أخبار العالم الأمازيغيكتاب وآراء

الأستاذ رشيد أنير العكيد.. رحلة رقمية في خدمة اللغة الأمازيغية

ⴰⵙⵍⵎⴰⴷ ⵕⴰⵛⵉⴷ ⴰⵏⵉⵔ ⵍⵄⴳⵉⴷ..... ⴰⵎⵓⴷⴷⵓ ⵏ ⵓⵎⵓⵟⵟⵓⵏ ⴳ ⵜⵏⴰⴼⵓⵜ ⵏ ⵜⵓⵜⵍⴰⵢⵜ ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية إحدى أهم وسائل التعليم والتواصل، برز اسم الأستاذ رشيد أنير العكيد، أستاذ مادة اللغة الأمازيغية، كأحد الفاعلين التربويين الذين آمنوا بأن مستقبل اللغة الأمازيغية، بوصفها لغة رسمية دستورية في المغرب، مرتبط بحضورها القوي في الفضاء الرقمي. فمنذ سنوات، انخرط العكيد في مشروع تربوي طموح يهدف إلى تسهيل تعلم اللغة الأمازيغية لدى مختلف الفئات، من خلال سلسلة من التطبيقات الرقمية التفاعلية الموجهة للتلاميذ والمتعلمين على حد سواء، بل وتجاوز ذلك أحيانا إلى توظيف اللغة الأمازيغية في معالجة قضايا تربوية واجتماعية حساسة كظاهرة التنمر المدرسي.
بداية المسيرة: من قاعة الدرس إلى الشاشة الرقمية

انطلقت تجربة الأستاذ العكيد، الذي عمل كأستاذ ومؤطر ورشة اللغة الأمازيغية بمركز التفتح للتربية والتكوين بمدينة سلا، من ملاحظة ميدانية بسيطة: أن تعلم اللغة الأمازيغية يحتاج إلى وسائط رقمية جذابة تواكب التطور التكنولوجي وتصل إلى وجدان المتعلمين الصغار. وقد اعتمد في تصميم تطبيقاته الأولى على إمكانياته الذاتية ومعارفه الشخصية، مستعينا باستشارات موسعة مع أساتذته، ليخرج بمنتج تعليمي مبتكر يربط بين المقرر الدراسي والتقنية الحديثة.

تطبيقات تحمل بصمة تربوية مميزة

تعكس الصورة المرفقة مجموعة من التطبيقات التي طورها الأستاذ العكيد، وكل واحد منها يحمل رسالة تعليمية محددة:

تطبيق تعلم أعضاء الجسم بالأمازيغية

من أوائل التطبيقات التي صممها العكيد، وهو موجه بالأساس لتلاميذ المستوى الابتدائي، ويهدف إلى تعريفهم بأسماء أعضاء الجسم الداخلية والخارجية باللغة الأمازيغية. ويعتمد التطبيق على الصور والصوت لتعليم الكلمات، ثم يدعم ذلك بألعاب تفاعلية ودروس تطبيقية لقياس درجة تمكن المتعلم من هذه المفردات. وينطلق العكيد في فلسفته التربوية من فكرة أن كل تطبيق ينبغي أن يكون متخصصا في مجال معين حتى تتكون لدى التلميذ معرفة دقيقة ومركزة.

تطبيق «شجرة الأرقام» (ⵜⴰⴷⴷⴰⴳⵜ ⵏ ⵉⵣⵡⵉⵍⵏ)

مشروع رقمي تفاعلي يهدف إلى تقريب الأطفال من الأرقام الأمازيغية، من خلال تجربة تعليمية مبسطة تجمع بين الاستماع والنطق والكتابة والتدرب التدريجي، وهو ما يجعله أداة فعالة خصوصا في المراحل التعليمية الأولى.

تطبيق «طريق النجاح » (ⴰⴱⵔⵉⴷ ⵏ ⵓⵎⵓⵔⵙ) –

يعد هذا التطبيق، الموجه لهواتف نظام أندرويد، خطوة نوعية في مسيرة العكيد، إذ صُمم للناشئة والكبار على حد سواء، سواء من الناطقين باللغة الأمازيغية أو غير الناطقين بها. وتكمن ميزته الأساسية في كونه تطبيقا مجانيا بالكامل ويعمل دون الحاجة إلى الاتصال بالإنترنت (أوفلاين)، ما يجعله في متناول المتعلمين حتى في المناطق ذات التغطية الرقمية المحدودة. ويتوفر التطبيق على رصيد لغوي متنوع وتمارين تفاعلية متعددة.

تطبيق «هيثم والتنمر» (ⵀⴰⵢⵜⴰⵎ ⴷ ⵓⵙⴷⵉⴷⴷⵉⵢ)

يمثل هذا العمل محطة مختلفة ونوعية في مسار الأستاذ العكيد، إذ يتجاوز حدود تعليم المفردات والحروف إلى معالجة قضية تربوية واجتماعية حساسة، وهي ظاهرة التنمر المدرسي. وُلد المشروع أصلا كشريط مصوّر (قصة مصورة) من فكرة وتصور الأستاذة سهام مبروك، ليتولى الأستاذ العكيد ترجمته إلى اللغة الأمازيغية والإشراف العلمي على تحويله إلى تطبيق رقمي تفاعلي، ضمن مبادرة أطلقها أساتذة متدربون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالرباط – فرع الخميسات، تخصص اللغة الأمازيغية.

وتروي القصة معاناة الطفل «هيثم» الذي يتعرض لسلوكيات مؤذية من بعض زملائه، كالسخرية والإقصاء، ما يدخله في حالة من الحزن والعزلة وفقدان الثقة بالنفس. ولا يكتفي العمل بعرض هذه المعاناة، بل يحمل رسالة توعوية تدعو إلى نبذ التنمر وترسيخ قيم الاحترام والتسامح والتعايش داخل الوسط المدرسي. ويُعد هذا العمل، بحسب ما تناقلته منابر إعلامية متخصصة، أول شريط مصوّر وتطبيق رقمي باللغة الأمازيغية يعالج ظاهرة التنمر داخل الفضاء المدرسي، وقد حظي بعرض خاص في فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط. وقد وصف الأستاذ العكيد هذا العمل بأنه «ليس مجرد أداة ديدكتيكية عابرة، بل رسالة تربوية قوية تدعو إلى خلق بيئة مدرسية آمنة وداعمة لكل طفل من خلال تضافر جهود المدرسة والأسرة».

فلسفة العمل: الاستمرارية والتخصص

لا تبدو تطبيقات الأستاذ العكيد وليدة الصدفة، بل ثمرة رؤية تراكمية متجددة. فقد صرح في أكثر من مناسبة بأن هذه التطبيقات ليست سوى بداية لسلسلة أوسع، حيث أعلن أن تطبيق «أبريد ن ومورس» سيعقبه تطبيقان آخران يخدمان الهدف ذاته. كما كشف عن اشتغاله على تطبيق تعليمي بصيغة الألعاب، انطلاقا من قناعته بأن الأطفال ينجذبون بشكل كبير للألعاب الرقمية، وبالتالي فمن الأجدى تقديم ألعاب تنسجم مع هويتهم وثقافتهم الأمازيغية، من حيث اللباس والموسيقى وجميع عناصر التعبير الثقافي.

الهدف الأسمى: لغة حية في العصر الرقمي

يلخص الأستاذ العكيد دوافعه في كون اللغة، كأي كائن حي، يجب أن تواكب العصر والرقمنة والتطور التكنولوجي لكي تستمر وتزدهر. فهذه التطبيقات ليست مجرد أدوات تعليمية عابرة، بل مساهمة فعلية في إثراء المحتوى الرقمي باللغة الأمازيغية، وتعزيز حضورها كلغة رسمية دستورية في فضاء يهيمن عليه المحتوى بلغات أخرى.

وقد لقيت هذه المبادرات ترحيبا واسعا لدى شريحة عريضة من المغاربة، ما يعكس حاجة حقيقية في الساحة التربوية والرقمية لمثل هذه المشاريع، ويؤكد أن جهود الأفراد المؤمنين برسالتهم التربوية قادرة على إحداث فرق ملموس في صون اللغات وتعليمها للأجيال الصاعدة.

تجربة الأستاذ رشيد أنير العكيد نموذج يُحتذى به لكل مهتم بتوظيف التكنولوجيا في خدمة اللغات والثقافات المحلية، وتذكير بأن التعليم الرقمي الهادف يبدأ غالبا من مبادرات فردية بسيطة قبل أن يتحول إلى أثر تربوي واسع النطاق.

*متابعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى