صرخة لابد منها

صرخة العدد 309 أكتوبر 2026/2976

يحمل تأكيد جلالة الملك محمد السادس، في خطابه السامي بمناسبة افتتاح البرلمان يوم الجمعة 11 أكتوبر 2026، على أن المغرب “أمة من أعرق الأمم في العالم، تحت راية ملكية عريقة، من أقدم الملكيات في التاريخ“، دلالات تتجاوز مجرد الاعتزاز بتاريخ المملكة، لتفتح المجال أمام قراءة أعمق للهوية المغربية وللأسس التاريخية والحضارية التي تقوم عليها الدولة المغربية. فحين يؤكد جلالة الملك عراقة الأمة المغربية وقِدم الملكية، فإنه يستحضر عمق الاستمرارية التاريخية للمغرب، ويؤكد أن هذا الوطن ليس نتاج مرحلة تاريخية محدودة، بل هو ثمرة مسار حضاري طويل، تشكّل عبر آلاف السنين من التفاعل بين الإنسان والأرض والثقافة والمؤسسات.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تجاوز القراءات التي تختزل تاريخ المغرب في اثني عشر قرنا، باعتبارها المدة المرتبطة ببداية الدولة المغربية في عهد الأدارسة. فالدولة، في شكلها السياسي والمؤسساتي، لها تاريخها الخاص، لكن تاريخ المغرب، في أبعاده الإنسانية والتاريخية والحضارية والثقافية، أقدم بكثير من هذا الإطار الزمني، وتمتد جذوره إلى عصور موغلة في القدم، تشهد عليها الآثار والشواهد التاريخية المنتشرة في مختلف مناطق البلاد.

إن استحضار هذه الحقيقة ليس مجرد نقاش حول الماضي، ولا محاولة لإعادة ترتيب الأحداث التاريخية، بل هو مدخل لفهم الحاضر وبناء المستقبل. فالأمم التي تعرف تاريخها في شموليته تكون أقدر على فهم ذاتها، وتعزيز ثقتها بنفسها، وتحصين وحدتها. والاعتزاز بتمغربيت لا يستقيم مع اختزال تاريخ الوطن أو إقصاء أحد مكوناته الأصيلة، بل يقتضي الاعتراف بكل ما أسهم في بناء شخصيته الحضارية، وفي مقدمة ذلك الجذور الأمازيغية العريقة التي تشكل أساساً أصيلاً من أسس الهوية المغربية.

وفي هذا السياق، يكتسي شهر أكتوبر دلالات خاصة في تاريخ المغرب الحديث؛ ففيه نستحضر الخطاب الملكي بأجدير، الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس يوم 17 أكتوبر 2001، وفيه نحتفي بعيد الوحدة، الذي أقره جلالته في 4 نونبر 2025، تخليدا لهذه المناسبة الوطنية المرتبطة بالقرار الأممي رقم 2797 الصادر سنة 2025. وبين المناسبتين رابط أساسي يتمثل في وحدة الوطن، ليس فقط باعتبارها وحدة ترابية، بل أيضاً باعتبارها وحدة “تامونت” تقوم على التاريخ والهوية والانتماء المشترك.

وفي قراءتي الشخصية، أرى في ذكرى خطاب أجدير مناسبة للاحتفاء بما أسميه “تفوكلا ن تامونت“، أي عيد الوحدة باللغة الأمازيغية. وهو تصور أطرحه انطلاقا من قناعتي بأن خطاب أجدير لم يكن مجرد محطة للاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين، بل شكل بداية مرحلة جديدة في علاقة الدولة المغربية بهويتها الأمازيغية، ومهد لمسار سياسي ومؤسساتي توج بدسترة الأمازيغية لغة رسمية للدولة سنة 2011. لقد حمل خطاب أجدير رسالة وطنية واضحة مفادها أننا لا يمكن بناء مغرب موحد دون الاعتراف بهويته الأمازيغية والإنصاف لها. فالأمازيغية ليست قضية فئة من المغاربة، ولا شأنا خاصا بالناطقين بها، بل هي جزء أصيل من تاريخ المغرب وهويته، ومسؤولية وطنية مشتركة بين جميع المغاربة. ومن هذا المنظور، فإن “تامونت” ليست مجرد كلمة أمازيغية تعني الوحدة، بل هي فكرة سياسية ومجتمعية تقوم على أن الوحدة الحقيقية تبدأ بالاعتراف، وأن الانتماء إلى الوطن يقوى حين يشعر كل مواطن بأن هويته ولغته وثقافته تحظى بالاحترام داخل مؤسسات بلاده.

ومن هنا تلتقي دلالة “تامونت“، كما أقرأها في ذكرى خطاب أجدير، مع دلالة عيد الوحدة. فإذا كان هذا العيد يجسد الارتباط بالأرض وصيانة الوحدة الترابية للمملكة، فإن تامونت تجسد الوحدة القائمة على الاعتراف بالهوية الأمازيغية والإنصاف لها. فالأرض ليست مجرد حدود على الخريطة، والوطن ليس مجرد مجال جغرافي نعيش فوقه، إنهما تاريخ وذاكرة وهوية وعلاقات إنسانية تتوارثها الأجيال. وكلما عرف الإنسان تاريخ أرضه، وفهم هويته، وشعر بأن وطنه يعترف به، ازداد ارتباطا به واستعدادا للدفاع عنه والمساهمة في بنائه.

وبعد خمسة وعشرين عاما على خطاب أجدير، يصبح هذا النقاش أكثر إلحاحا. فهذه الذكرى ليست مجرد مناسبة لاستعادة خطاب ملكي شكل منعطفا في تاريخ القضية الأمازيغية، بل فرصة لتقييم ربع قرن من التحولات السياسية والمؤسساتية والثقافية، والوقوف عند ما تحقق من مكتسبات، وما لا يزال ينتظر التنفيذ.

إن الرسالة التي تجمع بين استحضار عراقة الأمة المغربية، والاحتفاء بعيد الوحدة، واستعادة خطاب أجدير بعد خمسة وعشرين عاما، هي أن قوة المغرب لا تقوم فقط على استمرارية مؤسساته ووحدة ترابه، بل كذلك على عمق جذوره الحضارية، وعدالة سياساته، ووعي أبنائه بتاريخهم المشترك. فالدفاع عن الوحدة الترابية يتكامل مع ترسيخ الوحدة الوطنية، وهذه الأخيرة لا تكتمل إلا بالاعتراف بتاريخ المملكة العميق والاعتراف بهويته الامازيغية وثقافته المتنوعة والإنصاف لها.

إن الاعتزاز بتمغربيت يقتضي أن نكون واضحين في فهمنا لتاريخ المغرب، وأن نتحرر من كل قراءة تختزل جذوره أو تنتقص من أحد مكوناته الأصيلة. كما يقتضي أن نجعل من الأمازيغية، باعتبارها لغة رسمية وركنا أساسيا من الهوية الوطنية، لغة حاضرة في المؤسسات والخدمات والحياة العامة، لا مجرد موضوع للاحتفاء في المناسبات.

وبعد ربع قرن من خطاب أجدير، تظل تامونت أكثر من فكرة للاحتفال بذكرى تاريخية؛ إنها أفق لبناء مغرب يتصالح مع تاريخه، ويعتز بهويته، ويحمي وحدته، ويجعل المساواة والإنصاف أساس العلاقة بين الدولة والمواطن. فالوطن لا يبنى بالأرض وحدها، بل بالإنسان الذي يعرف من يكون، ويعرف تاريخ الأرض التي ينتمي إليها، ويشعر بأن وطنه يحترم هويته ويصون كرامته.

إن الرسالة التي تجمع بين مناسبات أكتوبر ودلالاتها هي: أن وحدة التراب تحتاج إلى وحدة الشعب، وأن وحدة الشعب تتقوى بالاعتراف والإنصاف، وأن الاعتزاز بتمغربيت يبدأ بمعرفة تاريخ المغرب واحترام هويته. ومن هنا، فإن استكمال ورش الأمازيغية ليس مجرد وفاء لخطاب أجدير، بل هو وفاء لفكرة المغرب الموحد، الذي يستمد قوته من عراقة تاريخه، وغنى هويته، وتماسك أبنائه، وقدرته على تحويل الاعتراف الدستوري إلى واقع ملموس.

إن “تامونت” التي ندعو إليها هي وحدة الاعتراف والكرامة والمواطنة، و«تمغربيت» التي نعتز بها هي انتماء لا يكتمل إلا بمعرفة الذات واحترام الآخر. وبينهما تتحدد ملامح مغرب المستقبل: مغرب موحد بأرضه، متماسك بشعبه، ومتصالح مع هويته الأمازيغية وتاريخه العريق.

وقديما قال الحكيم الأمازيغي:

Adday akk ttnghl,
smun aynna mi tghit
ⴰⴷⴷⴰⵢ ⴰⴽⴽ ⵜⵜⵏⵖⵍ,
ⵙⵎⵓⵏ ⴰⵢⵏⵏⴰ ⵎⵉ ⵜⵖⵉⵜ

بمعنى: اذا ما تشتت أمورك فاجمع منها ما استطعت ولا تتخلى عنها كلها

صرخة العدد 309 أكتوبر 2026/2976 – جريدة العالم الأمازيغي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى