كتاب وآراء

تمازيغت في مدارس الريادة بين شعارات الإصلاح وحقيقة الميدان

خالد الوعزاني الكاتب العام للجنة الإقليمية لأستاذات وأساتذة اللغة الأمازيغية داخل الجامعة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل بمكناس

غياب التكوين، وتخبط التدبير، وعلامات استفهام حول الميزانيات… تحديات حارقة تعترض طريق الأمازيغية في مشروع “إصلاح” المدرسة العمومية.

تضعنا وضعية تدريس اللغة الأمازيغية داخل المدرسة المغربية اليوم، وتحديدا تحت مظلة مشروع *مدارس_الريادةⵜⵉⵏⵎⴰⵍ_ⵜⵉⵎⵏⵣⴰⵖ* أمام أسئلة مباشرة وحارقة:
إلى أي حد ينسجم الخطاب الرسمي المنادي بتجويد التعلمات مع واقعنا اليومي داخل الفصول؟ بين الأهداف البراقة المعلنة لإصلاح المنظومة التعليمية، والتي تتغنى بتحسين جودة التعليم وتطوير البيداغوجيا، وبين المعاناة والإكراهات الواقعية التي نعيشها كمدرسين ومدرسات لهذه اللغة..؟!؟

نعم! تطفو على السطح اختلالات عميقة لم يعد الصمت عنها ممكنا، وتستدعي نقاشا صريحا ومساءلة حقيقية..!؟

تتلخص هذه التساؤلات في مدى استفادتنا كمهنيين من التكوينات الضرورية، وعن الشروط الهاوية التي تراد بها دحرجة ليات التقييم والتدريس المعتمدة في “الريادةⵜⴰⵎⵏⵣⵓⵖⵜ”، ناهيك عن ملف الحكامة والشفافية في صرف الموارد المالية المرصودة للنهوض بالأمازيغية، ومدى أثرها (أو انعدامه) على ممارستنا الصفية اليومية.

*تكوين_غائب_ومحاكمات_غير_عادلة_لجودة_التعلمات*

يقوم مشروع “مدارس الريادة” على مقاربات تسعى لتدارك التعثرات وتجويد التعلم، وفي مقدمتها مقاربة “التعليم في المستوى المناسب” (TaRL)، التي تعتمد أساسا على تقييم دقيق لمستوى المتعلم وتصنيف احتياجاته لتقديم الدعم المناسب.

لكن، هل يمكن لسيارة أن تسير بلا محرك..؟

إن تنزيل هذه المقاربات يقتضي منطقيا وعمليا إعداد المدرس مسبقا، وتوفير تكوين ميداني حقيقي يوضح الأهداف والآليات وكيفية استثمار النتائج.
وهنا نضع يدنا على الجرح: كيف يعقل أن يطالب أستاذ الأمازيغية بتمرير الروائز وتطبيق المساطر البيداغوجية المعقدة للمشروع، دون أن يمنح حقه البسيط في تكوين كاف يسلحه بالأدوات اللازمة؟
إن حرماننا من التكوين ليس مجرد تعثر تنظيمي عابر؛ إنه ضرب الممارسة البيداغوجية في العمق، وتحويل الإجراءات إلى مجرد *استعراض_شكلي* وتنفيذ أعمى للتعليمات، بدل أن تكون ممارسة نابعة عن فهم واستيعاب.
هذا الوضع يثقل كاهل الأستاذ بمسؤوليات مهنية جسيمة دون توفير أدوات العمل، وهو ما يستوجب فورا إعادة النظر في شروط وأسلوب إدماج مادة اللغة الأمازيغية في مختلف مراحل المشروع.
ولعل أشد صور الاختلال قساوة وحرقة، هو ما يروج حول لجوء البعض إلى دفع أساتذة الأمازيغية لتدريس ما يسمى “المواد الأساسية” (العربية، الفرنسية، الرياضيات) خلال فترة “طارل” مقابل استفادتهم من المنحة المالية المخصصة للفريق التربوي!
إن هذا المعطى يشكل انزلاقا مهنيا وأخلاقيا خطيرا، فهذه المنحة يجب أن تمنح بناء على الاستحقاق والمواكبة المنصفة والمهام التربوية الأصلية، لا أن تستغل كأداة ضغط أو مساومة تجبر أستاذ الأمازيغية على التدريس خارج اختصاصه لنيل حق مالي يفترض أنه مكفول للفريق التربوي ككل.
هذا الالتفاف ينال من كرامة المدرس، ويضعف تدريس الأمازيغية داخل الفصل، ويخلق خلطا عشوائيا في الأدوار، ناهيك عن تكريس شعور حاد بالحيف والظلم..، إنه *”حل ترقيعي”* ظرفي يقبر جوهر المشكل (غياب التكوين) ويضحي بجودة تعلم اللغة الأمازيغية ومكانتها في المنظومة.

*تخبط إداري وغياب لتكافؤ الفرص في التكوين*

لا يمكننا فصل المعاناة اليومية لأستاذ الأمازيغية عن طبيعة التدبير الإداري والتربوي السائد؛ فنجاح أي ورش إصلاحي رهين بوضوح الرؤية، والتنسيق السلس بين الوزارة والمديريات الإقليمية والمؤسسات، عبر برمجة زمنية محددة للتكوين والمواكبة.
لكن الواقع يكشف عن غياب هذا التنسيق؛ حيث يستثنى أساتذة اللغة الأمازيغية مرارا وتكرارا من محطات التكوين والمواكبة التي يستفيد منها زملاؤهم في المواد الأخرى، وكأننا نغرد خارج السرب! (مع فرض تكوينات فيما يسمى المواد الأساسية على أستاذ اللغة الأمازيغية ).
إذا كانت الوزارة جادة في جعل “مدارس الريادة” مدخلا للنهوض بالمدرسة العمومية، فإن أول شروط هذه الجدية هو الإنصاف بين جميع المواد الدراسية، وعدم التمييز بين المدرسين في فرص التكوين والاطلاع على المستجدات البيداغوجية.

إن الاستمرار في التعامل مع الأمازيغية كمادة تكميلية يُكتفى معها بحلول مرتجلة وإجراءات ظرفية، لن يؤدي إلا إلى تقزيم دورها، وإجهاض كل الأهداف المعلنة لتعميمها والارتقاء بجودتها.

*ميزانيات الأمازيغية أين أثرها في أرض الواقع؟*

بالموازاة مع معضلة التكوين، يفرض سؤال التمويل نفسه بحدة..!؟!
فكثيرا ما نسمع في التصريحات واللقاءات الرسمية عن رصد اعتمادات مالية ضخمة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وتعزيز حضورها في القطاعات الحكومية، وعلى رأسها التعليم.
لكننا كفاعلين في الميدان لا نقتنع بالأرقام الصماء؛ المعيار الحقيقي بالنسبة لنا هو كيف تصرف هذه الاعتمادات؟ وما الذي يصل منها بالفعل إلى الفصل الدراسي؟
ما قيمة الأرقام الضخمة والمعلنة، إذا كان الأستاذ في المدرسة ما يزال يتخبط في غياب غلاف زمني خاص بالمادة وتنقلات بين حجرات الدرس كساعي البريد وغياب التكوين، ثم شح الدلائل البيداغوجية والوسائل الدديداكتيكية، ويفتقر للمواكبة التربوية اللازمة؟
نريد إجابات واضحة وشفافة:
أين صرفت تلك الاعتمادات؟
وما هي البرامج التي مولت بها؟
وما هي النتائج الملموسة التي تحققت على مستوى التعميم والجودة؟
إن تقييم الأثر الميداني لهذه الأموال هو المدخل الوحيد لتصحيح المسار وتوجيه الإمكانيات نحو أولوياتها الحقيقية.

*اقصاء أستاذ مادة اللغة الأمازيغية من التكوين مساس بجوهر الإنصاف*

إن أي تأخير أو تسويف في إدماج أساتذة اللغة الأمازيغية في تكوينات “مدارس الريادة” يتجاوز حدود الأخطاء التنظيمية؛ إنه يمس في العمق مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص.
فالأمازيغية ليست مجرد مكون عابر في هويتنا، بل هي نواة الهوية المغربية وأحد أعمدة تشكلها التاريخي والحضاري، وهي السمة التي تمنح هذا الوطن عمقه وتجذره، وقد أقر الدستور رسميتها، وجاء القانون التنظيمي رقم 26.16 ليرسم خريطة طريق إدماجها في الحياة العامة، وفي مقدمتها المدرسة.

ومن هذا المنطلق، فإن إنصاف الأمازيغية داخل الفصل الدراسي لا يمكن اختزاله كاستجابة لمطلب فئوي أو لغوي، بل هو اعتراف أصيل بهوية الوطن وترجمة لخصوصيته وتعدده.. وهذا الحضور الفعلي لن يتحقق بالشعارات أو بإقحام المادة شكليا في استعمالات الزمن، بل بتوفير الشروط المادية والبيداغوجية والمهنية التي تضمن تدريسها بفعالية وجودة.

وهنا تقع المسؤولية المباشرة على عاتق الوزارة والجهات الإدارية والتربوية المشرفة على المشروع لتوضيح أسباب هذا التفاوت في التكوين، والتدخل العاجل لتدارك هذه الاختلالات، بإنصاف أستاذ مادة اللغة الأمازيغية وإدماجه على قدم المساواة مع كافة زملائه.
كما أن المستشارين التربويين والخبراء والمشرفين مطالبون، كل من موقع اختصاصه، بالنزول إلى الميدان لتشخيص الصعوبات واقتراح حلول عملية شجاعة، بدل الاكتفاء بإدارة الأمر الواقع وتبرير الاختلالات.

*خريطة طريق لتدارك الوضع: أربع أولويات عاجلة*
لتجاوز هذه الأزمة والانتقال من منطق التشخيص إلى العمل الفعلي، نرى كأهل ميدان أن الحل يمر عبر أربع أولويات لا تقبل التأجيل:
*التكوين والمواكبة المستمرة:* تمكين كافة أساتذة الأمازيغية من تكوينات تطبيقية شاملة حول آليات التقييم والتدريس المعتمدة في “مدارس الريادة”، مع توفير مواكبة ميدانية تضع الأستاذ في صلب العملية.
*المساواة وتكافؤ الفرص:* إدراج مدرسي الأمازيغية في جميع المصوغات التكوينية والبرامج المرتبطة بالمشروع وفق أجندة زمنية واضحة، وتوفير نفس الدلائل والموارد البيداغوجية المتاحة لباقي المواد.
*الشفافية في التدبير المالي:* توضيح معايير وضوابط الاستفادة من المنحة المخصصة للفريق التربوي وربطها بالمهام الفعلية، مع الكشف بشفافية عن أوجه صرف الميزانيات المرصودة للأمازيغية ومدى انعكاسها على واقع التدريس والتكوين.
*ربط_المسؤولية_بالمساءلة_والتقييم:* تحديد المسؤوليات بدقة لرصد التجاوزات والاختلالات وتصحيحها في حينها، مع ملاءمة الإجراءات البيداغوجية للمشروع مع خصوصيات تدريس اللغة الأمازيغية لضمان أثر حقيقي وملموس على مستوى المتعلمين.

*الأمازيغية الامتحان الحقيقي لجدية الإصلاح*

إن حديثنا عن تدريس الأمازيغية في *”مدارس الريادةⵜⵉⵏⵎⴰⵍ ⵜⵉⵎⵏⵣⴰⵖ”* ليس جدالا تقنيا مغلقا، ولا معركة فئوية خاصة، بل هو امتحان حقيقي لمستقبل العدالة اللغوية والتربوية في مدرستنا العمومية.
فنجاح أي إصلاح لا يقاس بالنوايا الحسنة، ولا بحجم البهرجة الإعلامية، ولا بعدد المؤسسات المنخرطة، بل بمدى قدرته على تغيير واقع الفصل الدراسي، وتحسين مكتسبات التلميذ، وتوفير ظروف عمل كفيلة بحفظ كرامة المدرس واستقراره المهني.
فالتعامل مع مطالب أساتذة اللغة الأمازيغية يستدعي رشدا مؤسساتيا ذو مقاربة تشاركية، ينصت للفاعلين الميدانيين، ويتعامل بشفافية مع المعطيات، ويملك الشجاعة لتدارك أخطاء التكوين والتسيير والتمويل.

ان النهوض باللغة الأمازيغية داخل المنظومة التعليمية هو الحجر الأساس لبناء مدرسة منصفة وذات جودة تترجم أحكام الدستور إلى واقع ملموس يعيشه أبناؤنا كل يوم.

ويبقى السؤال الأهم الذي ينتظر إجابة ميدانية:
هل ستكون هذه المعاناة والاختلالات فرصة للسيد الوزير بن عبد الله لمراجعة شاملة وتصحيح مسار مشروع “مدارس الريادة” بما يضمن الإنصاف لأستاذ ومادة اللغة الأمازيغية ومتعلمها، أم سنظل نسير في حلقة مفرغة من الحلول الترقيعية والتجاهل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى