
في زمن تتسابق فيه العروض الفنية نحو الإبهار البصري والتقنيات الحديثة، تظهر بين الفينة والأخرى تجارب تعيد الاعتبار إلى جوهر الموسيقى باعتبارها فعلاً جماعياً وذاكرة مشتركة. من بين هذه المبادرات اللافتة تبرز تجربة “أشكاد أنحوش”، التي تعني في أمازيغية سوس “فلنغنِّ معاً”، كأحد المشاريع الفنية الطموحة التي تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الجمهور والأغنية الأمازيغية من موقع المشاركة لا المشاهدة فقط.
يقود هذه التجربة الفنان والموسيقي هشام ماسين، الذي اختار أن يجمع نخبة من أمهر الموسيقيين بمدينة أكادير لتقديم عرض فني مختلف، يقوم على إشراك الجمهور في أداء روائع الريبرتوار الأمازيغي السوسي بمختلف تجلياته، من فن الروايس إلى تزنزارت وتاگروبيت، مروراً بالأغنية الأمازيغية العصرية التي بصمت وجدان أجيال متعاقبة.
قد يجد البعض في هذه التجربة امتداداً للنجاح الذي حققته عروض بودشار، غير أن “أشكاد أنحوش” لا تكتفي باستلهام فكرة الغناء الجماعي، بل تمنحها هوية أمازيغية خالصة تستمد قوتها من خصوصية التراث الموسيقي السوسي وغناه الإيقاعي واللحني. فالموسيقى الأمازيغية ليست مجرد أغنيات تحفظ عن ظهر قلب، بل هي إحساس وهوية وانتماء، ولها خصوصياتها الفنية التي لا يتقن تفاصيلها الدقيقة سوى موسيقيين متمرسين عاشوا هذا التراث وتشبّعوا بروحه.
أكثر ما يلفت الانتباه في “أشكاد أنحوش” هو العناية الكبيرة باختيار الريبرتوار. فالبرنامج لا يكتفي بالعودة إلى أعمال الرواد الذين صنعوا مجد الأغنية الأمازيغية، بل يفسح المجال أيضاً لإبداعات الأجيال الجديدة، في رسالة فنية وثقافية واضحة مفادها أن الأغنية الأمازيغية ليست تراثاً جامداً يعيش على أمجاد الماضي، بل مشروعاً إبداعياً متجدداً يحتاج إلى تسليط الضوء على خلفٍ قادر على حمل المشعل وضمان الاستمرارية.
إنها رؤية فنية تنطلق من فكرة أساسية مفادها أن الحفاظ على التراث لا يكون بتقديسه فقط، بل بإعادة قراءته وتقديمه للأجيال الجديدة بلغة معاصرة. فالمهم ليس فقط إعادة أداء الأغاني المعروفة، بل تقديم رؤية فنية خاصة تترك بصمتها وتفتح المجال أمام تلاقح التأثيرات الموسيقية المختلفة مع الحفاظ على الروح الأصلية للعمل.
في هذه التجربة يصبح الجمهور النجم الحقيقي للسهرة. فالمتفرج لا يجلس في موقع المتلقي السلبي، بل يتحول إلى مؤدٍّ وشريك فعلي في صناعة اللحظة الفنية. يغني مع الأوركسترا، يعيش الإحساس نفسه الذي يعيشه الفنان على الخشبة، ويكتشف من الداخل تفاصيل التجربة الموسيقية. إنها لحظة نادرة يذوب فيها الحاجز بين المنصة والقاعة، ويتحول العرض إلى احتفال جماعي بالهوية والذاكرة والانتماء.
ولعل من حسن حظ هذه التجربة أن انطلاقتها الأولى كانت من فضاء يحمل بدوره جزءاً من ذاكرة الفن بمدينة أكادير، وهو مسرح الهواء الطلق، ذلك الفضاء الذي ارتبط على امتداد عقود بالفن الراقي والعروض التي تركت بصمتها في الوجدان الجماعي للمدينة. هناك، حيث تتعانق الموسيقى مع نسمات بحر أكادير، وحيث يمنح المعمار الجميل للمكان إحساساً بالرحابة والانفتاح، بدا الحفل وكأنه رحلة موسيقية حالمة تسافر فيها الأرواح على إيقاعات الأغنية الأمازيغية في أجواء استثنائية تجمع بين جمال المكان وسحر الموسيقى.
وقد عرفت هذه المحطة الأولى حضور عدد من الفنانين والممثلين والمسرحيين الذين حرصوا على مواكبة هذه المبادرة وتشجيعها، في مشهد يعكس تقدير الوسط الفني لمثل هذه المشاريع الثقافية الواعدة. كما كان الجمهور في الموعد، مقدماً صورة راقية عن المتلقي الذي ما زال يؤمن بقيمة الفن الجاد والهادف.
وتزداد أهمية هذا النجاح إذا استحضرنا الظرفية التي تزامن معها تنظيم الحفل، حيث جاء في فترة تعرف احتفالات “بيلماون” التي تستقطب اهتماماً جماهيرياً واسعاً، كما تزامن مع استعدادات التلاميذ لاجتياز امتحانات الباكالوريا. ورغم ذلك، اختار جمهور أكادير أن يمنح موعداً للفن الراقي مكانه المستحق، مؤكداً مرة أخرى أن المدينة التي أنجبت أسماء فنية كبيرة ما زالت وفية لذائقتها الثقافية ولعلاقتها الخاصة بالموسيقى والإبداع.
ومن زاوية أخرى، يمكن اعتبار “أشكاد أنحوش” شكلاً من أشكال التوثيق الحي للأنطولوجيا الموسيقية الأمازيغية. فبدل أن تبقى الأغاني حبيسة التسجيلات والأرشيفات، تُبعث من جديد داخل فضاء عائلي دافئ، تتناقلها الأصوات وتستعيد من خلالها الأجيال المختلفة جزءاً من ذاكرتها الجماعية. إنها أنطولوجيا حية، يكون فيها الجمهور مؤدياً ومتلقياً في الآن نفسه، يعيش إحساس الفنان ويشارك في صناعة اللحظة الفنية، في تجربة تصالح المتلقي مع هويته الموسيقية وتجعله عنصراً أساسياً في نجاح العرض.
ولا يبدو اختيار هشام ماسين لقيادة هذا المشروع أمراً عابراً أو وليد الصدفة. فالرجل ينحدر من عائلة فنية عريقة، وهو ابن أخت الفنان الراحل عموري مبارك، أحد أبرز رواد الأغنية الأمازيغية الحديثة. وقد رافق خاله الراحل لسنوات طويلة في عدد من المهرجانات الوطنية والدولية، ما أتاح له فرصة الاحتكاك المباشر بتجارب فنية كبيرة وصقل موهبته في الأداء والتلحين والتوزيع الموسيقي.
هذه التجربة الطويلة، إلى جانب تكوينه الأكاديمي الموسيقي، جعلت منه موسيقياً يمتلك رؤية متكاملة تجمع بين المعرفة النظرية والخبرة الميدانية. وهو ما يفسر قدرته على قيادة أوركسترا تضم موسيقيين محترفين وعلى التعامل مع مشروع جماعي بهذا الحجم والدقة. وعلى امتداد مساره الفني، شارك هشام ماسين في العديد من التظاهرات والمهرجانات داخل المغرب وخارجه، كما أصدر مؤخراً ألبوماً أعاد من خلاله إحياء ذاكرة فن الروايس في صيغة معاصرة تحترم جوهر التراث وتخاطب في الآن ذاته ذائقة الأجيال الجديدة. وقد تُوج هذا المسار بالحصول على الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية في صنف الأغنية العصرية سنة 2025، وهو تتويج يؤكد المكانة التي بات يحتلها ضمن المشهد الفني الأمازيغي.
اليوم، ما تزال تجربة “أشكاد أنحوش” في بداياتها، لكنها تحمل كل المقومات التي تؤهلها للتحول إلى مشروع ثقافي وفني وطني بامتياز. لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى التفاتة من منظمي المهرجانات والمؤسسات الثقافية من أجل احتضان هذه المبادرة وبرمجتها ضمن التظاهرات الكبرى، لأنها تقدم محتوى فنياً جديداً بصياغة مبتكرة، وتفتح أفقاً مختلفاً أمام الأغنية الأمازيغية المغربية.
كما أن دعم هذه التجربة وتطويرها يمكن أن يجعل منها منصة تستضيف مستقبلاً أسماء فنية كبيرة كضيوف شرف، بما يساهم في إشعاعها وتوسيع جمهورها، ويحولها إلى بطاقة تعريف حقيقية بالموسيقى الأمازيغية المغربية داخل الوطن وخارجه.
إن “أشكاد أنحوش” ليس مجرد حفل غنائي، بل مشروع ثقافي يعيد المصالحة بين الجمهور وهويته الموسيقية، ويمنح الأغنية الأمازيغية فرصة جديدة لتتنفس خارج القوالب التقليدية. إنها تجربة تؤكد أن التراث لا يعيش في المتاحف، بل في الحناجر التي تغنيه، وفي القلوب التي ما تزال تؤمن بأن الموسيقى قادرة على جمع الناس حول ذاكرة واحدة وصوت واحد.
إنها تجربة تستحق التشجيع والدعم، ليس فقط لأنها تحتفي بالماضي، بل لأنها تنظر إلى المستقبل أيضاً. فهي تفتح الباب أمام تصور جديد للأغنية الأمازيغية، تصور يزاوج بين الوفاء للتراث وروح التجديد، ويمنح هذا الفن العريق فرصة إضافية للتألق وطنياً ودوليا.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر