
منذ عقود، ما زال ظهير 16 ماي 1930 المنظم لسير العدالة بالقبائل ذات الأعراف الامازيغية، يُستعمل كأداة دعائية لإثارة التخويف والتشكيك في الأمازيغية، رغم أن هذا الظهير لا علاقة له بكل السرديات التي روّجت لها الحركة الوطنية التقليدية، والتي بُني جزء كبير منها على التهويل والتضليل الإيديولوجي أكثر مما بُني على القراءة القانونية والتاريخية الدقيقة للنص.
فظهير 16 ماي 1930 المنظم لسير العدالة بالقبائل ذات الأعراف الامازيغية لم يكن سوى نص تنظيمي يهدف إلى تقنين التسيير العرفي داخل بعض القبائل الأمازيغية، حفاظًا على خصوصياتها الاجتماعية والثقافية والقضائية، وهي خصوصيات كانت قائمة منذ قرون داخل المجتمع المغربي. ولم يتضمن هذا الظهير أي دعوة إلى فصل الأمازيغ عن الإسلام، ولا أي مشروع لتنصير المغاربة كما ظل يُروَّج لذلك لعقود طويلة.
بل إن أغلب ما قيل حوله كان جزءًا من صناعة خطاب سياسي استُعمل لتعبئة الشارع آنذاك، ثم تحول لاحقًا إلى “حقيقة مقدسة” داخل أدبيات بعض التيارات القومية.
والأهم من ذلك أن هذا التنظيم العرفي، الذي جرى شيطنته لعقود، يكشف اليوم عن جانب متقدم جدًا في الثقافة القانونية والاجتماعية الأمازيغية.
فالكثير من الأعراف الأمازيغية كانت تقوم على قيم العدالة الجماعية، واحترام المرأة، وصون الحق في الحياة، وتحقيق نوع من التوازن والمساواة بين الأفراد والطبقات الاجتماعية، إضافة إلى ترسيخ آليات للوساطة والصلح والتعايش داخل المجتمع. وهي قيم ما أحوج المغرب اليوم إلى استحضارها داخل ورش إصلاح العدالة وتحديث المنظومة القانونية.
بل إن جزءًا من هذه الأعراف يمكن اعتباره قوانين وضعية متقدمة مقارنة مع زمنها، وتستحق الدراسة والإدماج داخل التشريع المغربي الحديث، ليس باعتبارها مجرد تراث فولكلوري، بل باعتبارها تجربة قانونية مغربية أصيلة راكمت عبر القرون فهمًا عميقًا للعلاقات الاجتماعية ولتدبير النزاعات داخل المجتمع. فبدل الاستمرار في تقديم الأعراف الأمازيغية كرمز للتخلف والانقسام، ربما آن الأوان للاعتراف بأنها كانت في كثير من جوانبها أكثر إنصافًا وإنسانية من بعض العقليات التي ما زالت تقاوم اليوم قيم المساواة والكرامة وحقوق المرأة.
وبالعودة إلى ظهير 16 ماي 1930 الخاص بتنظيم التسيير العرفي عند القبائل الأمازيغية، فقد حاولت الحركة الأمازيغية، منذ فجر نضالاتها، إعادة فتح هذا الملف وشرح حقيقته للرأي العام. فكتب المرحوم الأستاذ محمد منيب حوله ووفق، كما كتب العديد من الباحثين والمناضلين، وقدموا محاضرات ودراسات وتدوينات يومية على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد أن ما سُمي بـ “الظهير البربري” تعرض لتحريف مقصود في تفسيره وتسويقه.
ومع ذلك، ومن الغرابة اليوم اننا مازلنا نجد استمرار بعض أيتام الأيديولوجيا البعثية والقومية في إعادة إنتاج نفس الخطاب القديم، وكأن المغرب لم يدخل مرحلة جديدة من الاعتراف الرسمي بتعدده اللغوي والثقافي والحضاري.
فبعد الاعتراف الرسمي بالأمازيغية من أعلى سلطة في البلاد، وبعد التحولات الدستورية والمؤسساتية الكبرى، ما زال البعض يصر على اجترار نفس الأكاذيب والإشاعات المبنية تارة على التدليس، وتارة أخرى على الحقد الإيديولوجي تجاه كل ما هو أمازيغي. لكن، كما أنهم لا يملّون من تكرار خطاباتهم المتجاوزة، فإن المدافعين عن الأمازيغية كذلك لن يملّوا من إعادة سرد الحقائق والإنجازات التي تحققت رغم كل محاولات العرقلة والتشويه.
لقد شكل الخطاب الملكي لأجدير سنة 2001 محطة تاريخية فاصلة، حين اعترف جلالة الملك محمد السادس بالأمازيغية باعتبارها مكونًا أساسيًا للهوية المغربية، وأعلن تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وهي مؤسسة من بين اختصاصاتها المساهمة في تصحيح وإعادة كتابة تاريخ المغرب بعيدًا عن القراءات الإقصائية الأحادية.
كما تم اعتماد حرف تيفيناغ رسميًا لكتابة اللغة الأمازيغية، في خطوة تاريخية أعادت الاعتبار لواحد من أقدم الحروف في شمال إفريقيا. ثم جاء دستور 2011 ليحسم النقاش نهائيًا عبر الإقرار بالأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها ملكًا مشتركًا لجميع المغاربة بدون استثناء، وليس لفئة دون أخرى.
ولعل من أبرز لحظات الانتصار الرمزي والتاريخي للأمازيغية، قرار جلالة الملك إقرار رأس السنة الأمازيغية عيدًا وطنيًا وعطلة رسمية مؤدى عنها.
وهو القرار الذي يحمل دلالات حضارية عميقة، لأنه يعترف بامتداد تاريخ المغرب لآلاف السنين، ويفند عمليًا تلك السردية التي اختزلت تاريخ البلاد في أربعة عشر قرنًا فقط.
فالتقويم الأمازيغي الذي يحتفل اليوم بسنة 2976 ليس مجرد تقويم فلاحي، بل شاهد على عمق هذا الوجود الحضاري الضارب في جذور التاريخ.
إن المغرب اليوم يتجه، ولو ببطء، نحو مصالحة حقيقية مع ذاته المتعددة. أما الذين ما زالوا يعيشون بعقلية التخوين والتخويف من الأمازيغية، فإنهم يجدون أنفسهم معزولين أمام التحولات العميقة التي تعرفها البلاد. فالأمازيغية لم تعد قضية هامشية أو مطلبًا فئويا، بل أصبحت خيار دولة، ومكونًا دستوريًا ومؤسساتيًا وثقافيًا لا يمكن التراجع عنه.
ومن هنا، فإن إعادة قراءة ظهير 16 ماي 1930 المنظم لسير العدالة بالقبائل ذات الأعراف الامازيغية، لم تعد مجرد معركة حول الماضي، بل هي جزء من معركة الوعي والتاريخ، ومن مواجهة كل أشكال التزييف التي استُعملت لعقود لإقصاء مكون أصيل من هوية وطننا.
وقديما قال الحكيم الامازيغي:
ⴽⵉⵖ ⴰⵖ ⵏⴹⵚⵚⴰ ⴰⵔ ⵏⵜⵜⴰⵔⴰ ⴽⵉⵖ ⴰⵖ ⵏⵟⵥⵉ ⴰⵔ ⵏⴰⵇⵔⴰ
Kigh agh nDSSa ar nttara kigh agh nTZi ar naqra
بمعنى: عند الهزار نكتب وعند الخصام نقرأ.
صرخة العدد 304 ماي 2026/2976– جريدة العالم الأمازيغي
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر