علي الإدريسي: الاستعمار ساهم في صناعة التوتر التاريخي بين المغرب والجزائر
ويؤكد أن الاستعمار ساهم في صناعة التوتر التاريخي، وأن الاستعمار الأوروبي القديم ما يزال يتلاعب بموضوع استرجاع المغرب لصحرائه، منذ نصف قرن من الزمن. ويبرز الإدريسي أهم الخلفيات التي تقف وراء حلق الجزائر لكيان وهمي في الصحراء واستماتتها في الدفاع عن الحدود الجغرافية الموروثة عن الاستعمار.
حاوره: جمال بورفيسي
*** اشتغلتم كثيرا على العلاقات المغربية الجزائرية، وفي آخر كتبكم المعنون بـ” العلاقات المغربية الجزائرية بعد الاستقلال رؤية مغايرة”، أثرتم العديد من القضايا المرتبطة بالموضوع. نود أن نطرح عليكم السؤال حول أسباب التوتر “التاريخي” بين المغرب والجزائر وانعكاساته على تنمية البلدين والمنطقة؟
يبدو أن انعكاسات توتر العلاقات المغربية الجزائرية أو الجزائرية المغربية يشكل عائقا كبيرا أمام تنمية البلدين لصالح شعبي البلدين؛ فالميزانيات الضخمة لدعم المواجهة وترسيخها بين البلدين الجارين، بدل توظيفها في مجالات التنمية الاجتماعية كالتعليم النوعي والنافع، والقضاء على الأمراض المعوّقة لسلامة المجتمع؛ السلامة التي هي أساس التطور الفاعل، والعمل المنتج للثروة وتحقيق العيش الكريم لجميع المواطنين، قصد الوصول عمليا إلى تحقيق “المواطنة”…
أما الأسباب التاريخية التي يشير إليها سؤالكم، سواء تعلق الأمر بتوتر ما بعد الاستقلال، أو ما تردده أقلام جزائرية من خيانة السلطان عبد الرحمان للأمير عبد القادر الجزائري الإدريسي، أو إلى اعتناق ثقافة عداء الدولة المرينية المغربية والدولة الزيانية في الجزائر لبعضهما البعض، عقب انهيار “الدولة الموحدية”، بل إن العقيدة الجزائرية تتهم المغرب بأنه كان يساعد روما للقضاء على ملوك وأمراء نوميديا (الجزائر الحالية). ولا يزال الإعلام الرسمي وشبه الرسمي في الجزائر يتهم المغرب بعشرات التهم والمؤامرات على الجزائر، وصل الأمر إلى اتهام المغرب بإحراق غابات منطقة القبائل وسط الجزائر، وإلى التلاعب بعشب ملاعب كرة القدم.
وفي المقابل يذهب المغرب إلى اعتبار الجزائر مجرد وريث للاستعمار في مسألة الأراضي التي نزعتها فرنسا غصبا من الإمبراطورية المغربية، وهي أراضي شاسعة في الصحراء. بحيث أن فرنسا كانت تستولي على كل مساحة أرضية ترى أنها غنية بثروات باطنية. علما أن شارل ديغول رئيس فرنسا ومؤسس الجمهورية الخامسة ذكر في مذكراته المعنونة بـ”الأمل” أن استعمار الجزائر ساعد فرنسا “على التسلل إلى الصحراء”.
زعمت السلطات المغربية بشأن الأراضي التي استولت عليها فرنسا بوجود اتفاق مع الحكومة المؤقتة الجزائرية لمناقشة موضوع الحدود الموروثة عن الاستعمار، بعد استقلال الجزائر.
غير أن الجزائر المستقلة رفضت أي حوار أو مفاوضات عن تلك الحدود؛ الأمر الذي “قيل” إنه كان وراء اندلاع أول حرب بين الدولتين المستقلتين سنة 1963. وعندما استعاد المغرب الصحراء الغربية من إسبانيا سنة 1975 قامت الحرب الثانية في أمكَالا سنة 1976، ثم حرب ثالثة بالوكالة عن طريق “البوليساريو” استمرت 15 سنة؛ الحرب التي لا تزال عواقبها تُكهرب العلاقات المغربية الجزائرية، بل العلاقات المغاربية كذلك. ويبدو أن الجزائر المستقلة كان لها هدفان كبيران، ولا يزالان” من الدفاع المستميت والمقدس عن الحدود الموروثة عن الاستعمار:
أولهما، حرمان المغرب من حدوده التاريخية التي يسميها الدستور المغربي ” الحدود الحقة”. وقد لاحظ الجميع كيف وقفت الدولة الجزائرية إلى جانب إسبانيا في موضوع جزيرة تورة أو ليلى سنة 2002، بهدف تقزيم المغرب، ومنح الجزائر “القارة” الحق في قيادة أقطار شمال إفريقيا وحدها دون منازع.
ثانيهما، خلق دولة متحكم فيها وهي دولة ” الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية الشعبية”، وفقا لأهداف الجزائر للوصول إلى المحيط الأطلسي وقيادة دول الساحل الإفريقي بالتالي.
وهناك أسباب أخرى لا يتسع لها هذا الحوار. لكن ما يمكن استخلاصه من تتبع مسار توتر العلاقات المغربية الجزائرية، فإنه يمكن استخلاص التالي:
أن الدولتين المستقلتين عجزتا عن اقتراح الحلول للمشكلات التي أوجداها بأنفسهما، وكأن عمليات الطرح انتصرت انتصارا كاملا ونهائيا على عمليات الجمع؛ إذ نراهما تعملان على تحقيق أهدافهما السياسية بحسابات زمنية قابعة في أقبية الماضي والتاريخ، بعيدة عن الزمن الحاضر للشعوب المغاربية. ومن هذه الزاوية لا يمكننا إلا أن نقول: إن من يحاول حل مشكلات الحاضر باستدعاء حلول من الماضي الميّت هو ماضوي الوجود والأبعاد. ولذلك يحاول هذا أو ذاك التشبث بالماضي ثقافة وحضارة باعتبارهما ملكا له ولعبقرية شعبه وحده.
*** يرى العديد من الملاحظين أن النزاع الذي افتعلته الجزائر في الصحراء المغربية هو السبب الرئيسي في توتر العلاقة بين البلدين، ما رأبكم؟ وكيف تقيمون آفاق تطور العلاقات الثنائية؟ وهل تتوقعون انقشاع غيوم التوتر؟
بالنسبة للقسم الأول من سؤالك، يرى أصحاب “رؤى مغايرة” أن الدولة المغربية المستقلة تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية عن النزاع، أو مشكلة الصحراء المغربية، ذلك ما يفهم من مصادر مغربية بالدرجة الأولى فمذكرات أحد قادة جيش التحرير المغربي والمقاومة المرحوم الغالي العراقي ، وتصريحات الفقيه البصري وغيرهما تذكر أن جيش التحرير المغربي لم يرخص له باستكمال تحرير الصحراء بعد استقلال 1956، ولا يزال التاريخ يذكر المغاربة بتصريح محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1957 من داخل السفارة المغربية بالقاهرة ، الذي جاء فيه “إن المغرب لا يستطيع أن يعيش بدون صحرائه”، وركز فيه على أن الاستقلال الذي زعمت فرنسا أنها ناولته المغرب ليس استقلالا كاملا، بل هو ناقص من أطرافه.
يبدو أنه بسبب حرمان جيش التحرير من استكمال تحرير المغرب تحريرا كاملا هو السبب الأهم الذي جعل بعض كبار جيش التحرير المغربي يلجؤون إلى الجزائر في بداية استقلالها، أملا في مساعدتهم على تحرير الصحراء. وعندما اكتشفوا سنة 1975 حقيقة الدولة الجزائرية المستقلة من تحرير المغرب للصحراء الغربية رحلوا كلهم عن الجزائر…
إن الطمع قد يغري بالسرقة، ولكن الفشل يقود إلى الانتحار.
أما بالنسبة لآفاق العلاقات بين المغرب والجزائر، فإنه لا يتوقف لا على أوروبا أو أمريكا، وإنما يتوقف أساسا على إمكان انتقال مؤسسات الدولتين من وضعية اتقان “حلول الطرح أو النقص” إلى وضعية “البحث عن حلول الجمع أو القواسم المشتركة النافعة” لكليهما. ولا يمكن أن تكون من جانب واحد. وإذا لم تكن هنالك إرادة سياسية مشتركة، والتخلي عن ثقافة التفوق عن الجار، سيكون على الدولتين والشعبين انتظار ظهور جيل آخر أقل ميلا إلى ثقافة الإنقاص من قيمة الآخر، ومن معتقدات إخضاعه قهرا، بل يكون قادرا على أن ينظر إلى السياسات النافعة والقواسم المشتركة الجامعة، وليس إلى الاعتقاد بأن لا شيء سيكون في شمال إفريقيا إلا بإذن معين…
بالنسبة للقسم الثالث من سؤالك عن إمكان انقشاع التوتر؟ نعلم جميعا أن التوتر التاريخي ساهم الاستعمار في صناعته، ولا يزال الاستعمار الأوروبي القديم يتلاعب بموضوع استرجاع المغرب لصحرائه، منذ نصف قرن من الزمن. ويبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى إبعاد الاستعمار القديم عن موضوع الصحراء، وتقنعنا بأنها تمتلك مفاتيح انقشاع غيوم التوتر بين المغرب والجزائر. وهل يعني هذا الوعد أو الأمل أننا لا زلنا غير قادرين على حل مشكلاتنا بأنفسنا؟ او يعني شيئا وأشياء أخرى أسوأ؟
*** والحال هذه بين أهم قطرين من أقطار المغرب الكبير، هل يمكن إحياء الاتحاد المغاربي، وما هي شروط إحيائه في نظركم؟
عاشت منطقة تامزغا، أو الغرب الإسلامي، أو أقطار المغرب الكبير، أسماء متعددة لكيان واحد عبر التاريخ. وكانت هنالك تجربة اتحادية وحيدة في تاريخها الذاتي، هي تجربة “الدولة الموحدية”، التي أسسها الفقيه المغربي الأمازيغي من جبال الأطلس هو المهدي بن تومرت في القرن الثاني عشر الميلادي، التي وحدت كل الغرب الإسلامي، وفي أقل من قرن زمني واحد تهدم هذا المغرب الكبير وتمزق إلى وضع لا تزال آثاره تشكل ما يسمى في معجم دولنا الحالية “الدول الوطنية” كما هو معروف. ويريد البعض أن يزيد الخرق على الراقع. لذا يمكن وصف الاتحاد المغاربي الموحدي بأنه شبيه بما يسمى “بيضة الديك”.
أما شروط إحيائه، فإن أهل الاستبصار والقلب الذكي يرون أن شروط إحيائه لا تختلف عن الشروط التي أشرنا إليها في الجواب عن سؤالك الثاني.
*** تتنامى أخطار التجزئة والانقسام في القارة الإفريقية، وفي منطقة الساحل بصفة خاصة، ألا تعتقدون أن اقتراح الحكم الذاتي المغربي يمكن أن يكون إطارا يحتذى به لحل كثير من النزعات الانفصالية والتقسيمية؟
يقال في الأديان: إن الأعمال بالنيات، أما في الخطط السياسية فيُفضّل القول: إن صدق النيات يتم بالأعمال؛ والناس تنتظر أن ترى اقتراح الحكم الذاتي المغربي على أرض الواقع، ووفقا لذلك سيكون نموذجا يحتذى به ،أو يحتذى بغيره، خاصة وأن النظام السياسي العالمي يموج بنماذج متعددة من الحكم الذاتي. ولذلك نعتقد بأن مناطق كثيرة في إفريقيا تترقب نموذج الحكم الذاتي المغربي الفعلي.
أما ما تعيشه شعوب جل الدول الإفريقية من نزوعات سلطوية، ونزاعات سياسية، فهي، كما نعرف جميعا، نتاج مزدوج من الثقافة القبلية التي لا تزال سائدة في غياب سياسة المواطنة، ومن الجرائم الاستعمارية في “صناعة” الدول الإفريقية غير المتجانسة إثنيا وتدبيريا، كأهداف استراتيجية من أجل ضمان استمرار التحكم فيها بعد الاستقلال الناجم عن وقائع ما بعد الحرب العالمية الثانية، واستمرار استغلال ثرواتها.
إن الدول الإفريقية عجزت عن إيجاد الحلول لمخلفات الاستعمار، ولغواية السلطة وريعها عند ورثة الاستعمار، وتنتظر الحلول لمعضلاتها من الذي خطط لها ليستفيد من مشاكلها. ونعتقد جازمين بأن حلول معانات شعوب الساحل الإفريقي وغيرها من الشعوب الإفريقية لا يمكن أن تأتي من استنساخ أو اقتباس نماذج سياسية خارجية، وهي تعيش “ملتزمة” بالخضوع لإملآت وخطط الاستعمار المباشر القديم، وتوجيهات الاستعمار الجديد.




