صرخة لابد منها

صرخة العدد 301 فبراير 2026/2976

أستغرب في اندهاش كبير، استمرار استعمال مصطلح “المغرب العربي” من طرف عدد كبير من السياسيين والصحفيين في خطاباتهم وتصريحاتهم، وكأن المقتضى الدستوري غير موجود. وكأنه توصيف عادي ومحايد، في حين أن دستور فاتح يوليوز 2011 حسم هذا الأمر منذ أكثر من عقد من الزمن. حيث اعتمد مصطلح “المغرب الكبير” بدل “المغرب العربي”، في إشارة واضحة إلى تجاوز الاختزال الهوياتي والاعتراف بالتعدد اللغوي والتنوع الثقافي والعمق التاريخي للمنطقة.

والسؤال الذي يطرح أمام هذه الواقعة التي تتكرر في كل مناسبة، هو هل الأمر مجرد جهل بنص دستوري يُعدّ أسمى وثيقة قانونية في البلاد؟ أم أنه تعبير عن استمرار تأثير إيديولوجية قومية عروبية ما تزال تتحكم في تصورات بعض من هؤلاء السياسيين والصحفيين؟

الجواب في اعتقادي هو، أن الفعل ليس جهلا بما ينص عليه الدستور، وان كان الامر كذلك فهؤلاء لا يستحقون ان يكونوا لا سياسيين ولا صحفيين، بل هي عقيدة أيديولوجية لا زالت تتحكم في عقولهم وتغزو نفوسهم.

ولكن الذي يجب توضيحه لهؤلاء، هو ان هذه المنظمة للأسف ومنذ اللحظات الأولى لتشكيلها، لم تبن ابدا على ما يجمع فعلاً شعوب المنطقة من تاريخ مشترك وهوية متجذرة، بل أُسست على مرجعية إيديولوجية مستوردة، هي “العروبة” بصيغتها القومية الإقصائية، التي لا تعبّر عن الواقع التاريخي والثقافي والجغرافي لشمال إفريقيا. هذا الاختيار لم يكن بريئًا، بل كان نتيجة مباشرة لتأثير الأحزاب التي حكمت بعض أنظمة المنطقة، والتي استلهمت تصوراتها من فكر حزب البعث القومي، القائم على اختزال الهوية في بُعد واحد هو العروبة، وإقصاء الأصل الذي هو الامازيغية.

لقد تم التعامل مع شمال إفريقيا كما لو أنها امتداد جغرافي وثقافي للمشرق، وتم القفز على حقيقة أساسية، وهي أن هذه المنطقة لها تاريخ ضارب في القدم، وهوية أمازيغية جامعة، سبقت كل الإيديولوجيات الحديثة. وبدل أن يكون الاتحاد إطارًا للاعتراف بالتعدد والاختلاف، تحوّل إلى مشروع مبني على وهم أيديولوجي، سرعان ما اصطدم بالواقع، فتجمّد، وفشل في تحقيق أي اندماج حقيقي.

ويُعد النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية أحد أبرز تجليات هذا الفشل. فهذا النزاع لم يكن يومًا تعبيرًا عن حق، بل نتاج حسابات إيديولوجية وسياسية لأنظمة متأثرة بالفكر القومي العروبي، استُخدم فيها الانفصال كأداة للضغط على المغرب وفصل شماله عن جنوبه، ما عطّل أي أفق حقيقي لبناء مغاربي سليم.

في هذا السياق، يبرز مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب كحل واقعي وشجاع، لا يهدف فقط إلى إنهاء نزاع إقليمي طال أمده، بل يفتح أيضًا الباب أمام مرحلة جديدة من التفكير في أسس التعاون المغاربي. فهذا المقترح، بما يحمله من روح سياسية حديثة، يمكن أن يكون مدخلًا لتجاوز أوهام الماضي، وبناء علاقات إقليمية قائمة على الاستقرار والاحترام المتبادل.

وقد أدرك المغرب، في وقت مبكر، أن الخلل لا يقتصر على السياسة فحسب، بل يمتد إلى العمق الثقافي واللغوي. لذلك جاء دستور 2011 ليضع الأصبع على الجرح، ويصحح مسارًا طويلاً من الاختزال الهوياتي. فتم التخلي عن مصطلح “المغرب العربي” لصالح “المغرب الكبير”، في دلالة واضحة على وعي تاريخي جديد، كما تم الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية ووطنية، باعتبارها قالب الهوية المغاربية.

إن ما يمكن أن يجمع شعوب شمال إفريقيا حقًا ليس العروبة التي لا أساس تاريخي ولا علمي ولا ثقافي لها بالمنطقة، بل الأمازيغية، باعتبارها لغة وثقافة وتاريخًا مشتركًا. فالأمازيغية ليست عنصر تفرقة، بل لحمة جامعة، تمتد من واحة سيوة إلى جزر الكناري، وتشكل القاسم المشترك الأعمق بين شعوب المنطقة.

لقد آن الأوان لتصحيح المسار، وبناء فضاء مغاربي جديد، يقوم على الاعتراف بالواقع بدل الهروب منه، وعلى التاريخ المشترك بدل الأوهام المستوردة.

فبدون مصالحة حقيقية مع الأمازيغية، وبدون تجاوز الإيديولوجيات الإقصائية، سيظل أي مشروع مغاربي مجرد اسم بلا مضمون.

وقديما قال الحكيم الأمازيغي:

ⴰⴽⵛⵛⵓⴹ ⵉⵇⵇⵓⵔⵏ ⴰⴷ ⵉⵊⴷⴷⵔⵏ ⵡⴰⴷ ⵉⵍⴳⴳⵯⵖⵏ
akccuD iqqurn ad ijddrn wad ilggaghn

العود اليابس هو من يحرق العود الأخضر

صرخة العدد 301 فبراير 2026/2976– جريدة العالم الأمازيغي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى