولة تقليدية كانت تمارس سلطتها بوسائل تختلف عن النموذج الأوروبي للدولة الإقليمية الحديثة. ولعل أخطر ما فعلته المدرسة الاستعمارية أنها حولت الاختلاف بين «المجال السلطاني» و«الدولة الأوروبية الحديثة» إلى حجة ضد المغرب. فإذا لم يجد الأوروبيون في الصحراء وزارة داخلية أوروبية، وسجلاً سكانياً أوروبياً، وحدوداً مرسومة بالأمتار، قالوا: لا دولة هنا. بينما كانت الدولة المغربية تعمل بمنطق آخر: البيعة، الخليفة، القائد، الشيخ، القضاء، الزكاة، الأمن، التجارة، والروابط الدينية والاجتماعية. وهنا يصبح استدعاء أعمال روبرت مونطاني وبول مارتي ضرورياً، ولكن بحذر علمي.

فقد ساهمت الأنثروبولوجيا الاستعمارية في تصنيف المجتمع المغربي وإعادة ترتيبه في وحدات إثنية ومجالية يمكن للإدارة الاستعمارية أن تتحكم فيها. ومن أخطر النتائج السياسية لهذه النظرة تحويل الاختلافات بين الجبل والسهل والصحراء إلى حدود ذهنية، ثم تحويل الحدود الذهنية إلى حدود سياسية. فالقبائل التي كانت تتحرك بين المجالين لم تكن تعرف أن بيروقراطياً أوروبياً سيأتي بعد سنوات ليخبرها أنها أصبحت تنتمي إلى «شعب» مختلف لأن خطاً مستقيماً رُسم على خريطة. وهنا تكتسب فكرة غياتري سبيفاك حول «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» معنى بالغ الدلالة.

لأن المشكلة لم تكن فقط أن المستعمر احتل الأرض؛ بل أنه احتل أيضاً حق تعريف الأرض وسكانها. هو الذي سمى، وصنف، ورسم، وكتب، وأرشَف، ثم ترك للأجيال اللاحقة أرشيفه لكي يبدو وكأنه الحقيقة الوحيدة.

والمشكلة اليوم أن بعض القراءات السياسية الحديثة تعيد استعمال هذا الأرشيف الاستعماري كما لو كان شهادة محايدة. وهذا هو الفخ الحقيقي ليس المطلوب رفض كل ما أنتجه الاستعمار من وثائق؛ فالوثيقة الاستعمارية مصدر بالغ الأهمية للمؤرخ. المطلوب ألا تتحول الوثيقة الاستعمارية إلى صاحب السيادة على التاريخ.

وإذا كانت الأمم المتحدة قد أدرجت الصحراء منذ 1963 ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، فإن ذلك لم يكن اعترافاً بأن الصحراء جزء من إسبانيا، وإنما كان تعبيراً عن استمرار وضع اخر. كما أن إسبانيا نفسها أعلنت في 1976 انتهاء وجودها ومسؤولياتها في الإقليم. لذلك فإن تحويل هذا الوضع الاستعماري إلى أساس دائم لإنتاج روابط قانونية جديدة بين إسبانيا وسكان المنطقة يحتاج إلى مساءلة، لا إلى تصفيق. فإذا كانت إسبانيا اليوم تريد أن تقول: نحن نمنح الجنسية لأن هؤلاء الأشخاص ولدوا في أرض كانت تحت إدارتنا الاستعمارية، فإن عليها أن تسمع السؤال الآخر: وهل الإدارة الاستعمارية تمنح الدولة المستعمِرة حقاً دائماً في إنتاج روابط سياسية مع السكان بعد انتهاء الاستعمار؟ ثم هناك سؤال أكثر سخرية: هل وصلت إسبانيا أخيراً إلى اكتشاف أن أفضل طريقة لاستعادة مستعمراتها هي ألا تستعيد الأرض، بل أن تستعيد السكان؟

لقد فشلت مغامرات الاحتلال القديمة في تحويل الجنوب المغربي إلى امتداد إسباني طبيعي. وفشلت اللغة الاستعمارية في محو الذاكرة المغربية. وانتهى الوجود الإسباني المباشر في الصحراء. وها نحن نرى اليوم محاولة جديدة، أكثر نعومة وأقل تكلفة: لا جندي، ولا مدفع، ولا حاكم عام؛ فقط قانون جنسية. يا لها من عبقرية استعمارية متأخرة: عندما تعجز عن امتلاك الأرض، حاول أن تمتلك الإنسان الذي يعيش فوقها! لكن التاريخ لا يصنع بهذه السهولة فالمغربي الذي ولد في طرفاية أو وادي نون لا يتحول إلى إسباني لأن مدريد أعادت قراءة تاريخها الاستعماري.

والمجال الذي كانت له علاقاته السلطانية والقبلية والاقتصادية لا يصبح إسبانياً بمجرد أن تغير الإدارة اسمه في وثيقة. والجنسية، في القانون الدولي، لا تساوي السيادة على الأرض. بل إن أخطر ما يمكن أن تفعله إسبانيا هو أن تستخدم ملف الجنسية لإعادة إنتاج مفهوم «الصحراء الإسبانية» بعد أن انتهى الاستعمار نفسه.

وهنا ينبغي أن يكون الموقف المغربي أكثر ذكاءً من مجرد الرفض السياسي. يجب أن يطالب بقراءة الوثائق كلها: اتفاقيات 1900 و1904 و1912، المراسلات الفرنسية الإسبانية، وثائق الخليفة السلطاني، الظهائر الخليفيّة، سجلات الإدارة، وثائق القبائل، المراسلات القنصلية، وثائق المقاومة، ووثائق انتقال السلطة سنة 1956، ثم قرارات الأمم المتحدة ورأي محكمة العدل الدولية.

فالملف لا ينبغي أن يترك للمؤرخ الإسباني وحده، ولا للدبلوماسي الجزائري، ولا للخطاب الانفصالي. إننا أمام تاريخ يحتاج إلى تحقيق علمي دولي، لا إلى إعادة تدوير سردية استعمارية. وإذا كانت فرنسا شريكاً أساسياً في صناعة ذلك النظام الاستعماري، فإن مسؤوليتها التاريخية لا تعني أنها تستطيع اليوم أن تمنح المغرب حكماً قضائياً على التاريخ، ولكنها تعني أن عليها أن تتحمل مسؤوليتها في فتح الأرشيف وفهم الكيفية التي أعيد بها رسم المغرب في بداية القرن العشرين. أما الاتحاد الأوروبي، الذي يرفع عالياً شعارات تصفية الاستعمار وحقوق الشعوب ورفض الاستعمار، فعليه أن يفسر كيف يمكن أن يتحول الإرث الاستعماري نفسه إلى مصدر لحق جديد بعد أكثر من نصف قرن على انتهاء الاستعمار. والأغرب من ذلك كله أن إسبانيا نفسها تمنحنا مفتاحاً مهماً: قانونها لسنة 1975 قال إن الصحراء لم تكن جزءاً من التراب الوطني الإسباني، ومحكمتها العليا سنة 2020 قالت إن الصحراء لا تُعامل كإسبانية في قانون الجنسية. ثم يأتي مشروع 2026 ليعيد فتح الباب من زاوية أخرى. فأي تاريخ هذا الذي يُرفض عندما يكون عبئاً قانونياً، ويُستعاد عندما يصبح مفيداً سياسياً؟

إنها ليست معركة على جواز سفر فحسب. إنها معركة على من يملك حق رواية الماضي، ومن يملك حق تعريف المكان، ومن يملك حق تحديد هوية الإنسان. وهنا تحديداً ينبغي أن نعيد السؤال الذي طرحناه في البداية: هل تحاول إسبانيا، بعد أن عجزت عن الاحتفاظ بكل الأرض، أن تحتفظ بجزء من البشر؟ إذا كان الأمر كذلك، فليسمح لنا التاريخ بشيء من السخرية: لقد كانت إسبانيا في الأمس تريد الموانئ والمراكز والمناجم والسواحل، واليوم، بعدما تعذر عليها الوصول اليها، يبدو أنها اكتشفت أن الإنسان نفسه يمكن أن يصبح «ملكية استعمارية» قابلة للاسترجاع بقانون.

لكن البشر ليسوا عقارات استعمارية، والجنسية ليست سند ملكية للأرض، والتاريخ ليس مكتباً عقارياً في مدريد والأهم أن المغرب، إذا أراد أن يخوض هذه المعركة بجدية، لا يحتاج إلى اختراع تاريخ جديد؛ يحتاج فقط إلى أن يقرأ تاريخه كاملاً، وأن يقرأ وثائق خصومه أيضاً، وأن يضع الاستعمار أمام مرآته. فقد بدأت الحكاية بالخرائط، ثم صارت اتفاقيات، ثم أصبحت مناطق نفوذ، ثم مستعمرات، ثم أقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي، ثم تحولت في زمن ما بعد الاستعمار إلى قضية دولية، وها هي اليوم تكاد تتحول إلى قانون للجنسية. وما بين الخريطة والجنسية مسافة طويلة اسمها التاريخ. ومن يريد أن يختصرها بجرة قلم، عليه أولاً أن يجيب عن سؤال بسيط جداً: من كان يملك حق الكلام عندما كانت الخرائط تُرسم؟ فالمغرب كان موجوداً، وسلطانه كان موجوداً، وقبائله كانت موجودة، وأسواقه كانت موجودة، وروابطه الدينية والاجتماعية والاقتصادية كانت موجودة، والمقاومة كانت موجودة.

أما الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية، فقد جاءت لاحقاً. والذين رسموها لم يكونوا أصحاب الأرض.

كانوا أصحاب القوة والفرق بين الأمرين هو بالضبط ما يجب أن يتذكره التاريخ قبل أن يتذكره القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى