أخبار عاجلة

محمد أوسوس: رواية الحفريات السردية وأنطولوجيا الوجع وهجاء الهشاشة الإنسانية

يعد المنجز الروائي للمبدع محمد أوسوس مختبرا أنطولوجيا بامتياز؛ فالرجل لا يكتفي بكتابة الرواية، بل يمارس ببراعة متقنة ما يمكن تسميته بـ ‘الحفريات السردية إنه ينقب في طبقات الذاكرة المنسية لشمال إفريقيا، متعقبا ذلك ‘الأثر الأسطوري’ الكامن في الوجدان الجمعي، والذي يمثل الشفرة الأولى لتفسير الظواهر وبدايات الأشياء في مرجعيتنا الثقافية الأمازيغية.

ومن منظور النقد الأسطوري، يتجاوز أوسوس في نصوصه استعادة الأسطورة بمعناها السطحي، ليعيد بناء ‘الكسموغونيات -أي نظريات نشأة الكون- وتوظيفها كقوة توليدية للمعنى داخل المتن الروائي. الرواية عنده ليست مجرد حكاية، بل هي ‘إعادة خلق’ للعالم، حيث تصبح الميثولوجيا بنية هيكلية تفسر صراع الإنسان مع الطبيعة، والقدر، والوجود.

وفي سياق الدراسات الثقافية، ينجح محمد أوسوس في تحويل ‘الهامش الأسطوري’ إلى ‘مركز سردي’، مستردا بذلك المتخيل الجمعي الأمازيغي من غياهب التغييب. إنه لا يقدم أساطيرا للاستهلاك العجائبي، بل يقدم رؤية فلسفية عميقة تثبت ‘الذات الحضارية’ في مواجهة تيارات العولمة الثقافية. إن قلم أوسوس هو الجسر الذي عبرت فوقه “تمازغا” من شفهية الأسطورة إلى معمارية الرواية الحديثة، ليظل هذا الهرم الروائي حارسا أمينا لذاكرتنا، ومجددا لروحها برؤية حداثية تخترق حدود الزمن.

إن هذا العمق السردي الذي يسم روايات محمد أوسوس ليس وليد الصدفة الإبداعية، بل هو ثمرة تكامل إبستيمولوجي بين الباحث الأنتربولوجي والروائي المبدع. فالرجل قد استبق مغامرته الروائية بتأسيس نظري متين، مكرسا سنوات طويلة لتعقب أثر الحفريات الميثولوجية في شمال إفريقيا، وهو ما توج بإصدار كتابين يمثلان اليوم حجر الزاوية في الخزانة الأمازيغية، وهما : “كوكرا في الميثولوجيا الأمازيغية” و”دراسات في الفكر الميثي الأمازيغي”.

تكمن ميزة كتاب كوكر في كونه يمثل جردا أنطولوجيا هائلا للمتخيل الجمعي الأمازيغي؛ حيث لم يكتف أوسوس بجمع الأساطير وتدوينها، بل قام بتصنيف الكائنات الغيبية، والآلهة القديمة، والمقدسات الطبوغرافية، واضعا بذلك خريطة ميثولوجية متكاملة لـ “تمازغا”. هذا الكتاب منح الروائي أوسوس مخزناً رمزيا هائلا، حيث تحولت تلك الكائنات الأسطورية من مجرد مادة خام في “كوكرا” إلى شخوص حية وفاعلة في نصوصه الروائية، تتحرك وفق منطق درامي معاصر.

أما كتاب “دراسات في الفكر الميثي الأمازيغي”، فيتميز ببعده التحليلي والتفكيكي؛ إذ انتقل فيه الباحث من الجمع إلى التأويل. لقد اشتغل أوسوس في هذا المرجع على سوسيولوجيا المعتقد وفلسفة الرمز، مفسرا كيف صاغ الإنسان الأمازيغي رؤيته للكون، والحياة، والموت، من خلال ‘الميثوس’. ومن هنا، نجد أن رواياته ليست مجرد استعراض للعجائبي، بل هي استبطان عميق لهذا “الفكر الميثي”؛ حيث يوظف أوسوس البنيات الذهنية التي حللها في دراساته الأكاديمية لبناء عوالم روائية تتسم بالتعقيد الفلسفي والعمق الأنطولوجي.

بناء على ذلك، يظهر محمد أوسوس في المشهد الأدبي كأحد القلائل الذين استطاعوا تحقيق المصالحة الكبرى بين البحث العلمي الرصين والخيال الروائي الجامح؛ فدراساته الميثولوجية هي التي منحت رواياته شرعيتها التاريخية، ورواياته هي التي منحت دراساته روحها الجمالية وحياتها المتجددة.

تنتصب رواية “gar anZaD” أو “الشعرة اللعينة”: كمعمار سردي حداثي بامتياز، حيث يفتتح السارد ميثاقه القرائي بإعلان ثوري ينأى بنصه عن عفوية “الحكايا” الشفوية التي تقتات على دفء المدافئ وليالي الجدات؛ إنه نص يستهدف استفزاز الذاكرة وإعادة صياغة مفهوم الأسطورة في قالب معاصر. السارد هنا لا يتوارى خلف الأقنعة، بل يقتحم غمار الحكي بوجه مكشوف، معلنا هوية “السارد الخفي” الذي يمسك بزمام الرؤية ليحكي قصة رجل هو بحد ذاته أسطورة زمننا الحالي.

تنبثق الرواية من مشهد كوني مهيب يصور انفصال السماء عن الأرض وانبثاق بذور البشر من رحم التربة، متحدثين بلسان واحد قبل أن يتفرقوا قبائل وعشائر. وفي مقابل هذا التشكل الأرضي، تسجل الرواية مأساة سقوط “المملكة الأمومية” الأولى، ونزول “الأم الكبرى” إلى العالم السفلي، لتتحول في مشهد “ميتامورفوزي” (تحولي) إلى “غولة” تشعل فتيل النزاع بين الأمم، مما أدى إلى ظهور التعدد اللساني لأول مرة. وتصل الذروة الرمزية حين يسقط هذا الكائن في قبضة “الحاكم الأكبر” الذي يجرها من ضفيرتها، فتسقط منها تلك “الشعرة اللعينة”؛ بذرة الفوضى والشر التي نبتت في غفلة من الزمن لتتحول إلى عشب أصفر شائك يُعرف بـ “أزار ن تغزنت” (شعر الغولة).

من رحم هذا التاريخ الأسطوري، وعقب تشظي اللسان الواحد إلى ألسن متعددة، ولد “الأمازيغ الأولون” واستوطنوا ضواحي “سجلماسة”، أولئك الملثمون الذين جابوا الصحراء رحلا قبل أن تستقر فئة منهم في بلاد تافيلالت. ومن صلب هذه السلالة، سيولد “علي أسگلماس” في فجر القرن الماضي، ليورث حفيده “كَايَّا” ثقل هذه اللعنة.

يرحل الجد “علي” نحو قمم “توبقال” مصطحبا لقلقا (أسوو)، ليستقر في حصن مخرب صامتا، لا عجرا، بل رفضا للكلام منذ أن رفضته حبيبته بسبب الفقر؛ فتزوج من “زينب” البكماء ليؤسسا مملكة للصمت المطلق، أنجبا منها “علا” (والد كايا) الذي لم يتعلم نطق الكلمات إلا في خريف عمره.

لا يحمل بطلنا “كَايَّا” أي سمة من سمات البطولة التقليدية؛ إنه “بطل مضاد” يشبهنا في كل شيء، سوى أنه مبتلى بشعرة لعينة نبتت في رأسه لتقلب حياته رأسا على عقب. ولد “كَايَّا” يتيما إثر رحيل والده في زلزال أكادير عام 1960، لتتزوج أمه “يامنا” من “لحاج حماد أسووان” (المعروف بلحاج عزراين)، الرجل الغني الذي ورث ثروته من أهله اللذين كانوا قطاع طرق. وفي تراجيديا اجتماعية قاسية، تضطر الأم لإيهام ابنها بأنها “أخته” حماية لسمعة زوجها المتسلط، الذي أقام طقوس “عرس الكرمة” لدرء اللعنات، فصارت الشجرة ضرة للأم ورمزا لمصيرها.

في قبيلة “أيت أوسووان”، يرتبط “كَايَّا” وجدانيا بأسراب عصافير “فليليس”، ويطلق اسمها على حبيبته “تازيري”. وحين ترحل العصافير، يشعر بوخزة ألم تسقط على إثرها “دمعة واحدة” من عينه؛ تلك الدمعة التي يعتبرها نذير شؤم يفوق في قسوته البكاء الغزير. يرحل “كَايَّا” مطرودا من بيته نحو مراكش، ليعمل في دكان “دا لحوس” للكتب المستعملة، حيث ينغمس في عوالم الفلاسفة والروائيين، محاولا في لحظات جنونه إحراق مؤلفاتهم التي لم تمنحه أجوبة ليقينه.

تتوفى الأم، وتبعث له “تازيري” رسالة تستنجد به من بطش “لحاج عزراين” الذي يريد الزواج بها قسرا. لكن القدر الساخر يتدخل مرة أخرى؛ فمن شدة تأثره، تسقط دمعة “كَايَّا” الوحيدة على الرسالة لتمحو عنوان اللقاء، ولا يبقي سوى حرف التاء في البداية والنهاية، ليفهم بحدسه أنها تنتظره عند “تايري داگت” (شجرة الحب). وحين يصل متأخرا، لا يجد سوى رسالة وقصيدة تحث حجر هناك.

تهرب “تازيري” إلى القنيطرة، لتسقط في فخ الاغتصاب والتحرش، فينتهي بها المطاف “باكية في الجنائز” ثم منتحرة في وكر دعارة بمراكش تديره “لالة إطو”. هناك، يجدها “كَايَّا” الذي كان قد تحول إلى خادم في ذلك الوكر، ليكون موتها الانكسار الأخير. ينتقل “كَايَّا” للعمل في مخازن “الحاج الهاشمي”، ليعيش عزلة قادت محاوراته مع جثة متخيلة لـ “منال” (ابنة دا لحوس)، حتى تقبض عليه الشرطة بتهمة جرائم قتل لم يرتكبها إلا في خياله المريض.

في السجن، يتقاسم “كَايَّا” زنزانته مع شخوص تمثل نقيض العالم (المشعود، الإرهابي، والملحد)، ويفشل حتى في الانتحار حين تلتهم الفئران حبله. وفي لحظة سريالية، يزوره مساعد “لحاج عزراين” ليخبره بأنه صار وريثا لكل ثروة زوج أمه كنوع من التكفير، وتزوره “منال” لتعلن له حبها القديم. وبدل أن يبهجه الخلاص، يصدمه الواقع؛ فقد كان يعيش في دور “القاتل” ليعطي لحياته معنى، وحين اكتشف براءته، انفرجت روحه المرهقة، فقرر أن ينام.. لكنه كان نوما أبديا، استراح فيه أخيرا من ثقل “الشعرة اللعينة” ومن ومرارة الوجود.

في الأخير؛ من خلال الإبحار السردي في رواية “gar anZaD “الشعرة اللعينة” لمحمد أوسوس، يمكننا صياغة خلاصة تركيبية؛ مفادها أن الرواية تزخربالأنساق الثقافية المهيمنة والمقموعة في الهوية الأمازيغية. وإن الانتقال من “زمن الأمومة” (الأم الأولى للعالم) إلى “زمن الفحولة” (سلطة الرجال/ الغولة) ليس مجرد حدث عابر، بل هو تمثيل رمزي لشرخ تاريخي أصاب الوجدان الجمعي. “الشعرة اللعينة” هنا ليست سوى “الجين الثقافي” للفوضى والشر الذي يرفض الزوال؛ إنها تمثل “الهامش” الذي يعود دوما لإرباك “المركز” (الحاكم الأكبر). كما تعكس الرواية سوسيولوجيا الصمت (الجد والأب) كاغتراب ثقافي ناتج عن انكسارات اقتصادية واجتماعية، حيث تتحول اللغة من أداة تواصل إلى لعنة أو صمت اختياري احتجاجي.

وظف محمد أوسوس تقنية الاستباق السردي ببراعة منذ اللحظة التي أعلن فيها السارد أن النص “استفزاز للذاكرة”. فالرواية لا تتبع خطا زمنيا تصاعدياً بقدر ما تتبع “خريطة قدرية” مرسومة سلفا. إن سقوط الشعرة من ضفيرة الغولة في البداية الأسطورية هو استباق كوني لسقوط “كَايَّا” في النهاية الواقعية؛ فالفوضى التي نبتت في “أزار ن تغزنت” هي ذاتها التي نبتت في رأس البطل المضاد. كذلك نجد “دمعة الشؤم الواحدة” التي سقطت من عين “كَايَّا” عند رحيل العصافير تمثل إشارة استباقية لمحو عنوان اللقاء مع “تازيري”، مما يعزز فكرة أن “النهاية تسكن في البدايات”، وأن البطل مساق نحو حتفه بقوة دفع أسطورية لا يملك حيالها دفعاً.

تخلص الرواية إلى تقديم رؤية فلسفية مأساوية للوجود؛ فالإنسان (ممثلاً في كايا) هو ضحية “إرث لا مرئي” وتراكمات أسطورية وتاريخية لم يشارك في صنعها. البطل هنا لا يهزم بسب عيب في شخصيته، بل بسبب “الهشاشة الوجودية” التي جعلته هدفا لشرور العالم.

إن المفارقة الكبرى التي نستخلصها هي أن “كَايَّا” عاش حياته مكبلا بذنب “الجريمة المتخيلة” (قتل زوج أمه ومنال)، ولم يتحرر من أرقه إلا عندما “بُرئ” واقعيا، وكأن النص يقول: “إن الحقيقة المادية هي الموت الأخير للخيال”. لقد كان “كَايَّا” يحتاج للوهم (أنه قاتل) ليعطي معنى لشقائه، وبمجرد سلب هذا الوهم منه، لم يبق له سوى “النوم الأبدي”.

إن “الشعرة اللعينة” هي احتجاج سردي على واقع يطمس الهوية ويغتال الهشاشة. لقد نجح محمد أوسوس في جعل الأسطورة الأمازيغية “قناعا” لمساءلة قبح الحاضر، مؤكدا أن الرواية لم تعد مجرد نص سردي تحكمه ضواب، بل هي أركيولوجيا للروح تبحث عن إجابات في ركام التاريخ وأشواك السدر وأسراب العصافير والرسائل التي لم تقد متلقيها إلى عنوان اللقاء.

*صالح أيت صالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *