هل تستحق أكلميم استيراد ذاكرتها من أفغانستان؟

رئيس مركز الجنوب للتنمية والعيش المشترك
يُعد الشارع الذي تطل عليه كلية الاقتصاد والتدبير والمدرسة العليا للتكنولوجيا بمدينة أكلميم، والمؤدي إلى منطقة القصابي المرتبطة بمدينة تكاوست التاريخية، من أهم الشوارع الواعدة بالمدينة. فالمجال الذي يعبره يشهد تحولات متسارعة، خاصة مع ما ينتظر منطقة الرك الأصفر من توسع عمراني وحركية اقتصادية متنامية، الأمر الذي يجعله مؤهلاً ليكون أحد المحاور الرئيسية في مستقبل المدينة.
غير أن هذا الشارع لا يزال يحمل اسم “أبو معشر البلخي”، وهو اسم يرتبط بمدينة بلخ في أفغانستان، ولا تجمعه بواد نون أو أكلميم أي علاقة تاريخية أو ثقافية مباشرة. وهنا يطرح سؤال مشروع نفسه: لماذا لا يحمل هذا الشارع اسماً يعكس هوية المجال الذي يوجد فيه ويستحضر رموزه وتاريخه المحلي؟
لقد احتضنت أكلميم وواد نون خلال العقود الأخيرة عشرات الندوات العلمية والملتقيات الأكاديمية والأبحاث الجامعية التي سلطت الضوء على غنى المنطقة تاريخياً وثقافياً وحضارياً. غير أن هذه الجهود تظل ناقصة الأثر إذا لم تجد ترجمتها في الفضاء العام، من خلال تسمية الشوارع والساحات والمرافق العمومية بأسماء شخصيات وأحداث ومعالم تنتمي إلى الذاكرة الجماعية للمنطقة.
فواد نون ليست أرضاً فقيرة في رموزها حتى تبحث عن أسماء من خارج مجالها الحضاري. إنها تزخر بشخصيات علمية وتجارية ووطنية، وبمحطات تاريخية بارزة، وبمدن ومراكز عمرانية لعبت أدواراً محورية في تاريخ الجنوب المغربي، ومن بينها تكاوست وغيرها من الحواضر التي صنعت مجد المنطقة وأسهمت في إشعاعها.
إن تسمية الشوارع ليست مجرد إجراء إداري أو قرار تقني، بل هي فعل ثقافي ورمزي بامتياز. إنها تعبير عن اختيارات المجتمع في ما يتعلق بالذاكرة التي يريد الحفاظ عليها، والرموز التي يرغب في تقديمها للأجيال الصاعدة باعتبارها جزءاً من هويته وتاريخه المشترك.
ومن هذا المنطلق، تبدو مراجعة اسم هذا الشارع خطوة مشروعة ومطلوبة، ليس بدافع إقصاء أي اسم أو التقليل من قيمة أي شخصية تاريخية، وإنما سعياً إلى تحقيق انسجام أكبر بين الفضاء الحضري والهوية الثقافية والتاريخية لمدينة أكلميم ومجال واد نون.
إن أكلميم، بما تختزنه من تاريخ عريق وذاكرة غنية، ليست في حاجة إلى استيراد ذاكرتها من أماكن بعيدة، بل تحتاج فقط إلى إعادة اكتشاف كنوزها الرمزية وتثمينها في فضائها العمومي. فالأمم والمجتمعات التي تخلّد رموزها المحلية في شوارعها وساحاتها هي التي تنجح في ترسيخ الوعي بتاريخها وتعزيز انتماء أبنائها إلى أرضهم ومجالهم الحضاري.
ولعل الوقت قد حان لفتح نقاش عمومي هادئ ومسؤول حول سياسة التسمية بمدينة أكلميم، بما يضمن حضوراً أقوى لذاكرة واد نون ورموزها في المشهد الحضري، ويجعل أسماء الشوارع مرآة حقيقية لتاريخ المنطقة وهويتها الثقافية.



