أخبار عاجلة

الاختلاف كقيمة إنسانية ورهان لإعادة بناء الفعل الأمازيغي

بقلم: توفيق العرنوقي

يعد الاختلاف إحدى القيم الإنسانية الكبرى التي راكمتها التجارب البشرية عبر التاريخ، إذ لم يكن يوما عائقا أمام التقدم، بل كان على الدوام شرطا من شروطه الأساسية. فالمجتمعات التي استطاعت أن ترسخ ثقافة الاختلاف، وتحوله من مصدر للصراع إلى منبع للإبداع، هي ذاتها التي قطعت أشواطا مهمة في مسار التنمية والابتكار. لذلك، لا يمكن الحديث عن مستقبل أفضل دون استحضار هذا المبدأ بوصفه آلية فكرية وأخلاقية تؤطر علاقة الأفراد فيما بينهم، وتضمن توازن المجتمع في تعدده.

إن الاختلاف، في جوهره، ليس مجرد تباين في الآراء، بل هو تعبير عن تعددية في الزوايا التي ينظر من خلالها إلى الواقع. ومن هنا، فهو يشكل سدا منيعا أمام التفكير الأحادي والنزعة الإطلاقية التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. كما أن هذا المبدأ يرتبط، في التجارب الحديثة، بسياقات فكرية وسياسية أوسع، من قبيل تبني العقل كأداة للتحليل، واحترام حرية الفرد في التفكير والإبداع، بعيدا عن كل أشكال الوصاية. وفي هذا الإطار، يصبح الاختلاف ضمانة أساسية لتجديد الفكر وتطويره، وليس تهديدا لوحدته.

غير أن هذا المبدأ، رغم مركزيته، لا يجد دائما تجسيده السليم داخل بعض القضايا المجتمعية، ومن بينها القضية الأمازيغية في راهنها الحالي. فالمتتبع لهذا المجال يلاحظ بوضوح حالة من التشتت والتباين الحاد بين الفاعلين، إلى درجة أصبح معها من الصعب الحديث عن رؤية موحدة أو حتى أرضية مشتركة تؤطر العمل النضالي. لقد تحول الاختلاف، في كثير من الأحيان، من قيمة إيجابية إلى عنصر تفكيك، يغذي الصراعات الداخلية بدل أن ينتج دينامية فكرية بناءة.

يمكن إرجاع هذا الوضع، في تقديرنا، إلى عاملين أساسيين. يتمثل الأول في غياب ميثاق أخلاقي أو مرجعي يحدد قواعد الاختلاف وحدوده داخل الفعل الأمازيغي. فحين يفتقد الفاعلون إطارا جامعا ينظم العلاقة بينهم، يصبح من الطبيعي أن يتحول النقد إلى أداة للهدم بدل البناء، وأن ينزلق الحوار إلى صراع شخصي أو إقصائي. وهنا، لا يعود الاختلاف مصدر غنى، بل يتحول إلى سبب مباشر في إنتاج التشتت، حيث يغدو كل فاعل متمركزا حول ذاته، مدافعا عن تصوره باعتباره الخيار الأوحد، دون استعداد حقيقي للاستماع أو التفاعل مع الآخر.

أما العامل الثاني، فيرتبط بعدم احترام تخصصات المعرفة وحدودها. فالقضية الأمازيغية، باعتبارها قضية شمولية، تتقاطع فيها أبعاد متعددة: لغوية، ثقافية، سياسية، اقتصادية واجتماعية. غير أن هذا التعدد لا يعني بالضرورة أن كل فاعل مؤهل للخوض في جميع هذه المجالات بنفس الدرجة من الكفاءة. إذ نلاحظ أحيانا نوعا من التداخل غير المنهجي، حيث يتصدى البعض لقضايا معقدة خارج مجال اختصاصه، فينتج بذلك خطابا سطحيا أو متسرعا، وقد يصل الأمر إلى توجيه نقد لفاعلين آخرين يشتغلون ضمن حقول معرفية مختلفة. وهذا الوضع لا يؤدي إلا إلى تعميق سوء الفهم، وتكريس حالة من التنافر داخل الجسم النضالي.

إن تجاوز هذه الإشكالات يقتضي إعادة الاعتبار لمبدأ الاختلاف في معناه الإيجابي، أي باعتباره أداة للحوار والتكامل لا وسيلة للصراع والإقصاء. كما يتطلب ذلك العمل على بناء أرضية مشتركة، ولو في حدها الأدنى، تقوم على احترام الرأي الآخر، وتثمين التعدد في المقاربات، مع الالتزام بضوابط أخلاقية تؤطر النقاش وتمنع انزلاقه نحو الشخصنة أو التبخيس.

إلى جانب ذلك، يصبح من الضروري ترسيخ ثقافة التخصص داخل الفعل الأمازيغي، من خلال الاعتراف بأن تعددية القضايا تستلزم تعددية الكفاءات. فالدفاع عن اللغة لا يغني عن فهم الأبعاد الاقتصادية، كما أن تحليل الواقع السياسي لا ينفصل عن إدراك السياق الثقافي والاجتماعي. ومن هنا، فإن التكامل بين مختلف الفاعلين، كل من موقعه، هو السبيل الأمثل لبناء مشروع نضالي متماسك وقادر على الاستجابة لتحديات المرحلة.

في الأخير، يمكن القول إن الاختلاف ليس مشكلة في حد ذاته، بل إن طريقة تدبيره هي التي تحدد مآلاته. فإما أن يكون رافعة للتقدم، وإما أن يتحول إلى معول للهدم. وبين هذين الخيارين، يظل الرهان قائما على وعي الفاعلين بضرورة تحويل الاختلاف إلى قوة اقتراحية، تغني النقاش وتعزز وحدة الهدف، بما يخدم في نهاية المطاف القضية الأمازيغية في أفقها التحرري والإنساني الشامل.

تعليق واحد

  1. أحمد ايت محند

    منشور متميز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *