أخبار عاجلة

«العالم الأمازيغي» 2001–2026: خمسة وعشرون عامًا من الصحافة النضالية في خدمة الهوية الأمازيغية بالمغرب وتامازغا

بقلم الدكتور محمد شطاطو

تُعد جريدة «العالم الأمازيغي»، التي تأسست سنة 2001 بالرباط، وبمناسبة احتفالها بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، فاعلًا محوريًا في خدمة القضية الأمازيغية بالمغرب وفي تامازغا. يتناول هذا المقال ظروف نشأتها، وتموقعها التحريري بين النضال والاحترافية الصحفية، فضلًا عن دورها في التحولات المؤسساتية الكبرى المرتبطة بالأمازيغية (إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001، وترسيم الأمازيغية دستوريًا سنة 2011). كما يستعرض التحديات البنيوية التي تواجهها هذه الجريدة في ظل مشهد إعلامي يعرف تحولات رقمية متسارعة، ويتساءل عن استدامة صحافة ملتزمة تقوم على منطق جمعوي ومدني أكثر منه تجاري.

المقدمة

جاء تأسيس جريدة «العالم الأمازيغي» سنة 2001 من طرف المناضلين الأمازيغيين رشيد راخا وزوجته أمينة ابن الشيخ، في سياق إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة المغربية والحركة الثقافية الأمازيغية. فمنذ ستينيات القرن الماضي، اعتمدت هذه الحركة استراتيجيات تقوم على الحد من الظهور العلني خلال فترة حكم الملك الحسن الثاني، تفاديًا للقمع. غير أن اعتقال مناضلين أمازيغ خلال مسيرة فاتح ماي سنة 1994 بالرشيدية دفع المؤسسة الملكية إلى إعادة توجيه خطابها، حيث اعترف الملك الحسن الثاني حينها بشرعية «اللهجات» باعتبارها مكونًا من مكونات الأصالة الوطنية. ومنذ سنة 1994 بدأت الجمعيات الأمازيغية في ولوج المشهد الإعلامي بشكل أكثر انتظامًا ومطلبية. وفي هذا السياق وُلدت جريدة «العالم الأمازيغي»، في السنة نفسها التي أحدث فيها الملك محمد السادس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بموجب ظهير ملكي صادر في 17 أكتوبر 2001، في إشارة إلى اعتراف مؤسساتي غير مسبوق بالأمازيغية.

إن التزامن الزمني بين ميلاد الجريدة وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لم يكن محض صدفة، بل يعكس لحظة مفصلية انخرطت خلالها، وإن بمنطقين مختلفين، كل من الحركة المدنية الأمازيغية والدولة المغربية في إعادة الاعتبار المتزامن للموروث الأمازيغي. ويسعى هذا المقال، من خلال تجربة «العالم الأمازيغي»، إلى تحليل مقومات صحافة نضالية استطاعت عبور ربع قرن من التاريخ السياسي والثقافي المعقد، عبر الجمع بين الالتزام الهوياتي والتعددية التحريرية والتدرج نحو الاحترافية.

النشأة والسياق: صحافة وُلدت من رحم الاستعجال النضالي

جاء تأسيس «العالم الأمازيغي» في ظرفية سياسية اتسمت بانفتاح نسبي في الحقل الإعلامي المغربي مع مطلع الألفية الثالثة، وبصعود المطالب اللغوية والثقافية الأمازيغية. فالحركة الثقافية الأمازيغية بالمغرب، التي انطلقت منذ سنة 1967 مع تأسيس الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي بالرباط، راكمت تدريجيًا أشكالًا من الفعل الجماعي قائمة على البحث والنشر والتحسيس. وقد شكلت تسعينيات القرن الماضي منعطفًا حاسمًا، إذ بدأت الجمعيات الأمازيغية، في ظل العولمة وتصاعد خطاب حقوق الأقليات في المحافل الدولية، تصوغ مطالبها في إطار الحقوق الثقافية واللغوية ضمن تصور ديمقراطي للمواطنة.

وفي هذا السياق، كان غياب منبر إعلامي مخصص للقضية الأمازيغية يمثل نقصًا استراتيجيًا. لذلك جاءت «العالم الأمازيغي» لسد هذا الفراغ، عبر تقديم أخبار وتحليلات بالفرنسية والعربية والأمازيغية حول المطالب الأمازيغية، مع الحرص على مخاطبة المثقفين والباحثين والطلبة وصناع القرار، حتى غير الناطقين بالأمازيغية. ومنذ أعدادها الأولى، تميزت الجريدة باستقلاليتها المعلنة، وتعدديتها، وانفتاحها على النقاش الديمقراطي. وقد تموقعت عند تقاطع النضال الثقافي مع تصور ليبرالي للمجال العمومي، على غرار نماذج الصحافة البديلة التي طورتها أقليات لغوية أخرى عبر العالم.

ومن اللافت أن الجريدة ظهرت في السنة نفسها التي أُحدث فيها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، لكن بمنطق مختلف جذريًا. فإذا كان المعهد مؤسسة رسمية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، لكنها خاضعة للرعاية الملكية السامية، فإن «العالم الأمازيغي» تمثل المجتمع المدني المستقل وغير الخاضع للتوجيهات الحكومية. وهذا التوتر بين المأسسة من الأعلى والتعبئة من الأسفل يشكل أحد العناصر البنيوية للمشهد الأمازيغي المعاصر.

بين النضال والاحترافية: النموذج التحريري للجريدة

من أبرز خصائص جريدة «العالم الأمازيغي» قدرتها على التوفيق بين متطلبات تبدو متعارضة: النضال الهوياتي ومتطلبات الصحافة المهنية. وهذه المفارقة، بدل أن تكون عامل ضعف، شكلت جوهر هويتها التحريرية. فكما أظهرت دراسات عديدة حول إعلام الأقليات، فإن مصداقية الصحافة الملتزمة تقوم تحديدًا على قدرتها على تجاوز الدعاية نحو إنتاج معلومة موثوقة وتعددية.

وعلى المستوى الموضوعاتي، تغطي الجريدة طيفًا واسعًا من القضايا: التاريخ والآثار الأمازيغية، اللسانيات ومعيرة اللغة الأمازيغية، الفنون والآداب الأمازيغية، مستجدات الحقوق الثقافية، إلى جانب مقارنات مع أوضاع الأمازيغ في الجزائر ومالي وليبيا والمهجر. وهذه الأبعاد الجغرافية تعكس وعيًا أمازيغيًا عابرًا للحدود الوطنية، يشمل مجال تامازغا الذي يمتد، بحسب المؤتمر العالمي الأمازيغي، من واحة سيوة بمصر إلى جزر الكناري، ومن البحر الأبيض المتوسط إلى نهر النيجر.

أما من حيث المساهمون والمصادر، فقد استطاعت «العالم الأمازيغي» بناء شبكة من الباحثين والكتاب والمناضلين والصحافيين المهنيين، وهو ما منحها غنى تحليليًا وحماها من الانغلاق داخل خطاب أحادي. وهكذا أصبحت الجريدة مرجعًا يُستشهد به في الدراسات الأكاديمية المتعلقة بالقضية الأمازيغية. ومن خلال تراكمها الوثائقي حول الحياة السياسية والثقافية الأمازيغية على مدى خمسة وعشرين عامًا، أصبحت تؤدي وظيفة أرشيفية تتجاوز مجرد كونها جريدة.

الجريدة في مواجهة التحولات المؤسساتية الكبرى (2001–2011)

تميز العقد الأول من عمر الجريدة بحدثين مؤسساتيين كبيرين غيّرا بعمق الإطار الذي تتحرك داخله.

أولهما إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يوم 17 أكتوبر 2001. فقد نص الظهير رقم 1-01-299 على إنشاء مؤسسة عمومية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، مهمتها المساهمة في حماية الثقافة الأمازيغية والنهوض بها في مجالات التعليم والإعلام والحياة العامة. وبالنسبة لـ«العالم الأمازيغي»، شكل إنشاء المعهد انتصارًا رمزيًا للحركة الأمازيغية، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديًا تحريريًا: كيف يمكن الحفاظ على موقف نقدي تجاه مؤسسة ملكية تعلن تبنيها للمهمة نفسها المتمثلة في النهوض بالأمازيغية؟ وهكذا وجدت الجريدة نفسها بين تثمين هذا المكسب التاريخي والحفاظ على اليقظة تجاه ما اعتبره بعض المناضلين محاولة لاحتواء الحركة عبر مأسستها.

أما الحدث الثاني، فهو دستور 2011. ففي سياق الربيع العربي واحتجاجات حركة 20 فبراير، أطلق الملك محمد السادس إصلاحًا دستوريًا تضمن، في الفصل الخامس، الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية للدولة باعتبارها «رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة بدون استثناء». وقد شكل هذا المكسب التاريخي ثمرة عقود من النضال الذي ساهمت «العالم الأمازيغي» في مواكبته والدفاع عنه. وكما أكد العديد من الفاعلين الأمازيغيين، فإن هذا الترسيم شكل «قرارًا تاريخيًا» يحمل حمولة رمزية قوية تعكس التعددية المغربية.

غير أن ترسيم الأمازيغية فتح مرحلة أكثر تعقيدًا، تتعلق بتنزيل الطابع الرسمي للغة على أرض الواقع. فقد تأخر صدور القانون التنظيمي المنصوص عليه في الفصل الخامس، مما خلق حالة من التذمر داخل الأوساط النضالية. وتحولت «العالم الأمازيغي» إلى فضاء للرصد النقدي، يوثق التقدم والتأخر في تطبيق هذا الورش داخل التعليم والإدارة والإعلام.

التحديات البنيوية: التمويل والجمهور والانتقال الرقمي

إن استمرار «العالم الأمازيغي» لمدة خمسة وعشرين عامًا يمثل في حد ذاته إنجازًا داخل مشهد إعلامي مغربي يتسم بهشاشة الصحافة المستقلة اقتصاديًا. وكمعظم الصحف النضالية أو ذات الطابع الهوياتي، تواجه الجريدة صعوبات مزمنة في التمويل. فالإشهار التجاري لا يكفي لضمان التوازن الاقتصادي لصحيفة جمهورها، رغم وفائه ونوعيّته، يبقى محدودًا مقارنة بالصحف العامة الكبرى.

وتزداد إشكالية النموذج الاقتصادي تعقيدًا مع الأزمة البنيوية التي يعرفها الإعلام العالمي بسبب التحول الرقمي. فالصحافة الورقية تفقد قراءها لصالح المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والمدونات. وبالنسبة لـ«العالم الأمازيغي»، فإن التحدي مزدوج: فمن جهة ينبغي تكييف الأشكال التحريرية مع أنماط الاستهلاك الجديدة للمعلومة، ومن جهة أخرى يتعين مواكبة إنتاج محتوى أمازيغي رقمي داخل فضاء ما يزال يهيمن عليه العربية والفرنسية. ويعكس تطوير حضور رقمي عبر موقع amadalamazigh.press.ma هذا التحول، لكن الاستدامة الاقتصادية للنموذج الرقمي ما تزال غير مضمونة.

كما تطرح مسألة الجمهور إشكالات أعمق مرتبطة بالوضع السوسيولغوي للأمازيغية بالمغرب. فرغم الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية، فإن استعمالها الكتابي ما يزال محدودًا، خصوصًا بسبب ضعف التمكن من الكتابة بحرف تيفيناغ. وهكذا فإن جريدة تصدر بالفرنسية والعربية حول القضية الأمازيغية تصل أكثر إلى النخب المثقفة والجالية بالخارج مقارنة بالناطقين اليوميين بالأمازيغية، مما يخلق مفارقة داخل مهمة تعميم الثقافة الأمازيغية.

الوظيفة الذاكراتية والمساهمة في النهضة الثقافية الأمازيغية

إلى جانب وظيفتها الإخبارية والنضالية، تؤدي «العالم الأمازيغي» مهمة ذاكراتية بالغة الأهمية. فمن خلال توثيقها المنتظم للأحداث والنقاشات والإبداعات والتحركات المرتبطة بالحركة الأمازيغية المغربية منذ سنة 2001، أصبحت تشكل أرشيفًا فريدًا للذاكرة الجماعية لمكون ثقافي عانى طويلًا من التهميش والإقصاء التاريخي. وهذه الوظيفة تلتقي مع ما تسميه المؤرخة مونا أوزوف «الوعي الذاكراتي» للجماعة، أي قدرتها على سرد تاريخها لنفسها عبر الوسائط الإعلامية.

كما تتجلى مساهمة الجريدة في النهضة الثقافية الأمازيغية من خلال تغطيتها للفنون والآداب والموسيقى الأمازيغية. فمن خلال منح مساحة للشعراء والروائيين والمخرجين والموسيقيين الذين يبدعون بالأمازيغية أو حول مواضيع أمازيغية، تساهم «العالم الأمازيغي» في بناء سوق ثقافي أمازيغي ناشئ، وفي إضفاء الشرعية على إنتاج فني ظل طويلًا محصورًا في الفضاء العائلي والمحلي. كما أن تثمين اللغة الأمازيغية عبر الموسيقى والأدب يمثل أحد أقوى وسائل نقل الهوية، كما يتجلى في تجربة فنانين مثل إيدير في منطقة القبائل أو مجموعتي إيمازيغن وإزنزارن بالمغرب.

وفي سنة 2026، بينما لا تزال الجمعية العالمية الأمازيغية ترافع أمام البرلمان المغربي بشأن العراقيل التي تعترض تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، تظل «العالم الأمازيغي» مرصدًا لا غنى عنه لرصد التوتر القائم بين الوعود الدستورية والواقع المؤسساتي. وربما يكون هذا الإصرار اليقظ هو التعريف الأدق لصحافة ملتزمة استطاعت الاستمرار.

الخاتمة

في ختام هذا التحليل، تبدو «العالم الأمازيغي» أكثر من مجرد جريدة؛ إنها في الآن ذاته تعبير عن التحول العميق الذي عرفه موقع الأمازيغية داخل الحياة العامة المغربية، وأداة من أدوات هذا التحول. فعلى مدى خمسة وعشرين عامًا، واكبت الجريدة ووثقت، وأحيانًا استبقت، التحولات الكبرى التي عرفتها حركة انتقلت من النضال الهامشي إلى الاعتراف الدستوري، دون أن تتخلى عن يقظتها النقدية تجاه السياسات العمومية.

كما أن قدرتها على الاستمرار داخل بيئة إعلامية صعبة — تتسم بالهشاشة المالية، وهيمنة الصحف الكبرى، والثورة الرقمية — تعكس وجود طلب اجتماعي حقيقي على إعلام يعبر عن الخصوصيات الثقافية والسياسية الأمازيغية. وهي تؤكد أيضًا قدرة الحركة المدنية الأمازيغية على إنتاج فضاءات تعبير مستقلة والمحافظة عليها، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لأي ديمقراطية ثقافية حقيقية.

أما التحديات التي تنتظر الجريدة في ربع قرنها الثاني فهي كبيرة: تعزيز الانتقال الرقمي، وتوسيع جمهورها خارج الدوائر النضالية، والحفاظ على استقلاليتها التحريرية في سياق قد تؤدي فيه مأسسة الأمازيغية تدريجيًا إلى تداخل الحدود بين الخطاب الرسمي والخطاب المدني. وبهذا فقط يمكن لـ«العالم الأمازيغي» أن تواصل أداء رسالتها، كما يعلن عن ذلك شعارها البرنامجي: «عالم من الحرية والتعددية والديمقراطية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *