
أسماء حجاج : صحافية متدربة
شهد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط، يوم الأربعاء 08 أبريل، محطة استثنائية ضمن فعاليات اليوم الثالث لملتقى “الكتابة الروائية”، والتي لم تكن مجرد فعالية بروتوكولية، بل تحولت إلى “مختبر استراتيجي” لإعادة هندسة الوعي بالهوية الوطنية. إن هذا اللقاء يمثل ضرورة ملحة في سياق مراجعة الأدوار الوظيفية للسرد المغربي، بوصفه أداة لترميم الملامح التي طمسها التهميش التاريخي والجغرافي.
اختُتمت في العاصمة فعاليات الندوة المخصصة للمنجز الروائي، متمحورة حول تجربة الروائي عبد الكريم الجويطي. وبحضور نخبة من النقاد، تحول الحدث من رصد إخباري بارد إلى “مكاشفة أركيولوجية” تهدف إلى استرجاع السيادة الثقافية عبر عدسة السرد. تمحورت المداخلات حول دور “المخيال” في ترميم الهوية، ومفهوم الرواية كـ “حفرية معرفية” قادرة على استكمال ملامح وجهنا الوطني التي شوهتها السرديات الأحادية. أكد الجويطي خلال اللقاء أن استعادة الذات تبدأ من نبش التاريخ المنسي ومواجهة قطيعة الجغرافيا، معتبراً أن الرواية هي الحصن الأخير ضد “كتائب الخراب” التي تحاول اغتيال التعدد الثقافي المغربي.
يمثل مشروع الجويطي انتقالاً استراتيجياً في مسار الرواية المغربية؛ فهو يخرج بها من “فخ السيرة” الذاتية الضيقة ليؤسس لما يمكن تسميته بـ “الأمن القومي للذاكرة”. إن تحويل السرد إلى أداة لنبش التاريخ الجمعي ليس ترفاً جمالياً، بل هو فعل “مؤسساتي” يهدف إلى دمج الأجزاء المبتورة من الهوية في صلب الوعي المعاصر.
وفقاً لنظرة الناقد محمد جليد، استطاع الجويطي أن يجمع المخيال الجماعي من خلال:
إضعاف « المركزية الذاتية » : الانتقال من صدى الفرد إلى « الأسبقية المعقدة » للتاريخ، حيث تتحول الكتابة إلى « علم الآثار المعرفي » (Archeology of Knowledge) الذي يستكشف تفاعلات المجتمع الشعبي.
الانتصار لجوهر الوجود المتعدد: التصدي لأحادية « الصوت الواحد » الإكراهي من خلال دمج الأبعاد الأمازيغية، الشرقية، والإفريقية في سرد موحد ومتكامل.
طبقة « وماذا بعد؟ » : إن هذا الأسلوب الأركيولوجي يحول الحكاية إلى « مرآة استراتيجية » تعكس للمجتمع المغربي ملامحه الخفية. إنها عملية « تطهير ذهني » للحقائق الزائفة، تفرض على القارئ مواجهة واقعه الجغرافي والعرقي بلا أقنعة. كما أن تحرير الفرد يبدأ من استكشاف ذاكرته، فإن تحرير الجغرافيا يعد المدخل الأساسي لاسترداد السيادة على المكان.
الأمازيغية كجذر.. والحرية كتسمية للأشياء
خلصت الرؤية الاستراتيجية لهذا المؤتمر إلى أن اللغة الأمازيغية في الأدب الروائي المغربي ليست حصراً هوياتياً، بل هي « الجذر » الذي يمنح الشرعية للوجود. كما هو الحال في استعارة «الشجرة»، فإن اللغة الأمازيغية تمثل الجذور المتعمقة في الأرض، بينما تمثل اللغتان العربية والكونية الأغصان التي تسعى إلى بلوغ النور؛ فلا يمكن أن تستمر الأغصان التي قطعت جذورها.
النداء الاستراتيجي: إن تنبيه الجويطي حول « كتائب الخراب » التي تفرض الصوت الواحد هو دعوة ملحة للمصالحة الوطنية مع الذات. الرواية، في جوهرها، هي فعل حرية ينطلق من «الشجاعة لتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية» وتطهير الذاكرة من زيف السرديات المفروضة.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
