علي شوهاد: الأغنية الأمازيغية ليست مجرد لحن.. إنها ذاكرة وهوية ومقاومة ثقافية
من خلال تجربتي “إزماز” و”أرشاش”، ثم عبر مساره الفردي، ظل علي شوهاد وفيا لرهانه الإبداعي القائم على الجمع بين أصالة التراث الأمازيغي وروح التجديد، فنسج أعمالا حملت نبض الأرض، وصوت الإنسان، وذاكرة الثقافة الأمازيغية في مختلف تجلياتها.
في هذا الحوار، نستعيد معه محطات البدايات الأولى، وظروف نشأة المجموعات الغنائية الأمازيغية في سبعينيات القرن الماضي، كما نتوقف عند أبرز التحديات التي واجهت جيله، وعلاقته بالشعر والهوية، ورؤيته لواقع الأغنية الأمازيغية اليوم، وعن آفاق مشاريعه الفنية المقبلة.
الأغنية الأمازيغية ليست مجرد لحن.. إنها ذاكرة وهوية ومقاومة ثقافية
بداية، من يكون علي شوهاد كما يحب أن يقدم نفسه للجمهور؟
أنا علي شوهاد، من مواليد أواخر سنة 1957، أنحدر من قبيلة إيبركاك بقيادة إسافن بإقليم طاطا. أعتبر نفسي ابن البيئة الأمازيغية التي نشأت فيها، ومنها استمددت لغتي وثقافتي وحسي الفني. لقد ظل ارتباطي بالأرض والإنسان والهوية مصدر إلهام دائم في مساري الشعري والغنائي.
متى اكتشف علي شوهاد علاقته بالشعر والغناء؟ وهل كان الطريق إلى الفن سهلا في تلك المرحلة؟
في الحقيقة، لم أكتشف الموهبة في مرحلة معينة من حياتي، بل رافقتني منذ الطفولة. نشأت وسط بيئة تحتفي بالشعر وفن أحواش، وكانت قبيلة إيبركاك معروفة بهذا الإرث الثقافي، ما ساهم في تنمية موهبتي وصقلها.
أما الطريق إلى الفن فلم يكن سهلا. فكل تجربة فنية جادة تتطلب الصبر والمثابرة والتضحية. كانت البدايات صعبة بسبب الظروف الاجتماعية ومحدودية الإمكانيات، لكن الإيمان بالفن والرغبة في التعبير كانا أقوى من كل العقبات.
ما الذي دفعكم إلى تأسيس مجموعة “إزماز” في البداية، ثم لاحقا تجربة “أرشاش”؟ وما الذي ميز كل محطة منهما؟
جاء تأسيس مجموعة «إزماز» نتيجة رغبة مشتركة لدى مجموعة من الشباب في تقديم تجربة فنية جديدة تعبر عن جيلها وتطلعاته. كنا متأثرين بتجارب رائدة مثل ناس الغيوان وجيل جيلالة، ثم بمجموعة أوسمان التي ظهرت حوالي سنة 1975.
وقد كانت أوسمان من أوائل المجموعات التي فتحت الطريق أمام الأغنية الأمازيغية بصيغة جماعية حديثة، ومنحت الشباب الأمازيغي الثقة في قدرته على التعبير عن قضاياه وأفكاره من خلال هذا اللون الفني. ثم جاءت تجربة «إزنزارن» التي كان لها بدورها أثر كبير فينا.
عندما أسسنا «إزماز» كنا مقتنعين بضرورة امتلاك هوية فنية خاصة، لذلك لم نسع إلى تكرار التجارب السابقة، بل حاولنا تقديم رؤية مختلفة تجمع بين روح الروايس والتراث الموسيقي الأمازيغي من جهة، والأغنية الجماعية الحديثة من جهة أخرى. وكان إدخال آلة الرباب من أبرز ملامح هذا الاختيار الفني.
