حين يتم تغييب الأمازيغية من النقاش

أتذكر، وأنا تلميذة في المرحلة الثانوية، وفي إحدى حصص اللغة العربية، أنني نطقت الفعل “قال” كما ينطقه كثير من المغاربة، ب “گال”. فطلبت مني الأستاذة أن أنطقه بصيغته العربية، مؤكدة أن علينا أن نتحدث لغتنا الأصلية دون تحريف. أجبتها آنذاك بأن لغتي الأصلية، إذا كنا نتحدث فعلا عن اللغة الأصلية، هي الأمازيغية، والفعل الذي يقابل “قال” فيها هو “ءينا”، وليس “قال” ولا “گال”.
استحضرت هذه الواقعة وأنا أتابع النقاش الذي أثارته طريقة نطق السيدة رئيسة الحكومة لبعض الكلمات أثناء عرضها للبرنامج الحكومي، ولا سيما الكلمات التي تنتهي بالهمزة. وقد استوقفني أن يتحول اختلاف في النطق إلى موضوع للانتقاد، بدل أن يكون مناسبة للتأمل في جانب من جوانب الشخصية المغربية التي تشكلت عبر قرون من التفاعل بين لغاتها وروافدها الثقافية.
إن الذين يتوقفون عند نطق الهمزة ويجعلون منه معياراً للحكم على سلامة التعبير يغفلون حقيقة أساسية في المجتمع المغربي، ألا وهي أن اللغة ليست مجرد كلمات نتعلمها في المدرسة، بل هي أيضاً تاريخ يسكن أصواتنا، وذاكرة تتوارثها الأجيال، وعادات تعبيرية تتشكل في البيت والشارع والمحيط الاجتماعي. ولذلك، فإن أثر اللغة الأمازيغية لا يقتصر على من يتحدثونها فحسب، بل يمتد إلى طرائق النطق والتعبير لدى قطاعات واسعة من المغاربة، حتى ممن لا يستعملونها في حياتهم اليومية.
لا أستحضر هذا الواقع من باب التنظير، فأنا لست لسانية، بل من واقع عشته وعاينته. فإلى جانب تجربتي الشخصية، عشت تجارب أخرى منها ما كان يدور بين بعض أصدقائي المحامين من أحاديث طريفة حول نطق مصطلح “الأمر بالأداء” بطريقة تقارب “الأمر بالأذى”. مما كان يثير الضحك والتنكيت.
وينطبق الأمر نفسه على من ينطقون أسماء من قبيل “هناء” و”وفاء” بطريقة تقارب “هانا” و”وفا”. وهي أمثلة بسيطة من الحياة اليومية، لكنها تؤكد أن اختلاف النطق ظاهرة مألوفة بين المغاربة، إلا أن المشكلة ليست فيمن ينطق الهمزة أو لا ينطقها، وإنما في النظرة التي تجعل من اختلاف صوتي بسيط مدخلاً لإصدار الأحكام، دون استحضار الخلفية اللغوية والتاريخية والثقافية والجغرافية والمجالية التي تمنح لهذا الاختلاف معناه، فالشخصية المغربية لا يمكن فهمها بمعزل عن الأمازيغية وبمعزل عن المجال الجغرافي، ولا يمكن قراءة لغتها اليومية وكأنها تشكلت في فراغ.
فالأمازيغية ليست لغة وافدة على المغرب، ولا تفصيلاً هامشياً في تاريخه، بل هي لغة أصيلة، وجزء من ذاكرته الجماعية، وإحدى اللغتين الرسميتين للمملكة بمقتضى دستور 2011. ومن ثم، فإن أثرها في النطق والتعبير ليس أمراً يحتاج إلى تبرير، بل حقيقة ينبغي فهمها في إطار تاريخي ولساني أوسع.
إن المسألة، في تقديري، أكبر من همزة لم تُنطق، أو كلمة جاءت على غير الصورة التي اعتادها البعض. إنما تتعلق بمدى قدرتنا على فهم واستيعاب حقيقة المغرب الذي ننتمي إليه، وبمدى استعدادنا لاستحضار والتعامل مع الأمازيغية باعتبارها جزءاً أصيلاً من تكويننا الوطني، لا مجرد موضوع للاحتفاء المناسباتي. لذلك، فكان من الأجدر أن يجعل، من يعتبرون أنفسهم حراس معبد اللغة العربية مثل هذه الوقائع، فرصة لفهم الذات المغربية، لا مناسبة لإصدار الأحكام.




