
هدى، التي كتبت روايتها الأولى وهي لم تبلغ العشرين بعد، لم تغوها فكرة النشر السريع ولا التصفيق العابر، بل اختارت أن تنمو في صمت، أن تقرأ أكثر مما تكتب، وأن تصغي لما لا يقال في ضجيج الحياة. من “الشيطان” إلى “مرثية العطر والبحر”، ومن نوافذ القفز الممكنة إلى تفاصيل الهامش الريفي، تكتب هدى بأسلوب مشذب، مكثف، بعيد عن الزينة المجازية، قريب من ما يشبه الصدق الأدبي.
في هذا الحوار، نستضيف هدى الشماشي، لنسافر معها في دهاليز تجربتها، من شغف الطفولة إلى خيبات الكبار، من الغنائية الأولى إلى السخرية الناضجة، ومن انتمائها الأمازيغي الذي يتخلل النصوص كنبض خفي، إلى مشروعها الروائي القادم، حوار عن الأدب كحياة، وعن الحياة كقصص تروى.
الأمازيغية تسكن نصوصي كما تسكن أحلامي و«إزران» نبضها الشعري الذي لا أفتأ أجمعه
مرحبا بك على صفحات جريدة “العالم الأمازيغي”، بداية، من هي هدى الشماشي؟ وكيف تشكلت علاقتك الأولى مع الكتابة؟
هدى الشماشي كاتبة أمازيغية مغربية، تعمل على أن يكون لها صوتها الأدبي الخاص. وتعرف أن هذا لا يأتي إلا بالكثير من القراءة والتأني والتجريب في الحياة والكتابة والصبر، وهو ما توافق عليه وتقبله كليا.
مخطوطة روايتك “الشيطان” حصلت على الرتبة الثانية في مسابقة دوزيم للأدب سنة 2014، ما الذي تمثله لك هذه التجربة؟ وما مضمون الرواية؟
كتبت رواية الشيطان وأنا في حوالي الثامنة عشر من عمري، وهي ما يمكن وصفه بتاريخ عائلة أمازيغية ريفية من ثلاثة أجيال، بما يمكن أن يجره ذلك من حديث عن تاريخ المنطقة الغني وحتى المسكوت عنه. لقد كانت عملي السردي الأول، بحيث أنني لم أكتب قصصا قصيرة مثلا قبلها. لا، لقد مررت مباشرة إلى هذا النص الطويل جدا، والذي سحرني تماما في سني الصغيرة تلك، فكنت أتخيل شخصياته حتى أثناء نومي أو بينما أحل معادلات الرياضيات أو أقوم بأي عمل آخر. وأنا أعتبر «الشيطان» في الحقيقة مرحلة ضرورية في مساري، وبفضلها عرفت بالضبط ما أريد أن أفعله بحياتي.
لماذا لم تنشر “الشيطان” حتى الآن؟ وهل تنوين إصدارها مستقبلا؟
لم تنشر لأنني قد كبرت وبدأت أقرأ في مجالات أكثر خلال دراستي الجامعية، وبدت لي الرواية ساذجة في مواضع عدة. ليس من ناحية جسد الحكاية الأساسية الذي أعرف أنني سأعيد كتابته بشكل ما لاحقا، ولكن ربما من ناحية النفس «الغنائي» الحزين الذي يميز كتابات الشباب في سن صغيرة كما يقول ميلان كونديرا، وبالتالي لا، لن أنشرها أبدا.
كيف تطورت كتابتك منذ “الشيطان” إلى اليوم؟ وهل تغيرت المواضيع أو الأسلوب؟
أعتقد أن أسلوبي قد تغير. كان بول أوستر يقول أن الوحدات التي ينقسم إليها النص السردي هي الفقرات وبالتالي فإنه كان يركز على أن يكتب فقرات جيدة. على عكسه تماما، أحاول أن أعمل على النص جملة فجملة. يجب أن تكون الجمل جيدة كلها، بالنسبة لي على الأقل، ولا تمطيط رجاء، ويجب أن تتلاءم مع بعضها البعض ويجب أن يكون ثمة نوع من الإيقاع أو الموسيقى.. أشياء أشعر بها أنا فقط بينما أكتب ولكنها مهمة جدا لي. أما فيما يخص المواضيع فلا أظنها اختلفت كثيرا. طريقة التناول اختلفت نعم، فأنا الآن امرأة ساخرة جدا في الثلاثين، لكنني لا زلت مهتمة مثلا بتاريخ منطقة الريف التي أنتمي إليها، وأحزان الهامش العظيم في كل مكان.
ما الذي جذبك إلى القصة القصيرة كجنس أدبي تعبرين من خلاله عن ذاتك وهمومك؟
القصة القصيرة جنس صعب جدا، لأنك لا يمكن أن «تضحك» على القراء ببضعة صفحات جيدة تتوسطها أخرى سيئة، ولن يسامحك أحد لأنك قد زللت هناك ونجحت هنا كما قد يحدث في الرواية مثلا. يحدث أن نتجاوز بضع صفحات بينما نقرأ نصا روائيا مثلا ويظل العمل مقبولا بل ومحببا بالنسبة لنا، لكن القصة لا تمنحك مثل هذه الفرصة. إذ يجب عليك أن تحذر عند كل سطر وجملة، وهذا تحد يعجبني.
سنة 2023 فزت بجائزة “سرد الذهب” عن قصة “مرثية العطر والبحر”، كيف استقبلت هذا التكريم؟ وما الذي ألهمك لكتابتها؟
كنت سعيدة جدا في الحقيقة، والتكريمات مهمة في كل المجالات، ويا حبذا لو تكون لنا في المغرب مسابقاتنا الأدبية التي يتهافت عليها الكتاب، ولن أقول أبدا ما يقوله الآخرون من أن الجوائز قد أفسدت الأدب.
الأدب أكبر من هذا ومرآته صادقة وزمنه كشاف.
ألهمتني لكتابة القصة أحاديث المراهقين والشباب من تلاميذي وجيراني في منطقة الريف عن الهجرة. وحاولت أن أفكر وأتأمل فكرة أن يعيش هؤلاء حيواتهم كلها كما لو كانوا في قاعة انتظار كبيرة بانتظار فرصة سانحة لمغادرة البلاد.
“لعبة القفز من النافذة” عنوان مجموعتك القصصية الأخيرة، ما رمزية النافذة في هذا العمل؟ ولماذا اخترت هذا العنوان بالذات؟
عندما كنت أعيد قراءة المجموعة لمرات كثيرة قبيل النشر تبين لي أن الشخصيات كلها تبحث عن منفذ. إنهم رجال ونساء حاصرتهم حياتهم تماما ولكنهم يأملون كما نفعل جميعا، وبالتالي فإنهم سيغامرون دائما بالقفز من النافذة التي قد يصادفونها أو أنهم سيحفرون واحدة بأظافرهم. مع ما يحمله الأمر من مخاطر حقيقية أو وهمية، وبشكل مفتوح على كل النهايات.
هل كتبت قصص المجموعة دفعة واحدة أم تراكمت عبر مراحل من التجربة؟
كتبت المجموعة على مدار خمس سنوات من «تعلم الكتابة». ولذلك فهي إلى حد ما مراحل مختلفة من تجربتي في كتابة القصة.
من بين قصص “لعبة القفز من النافذة”، هل هناك نص يمثل روح المجموعة أو يعكسك شخصيا؟
يبدو لي أن روح المجموعة حاضرة في القصص جميعها، وأريد أن أعتقد أن هذه الروح هي الأمل. ولذلك مثلا تبدأ القصة الأولى وهي «حكايات الغابات والنسور» بهذه الجملة: «هذه حكاية عن الأمل».
إلى أي مدى تحضر الأمازيغية في كتاباتك، سواء كلغة أو كثقافة وخلفية رمزية؟ وهل تفكرين في ترجمة أعمالك إلى اللغة الأمازيغية؟
فاتني للأسف أن أكتب بالأمازيغية، لمجموعة من الأسباب منها مثلا أن جيلنا لم يعرف تلقين أبجديات اللغة الأمازيغية في المدرسة، ونعلم أن تعليمها حتى اللحظة لا يزال يتخبط في مجموعة من المشاكل حتى اللحظة ولا يستجيب لكافة التطلعات. مع ذلك فإن الأمازيغية كثقافة وحتى كلغة تحضر في كل أعمالي تقريبا، فأنا لم أتعلم العربية حتى سن السابعة من عمري، وبالتالي فإنني أفكر بالأمازيغية وأحب وأحلم بها حتى اللحظة. ومن ذلك مثلا أن نصادف الكثير من أشعار «إزران» في كتاباتي، وهي تمثل بالنسبة لي ثروة شعرية حقيقية أواظب على تدوينها وجمع عيونها، لأنك تعرف كثيرا عن مجتمع ما عن طريق الشعر.
كيف تشتغلين على اللغة في نصوصك؟ هل تميلين إلى التكثيف والرمزية أم إلى الواقعية المباشرة؟
المسرح هو مرآة المجتمع، وهو في الريف أميل إلى التكثيف. أكره أن تحمل الجمل كلمات زائدة لمجرد المجاز وتضايقني التشبيهات الاستعراضية كثيرا، كما يزعجني الاسترسال في «الرثاء» أو « الغنائية الحزينة» التي تحدثت عنها سابقا. أحاول أن أبقي عيني مفتوحتين جدا على واقعي ولكنني أعرف أنه في الحياة كما في الأدب، عادة ما يكون كل شيء هو رمز لشيء آخر.
هل تعتقدين أن القارئ المغربي مستعد لتلقي أدب مختلف، يلامس الألم والاختناق اليومي دون تجميل؟
نعم، القارئ المغربي ذكي جدا، ومنفتح على تجارب جمالية وإبداعية متعددة، ولديه ذائقة جيدة عموما. أحيانا ننبهر بالأسماء الكبيرة أو الجوائز ولكن هذا لحظي جدا ولا يدوم. والبقاء لمن يقدم أدبا جيدا.
هل ترين أن الأدب المنطلق من الهامش الهوياتي والثقافي بدأ يأخذ مكانه لدى دور النشر والقراء؟
هذا سؤال صعب، لأنه أولا بالنسبة لدور النشر فهذه مشكلة أخرى وحكاية حزينة بحد ذاتها. تفضل مجموعة كبيرة من دور النشر التعامل مع الأسماء اللامعة وتهمش في أحيان كثيرة الأسماء الجديدة حتى لو كان ما تقدمه عملا جيدا، كما قد تفضل بعضها نشر نوع من الأعمال «الخفيفة» بعناوين براقة وأغلفة تصلح لالتقاط الصور مع أكواب القهوة وهذه الأشياء. من ناحية أخرى قد يتم تقديم هذا الهامش في الكثير من الأعمال الأدبية كحلية للزينة أو باستعارة أساليب أشخاص آخرين كتبوا عن الهامش وكانوا علامات فارقة في الأدب، لكن هذه تجربتهم الخاصة ولن يؤدي نسخها إلى خلق شيء حقيقي.
ما جديد مشاريعك الأدبية؟ وهل ستواصلين التجريب في القصة أم هناك نية للعودة إلى الرواية؟
سيكون العمل القادم روائيا، وسيكون عن منطقة الريف. وطبعا سيأخذ وقته الكافي للكتابة والتشكل، ولكنني أعرف عنه الكثير منذ الآن وأعمل عليه شيئا فشيئا، إلا أنه في مراحله الأولى طبعا، وأعني بها مرحلة البحث العلمي المهمة جدا بالنسبة لأي رواية، والتي قد تفتح أمامي سبلا أخرى أو نوافذ في جسد الحكاية الأساسية التي أريد أن أقولها.
كلمة حرة ..
أريد أن أشكركم لاستضافتي، وأريد أن أشكر الأدب والأدباء على منحنا كل هذا الجمال والحلم. يعلم الكتاب جميعا أن القراءة تجربة أكثر إمتاعا من الكتابة، ولذلك فلا شيء يضاهي بالنسبة لي متعة الغرق في كتاب جيد، ثم العثور على نفسي في نهايته وقد تحولت إلى شخص آخر. شكرا للكتاب جميعهم إذن، وللفنانين والشعراء والحالمين، لأنهم بركة هذا العالم.
حاورها: خيرالدين الجامعي
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