لاحقا، وبفعل قناعات فنية ورغبة في توسيع آفاق الإبداع، انفصلت عن تجربة «إزماز» وأسست مع رفاق آخرين مجموعة «أرشاش»، التي أصدرت أول ألبوماتها سنة 1980 واستمرت إلى غاية سنة 2003. ومنذ ذلك الحين واصلت مساري الفني بشكل مستقل.
خلال هذا المسار الفني الطويل، ما أبرز التحديات أو اللحظات الصعبة التي واجهتك، سواء فنيا أو إنسانيا؟
كانت التحديات كثيرة ومتنوعة. أولها مرتبط بظروف الحياة اليومية، إذ كان كل واحد منا منشغلا بعمله ومهنته لتأمين لقمة العيش. في تلك الفترة لم نكن نفكر في الاحتراف الفني أو في جعل الفن مصدراً للرزق، بل كنا نمارسه بدافع الشغف والقناعة.
ومن الضروري هنا تصحيح بعض المعطيات المتداولة حول البدايات الأولى لمجموعة «إزماز». فالتشكيلة المؤسسة ضمت المرحوم الأستاذ بليزيد، وعلي شوهاد، وعبد الله العورفي، وباحسون أمشتال، وإبراهيم كوك، وعضو كان يعرف بـ«جاكوم علي» المنحدر من مدينة إفران، إضافة إلى لحسن سالم ومحمد دامو.
كما واجهنا صعوبة التوفيق بين متطلبات العمل والحياة اليومية وبين الالتزام الفني، إضافة إلى نظرة اجتماعية كانت متحفظة تجاه الفنان في تلك المرحلة. غير أن هذه النظرة تغيرت تدريجيا مع مرور الوقت، وأصبح المجتمع أكثر وعيا بقيمة الفن ودوره الثقافي.
ومن اللحظات التي أعتز بها أيضا زيارات الشاعر الكبير محمد مستاوي لنا خلال لقاءاتنا بمدينة الدار البيضاء. فقد كان بالنسبة إلينا أبا روحيا وداعما معنويا مهما، يشجعنا على الاستمرار دون أن يفرض علينا أي توجه أو وصاية فنية.
أعمالك تحمل نفسا شعريا واضحا وارتباطا قويا بالهوية، فهل ما يزال الشعر بالنسبة لك وسيلة للمقاومة وحفظ الذاكرة الأمازيغية؟
بالتأكيد. منذ البداية اخترنا أن يكون فننا ملتزما ويحمل رسالة واضحة، وكان هذا الالتزام يتجلى أساسا في النصوص الشعرية التي نقدمها. لقد كان الوعي بالهوية الأمازيغية هاجسا مركزيا في مشروعنا الفني، لأننا كنا نؤمن بأن الفن والهوية وجهان لعملة واحدة.
فالإنسان يغني بلغته ويعبر بلغته، واللغة في حد ذاتها هوية. كما أن العادات والتقاليد واللباس والقيم تشكل جميعها عناصر أساسية في بناء هذه الهوية. لذلك حرصنا على أن تعكس نصوصنا هموم الإنسان الأمازيغي وتطلعاته وأحلامه.
وكان الشعر بالنسبة إلينا دائما وسيلة للمقاومة الثقافية وحفظ الذاكرة الجماعية. كما كنا حريصين على صون اللغة الأمازيغية ومصطلحاتها الأصيلة، والمحافظة على المقامات الموسيقية التراثية التي تميز الأغنية الأمازيغية، وفي مقدمتها المقامات المرتبطة بفن الروايس وأحواش.
كنا ننظر إلى الأغنية الأمازيغية باعتبارها أكثر من مجرد لحن أو كلمات، إنها وعاء للذاكرة الجماعية، وحاملة للتاريخ والقيم والعادات والتقاليد، وجسر يربط الماضي بالحاضر ويضمن استمرارية الهوية عبر الأجيال.
من أين تستمد صورك الشعرية ومواضيع أغانيك؟ وهل ما تزال الأرض والإنسان والذاكرة تشكل منابع أساسية لإبداعك؟
مصادر الإلهام الأساسية بالنسبة إلي هي الإنسان والأرض والذاكرة. فالشاعر لا يعيش خارج مجتمعه، بل يستمد مادته الإبداعية من الحياة اليومية ومن هموم الناس وأحلامهم وقضاياهم.
وظلت الهوية الأمازيغية، بما تحمله من لغة وثقافة وعادات وتقاليد، حاضرة بقوة في أعمالي الشعرية والغنائية لأنها تمثل جزءا من ذاتي ومن رؤيتي للعالم.
كيف تنظر اليوم إلى واقع الأغنية والشعر الأمازيغيين؟ وهل ترى أن الفنان الأمازيغي يحظى بما يستحقه من اهتمام ومواكبة؟
أعتقد أن الحكم النهائي يبقى من اختصاص النقاد والباحثين، لكن يمكن القول إن الأغنية الأمازيغية عرفت تحولات مهمة عبر العقود الماضية.
فبعد مرحلة الازدهار التي شهدتها السبعينيات، مرت الساحة الفنية بفترة تراجع واختفى عدد من المجموعات، قبل أن تستعيد حيويتها تدريجيا. واليوم هناك اهتمام أكبر بالأغنية الأمازيغية، كما أصبح الفنانون يستفيدون من آليات أفضل لحماية حقوقهم والاعتراف بإسهاماتهم.
ومع ذلك، ما زلنا في حاجة إلى نقد فني جاد ومواكبة ثقافية وإعلامية تواكب حجم ما راكمته الأغنية الأمازيغية من تجارب وإبداعات.
كيف استقبلت خبر تكريمك من طرف أمير الشارقة؟ وماذا يعني لك هذا الاعتراف الثقافي على المستوى الشخصي والرمزي؟
تلقيت هذا التكريم بكثير من الاعتزاز والامتنان، لأنه لا يخص علي شوهاد وحده، بل يمثل تقديرا لمسار فني وثقافي طويل وللأغنية والشعر الأمازيغيين عموما.
مثل هذه المبادرات تمنح الفنان إحساسا بأن جهده لم يذهب سدى، كما تؤكد أن الثقافة الأمازيغية قادرة على الوصول إلى فضاءات عربية ودولية واسعة وتحظى بالتقدير الذي تستحقه.
لكن ما أعيبه خلال هذا الحدث هو التعتيم الإعلامي الذي رافقه، إذ لم يكتشف الجمهور وبعض الفاعلين الثقافيين المغاربة خبر هذا التكريم إلا بعد مرور نحو ستة أشهر على حصوله.
هل هناك مشاريع أو أعمال فنية جديدة تشتغل عليها حاليا، ويمكن للجمهور انتظارها قريبا؟
الفنان لا يتوقف عن الحلم والإبداع. ما زلت أشتغل على عدد من المشاريع الفنية والشعرية التي أطمح إلى إخراجها إلى النور قريبا، مع الحرص على الحفاظ على روح الأغنية الأمازيغية الأصيلة والانفتاح في الوقت نفسه على آفاق جديدة للتجديد والتطوير.
في الختام، كلمة حرة توجهها للجمهور ومحبي الكلمة الأمازيغية الأصيلة.
أتوجه بالشكر إلى جريدة «العالم الأمازيغي»، وإلى جميع العاملين بها على جهودهم في خدمة الثقافة الأمازيغية.
كما أحيي جمهوري الكريم وكل عشاق الأغنية الأمازيغية، لأن الجمهور يظل الشريك الحقيقي في نجاح أي تجربة فنية واستمرارها. وأدعو الجميع إلى مواصلة دعم الفنانين والمبدعين، والمحافظة على لغتنا وثقافتنا وهويتنا، باعتبارها مسؤولية جماعية تقع على عاتقنا جميعا.
حاوره: خيرالدين الجامعي






