رشيد بوهدوز: النهوض بالأمازيغية نهوض بالوطن

يرى رشيد بوهدوز، رئيس اللجنة الأمازيغية بحزب الأصالة والمعاصرة، أن الاستثمار في الأمازيغية يساهم في الاعتزاز بالهوية المغربية والانتماء إلى الوطن. ويؤكد التزام اللجنة بالإسهام في ترجمة الالتزامات الحكومية إلى نتائج ملموسة في التعليم والإعلام والإدارة وسوق الشغل، من خلال التنسيق والتتبع والتقييم.
في هذا الحوار مع جريدة “العالم الأمازيغي“، يتحدث بوهدوز عن إعداد خريطة طريق خلال تسعين يوما عبر لقاءات موسعة مع الحركة الأمازيغية، ويشرح تصوره للشراكة في التنفيذ وموقفه من اختزال حضور الأمازيغية داخل المؤسسات في الترجمة.
رئيس اللجنة الأمازيغية بالبام: سنعمل على إعداد خريطة طريق للتفعيل والمواطن هو من يختار لغة مخاطبة الإدارة
كيف تقيمون حضور الأمازيغية في البرنامج الحكومي؟
نرحب بحضور الأمازيغية في البرنامج الحكومي، تجسيدا للإرادة الملكية السامية في النهوض بالأمازيغية وتفعيل طابعها الرسمي. وهو التزام ينسجم مع الأسس التي تأسس عليها حزب الأصالة والمعاصرة ومكانة الهوية المغربية في مشروعه، ويعكس أيضا نضالات وترافع مناضلات الحزب ومناضليه من أجل ترجمة هذه القناعة إلى التزامات واضحة في البرنامج الحكومي.
ومسؤوليتنا اليوم هي الإسهام في إنجاح التنفيذ، بخريطة طريق واضحة وتحديد للمسؤوليات والآجال وتتبع النتائج وأثرها في حياة المواطنين.
ما المكانة التي تحتلها الأمازيغية في تصوركم للمشروع الوطني؟
نعتبر الأمازيغية لغة الوطن أجمع. إنها عمق تامغرابيت والمشترك الجامع للمغاربة. لذلك، فإن أهميتها لا تقتصر على الجانب اللغوي، بل تمتد لتشمل علاقتنا بتاريخنا وهويتنا وانتمائنا.
غايتنا هي الإسهام في بناء مغربي متصالح مع ذاته، فخور بهويته وتاريخه وخصوصيته المغربية. ونرى في هذا الاعتزاز الواعي بالانتماء دعامة لتماسك الوطن واستقراره.
لهذا أقول إن النهوض بالأمازيغية نهوض بالوطن، وإن الاستثمار فيها يساهم في الاعتزاز بالهوية المغربية والانتماء الوطني. فالمواطن الواعي بقيمة وطنه وعمق هويته يكون أقدر على صون مصالحه الوطنية. ومن هذا المنطلق نرفض الولاءات العابرة للحدود التي تعلو على الولاء للوطن.
ما أولويات التفعيل بالنسبة إليكم؟
الأمازيغية قضية أفقية تهم مختلف القطاعات، وهذه القطاعات مترابطة. ومع ذلك نعتبر التعليم مدخلا أساسيا للإنصاف، ونمنح الإعلام أهمية كبيرة بحكم أثره في الاستعمال اليومي وفي المكانة الاعتبارية للغة.
نريد أن يتمكن الطفل من تعلم الأمازيغية وأن يجد لها حضورا مستمرا في حياته. ونريد إعلاما يمنحها مكانة تليق بها ويتيح للمواطن محتوى يستجيب لاهتماماته.
كما نريد أن تكون حاضرة في الإدارة والخدمات والعمل. ما نبحث عنه هو مسار متواصل تظهر نتائجه في الواقع، وتترك فيه الموارد المصروفة أثرا بعيد المدى. فعدد المهرجانات والأنشطة لا يكفي وحده للحكم على تقدم هذا الورش.
تحدثتم عن تسعين يوما. ماذا ستعملون خلالها؟
سنعمل خلال تسعين يوما على إعداد خريطة طريق، عبر لقاءات موسعة مع الحركة الأمازيغية امتدادا للقاءات التي أجريناها سابقا، وتقديمها إلى رئيسة الحكومة.
ستتضمن هذه الخريطة الأولويات والمسؤوليات والآجال ومؤشرات التقدم، لتضع أساسا واضحا للتتبع والتقييم والمساءلة.
هذه المدة محطة لإرساء أساس العمل. أما التنفيذ فيحتاج إلى جهد متواصل، لكن ينبغي أن ننطلق بتصور واضح يسمح بمعرفة ما تحقق وما تعثر وما يحتاج إلى معالجة.
ما الآليات التي ترونها ضرورية لإنجاح هذا المسار؟
الأساس هو وجود آليات فعلية للتنسيق والمتابعة والتقييم والمساءلة. لا نريد أن تظل الأمازيغية مرهونة بمزاج مسؤول أو بدرجة اهتمام وزارة معينة.
يجب أن يعرف كل قطاع مسؤوليته، وأن يخضع أداؤه للتقييم. وأي قطاع لا يؤدي دوره بالقدر المطلوب ينبغي أن يساءل عبر الآليات المؤسساتية.
وفي هذا الاتجاه سبق أن تقدمنا بمقترح إحداث قطاع حكومي لدى رئاسة الحكومة مكلف بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. نرى أهمية وجود بنية واضحة المسؤولية تواكب التنفيذ وتنسق بين القطاعات وتقترح معالجة التعثرات، مع احترام اختصاصات كل قطاع. أما الصيغة القانونية والتنظيمية المناسبة فتحتاج إلى ضبط ودراسة.
كيف تتصورون العلاقة مع الحركة الأمازيغية في هذه المرحلة؟
اللجنة منفتحة على الحوار مع مختلف مكونات الحركة الأمازيغية وفي تواصل مستمر معها. فمناضلات اللجنة ومناضلوها هم أيضا مناضلون في الحركة الأمازيغية وفاعلون فيها، يحملون مطالبها ويساهمون في نقاشاتها ومبادراتها. وقد أتاح لهم العمل الحزبي الجمع بين هذا التراكم وتجربة الترافع داخل المؤسسات، وهو رصيد ينبغي استثماره في إنجاح التفعيل.
كيف تجمعون بين دعم الحكومة ومساءلتها عن التنفيذ؟
نلتزم بالإسهام في التفعيل منذ البداية، بتقديم تصور واضح ومتابعة العمل أولا بأول واقتراح الحلول أثناء التنفيذ.
هذه الشراكة تسمح برصد الصعوبات في وقتها ومعالجتها آنيا. دعم الحكومة في الوفاء بالتزاماتها يقتضي أيضا تقديم الملاحظات والتنبيه إلى التعثر وتحمل المسؤولية في المواكبة.
نريد أن تكون لهذه الشراكة ترجمة عملية، وأن نساهم بخبرتنا وتراكمنا في تحقيق النتائج التي ننتظرها جميعا.
تحدثتم عن الأثر المادي والاعتباري. كيف يتجسد ذلك؟
حين تكون للأمازيغية مكانة معتبرة في سوق الشغل، ستجد أسر كثيرة حافزا إضافيا لتعليمها لأبنائها. نريد أن يرى الشباب فرصا لاستعمالها والعمل والإبداع بها في مختلف القطاعات.
يشمل ذلك التعليم والإدارة والإعلام والمقاولات والمشاريع والمحتوى والخدمات. فمكانة اللغة تتعزز أيضا حين تكون لها قيمة في الحياة المهنية والاقتصادية.
والأثر الاعتباري مهم بالقدر نفسه. نريد أن يشعر المواطن بقيمة لغته وثقافته وحضورهما في مؤسسات بلده. الاعتزاز بالأمازيغية والاعتزاز بالهوية الوطنية متلازمان في تصورنا، وينبغي أن يواكبهما أثر ملموس في حياة الناس.
وما دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟
الاستثمار في التكنولوجيا مهم جدا للنهوض بالأمازيغية وتوسيع حضورها واستعمالها، والرقمنة جزء مهم من عملنا داخل اللجنة. وقد أنشأنا «البام الرقمي» ePAM و«النائب الرقمي» eNaib بالعربية والأمازيغية، إسهاما في تطوير العمل السياسي والتواصل مع المواطنين باللغتين.
كما أشرف شخصيا على تطوير محرك للذكاء الاصطناعي والبحث تحت اسم RZU، ومعناه «ابحث» بالأمازيغية. وهو مشروع قيد التطوير يجسد انخراطنا الفعلي في مجال الذكاء الاصطناعي باسم الأمازيغية. وأطلقنا أيضا علامة «صنع في المغرب» التي قدمناها في رالي الذكاء الاصطناعي. هذه المشاريع تعبر عن انخراطنا العملي في الرقمنة وإيماننا بأهميتها في توسيع حضور الأمازيغية وإنتاج المعرفة والخدمات بها.
وتبقى الغاية التي توجه هذا الاستثمار هي الإنسان. نريد أن تخدم الأدوات الحديثة مواطنا معتزا بهويته وانتمائه، وأن يجد للأمازيغية مكانة في واقعه ومستقبله. لذلك نقيس قيمة هذه الجهود بما تضيفه إلى التعلم والاستعمال والإنتاج وفرص العمل.
لديكم موقف من التركيز على الترجمة داخل المرافق العمومية. ما أساسه؟
أرفض اختزال حضور الأمازيغية في الترجمة وجعل الوسيط هو القاعدة في علاقة المواطن بمؤسساته. نريد إدارة تخاطب المواطن مباشرة بلغته.
لا أستسيغ أن يقضي موظف سنوات في منطقة ناطقة بالأمازيغية دون أن يبذل مجهودا لتعلمها. الموظف نفسه قد يجتهد في تعلم لغة بلد أجنبي حين ينتقل إليه، ومن الأولى أن يبذل جهدا لتعلم لغة وطنية رسمية يستعملها المواطنون الذين يقدم لهم الخدمة.
وسنعمل على الترافع من أجل إدراج تعلم الأمازيغية ضمن أسس تكوين موظفي المرافق العمومية، مع مراعاة التعابير المتداولة في المناطق التي يعملون بها. وينبغي أن يمتد هذا الجهد أيضا إلى المناطق غير الناطقة بالأمازيغية، حتى تتطور قدرة المؤسسات على التواصل بها.
لكن ماذا لو كان المواطن الناطق بالأمازيغية يتقن العربية أيضا؟
معرفته بالعربية لا تلغي اختياره التعبير بالأمازيغية. قد يستطيع التواصل اليومي بالعربية، لكنه يعبر عن أفكاره وأحاسيسه وتفاصيل ما عاشه بدقة أكبر بلغته الأم.
تزداد أهمية ذلك في المواقف الحساسة، مثل الاستجواب والترافع، حيث يمكن أن تؤثر كلمة غير دقيقة في فهم أقواله أو موقفه. لماذا نضعه أمام صعوبة التعبير بلغة أخرى وهو داخل مؤسسات بلده؟
كما أن الحاجة إلى الأمازيغية لا تنتهي حين تتعلم الأجيال المقبلة العربية. نريد لها استعمالا دائما داخل المؤسسات، وأن تظل لغة يختارها المواطن في علاقته بإدارته.
ما المبدأ الذي تريدون تأكيده في ختام الحوار؟
المواطن هو من يختار اللغة التي يخاطب بها الإدارة، والإدارة ملزمة بأن تستجيب له مباشرة بلغته، دون وساطة.
هذا من المعاني العملية التي نعطيها للنهوض بالأمازيغية. نريد أن يشعر المغربي بأنه في وطنه، وأن لغته وهويته تحظيان بالاعتبار في مؤسساته، وأن يلمس ذلك في التعليم والإعلام والخدمات وفرص العمل. بهذا يكتسب الاعتزاز بالهوية أثره في الحياة اليومية ويتعزز الانتماء إلى الوطن.




