أخبار عاجلة

ستة من مئتين؛ أو وجه الأمازيغية الشاحب..

بقلم: د. جمال أبرنوص*

تستدعي القراءة التأملية للبرنامج الثقافي المقترح في خضم أنشطة المعرض الدولي للنشر والكتاب، في دورته الحالية، وقفة نقدية رصينة تجمع بين واجب الإشادة وحق التحليل المعرفي. فمن الإنصاف بمكان تسجيل التقدير العالي للمجهودات التنظيمية التي بصمت وتبصم هذا المحفل الثقافي، سواء من حيث استقطاب نخب فكرية وقامات أدبية سامقة، أو من حيث هندسة المحاور التي تلامس قضايا من صميم الدينامية الأدبية والفكرية المحلية والإقليمية. كما يقتضي الوفاء للتجربة الشخصية الثناء على العناية التي تحاط بها النخب المثقفة والمحاضرون، لاسيما في تفاصيل الإقامة والسفر، وهي التفاتة مؤسساتية تعكس وعيا بقيمة الرأسمال الرمزي في البناء الحضاري.

بيد أن هذا الرضا التنظيمي واللوجستي لا يحول دون رصد مفارقة إبستمولوجية تتبدى في عمق التصور البرمجي؛ فمن بين ما يفوق 200 نشاط ثقافي، لا تجد الأمازيغية لنفسها مكانا إلا في خمس أو ست محطات محتشمة (2.83٪). والحقيقة أن هذا الاختلال الرقمي ليس مجرد كبوة إجرائية عابرة، بل هو تمظهر جلي لإشكال بنيوي عابر للقطاعات، ينهل من تصور مرجعي يصر على حصر الأمازيغية في خانة القسمة الثقافية المجهرية المعزولة، والمنكفئة على ذاتها، بدلا من استدعائها بوصفها كيانا ثقافيا عميقا وعرضانيا شاملا، يقع في صلب كل تفاصيل الإنتاج الثقافي المادي وغير المادي، بمعنييه الأنثروبولوجي والإيديولوجي.

ولعل المأزق الجوهري يكمن في تغييب الأمازيغية عن الأرضيات ذات الطبيعة الاستيعابية، وهو تغييب يكرس نوعا من العزل المعرفي؛ فكيف يستقيم التفكير في خانات- محاور مطردة من قبيل: «نوافذ على الأدب المغربي»، أو «الأدب أفقا للتفكير»، أو «بين عوالم الفنون»، أو «لقاءات فكرية»، في غياب شبه تام للصوت الأمازيغي؟ بماذا يشي إقصاء الأمازيغية من محور «الرهانات الثقافية والاقتصادية»، ومن منصة «ترجمة العالم وكتابة الآخر»، ومن «أمسيات الشعر» و«أصوات نسائية» و«صدر حديثا»؟ ألا يوحي ذلك بتصور يختزل الأمازيغية في بعد فولكلوري أو هوياتي ضيق، ويحرمها من سعيها الدؤوب لتصير مختبرا لإنتاج المعنى والجماليات المعاصرة التي تخاطب الكونية؟

إن هذه الإشارات لا تروم التشويش على النجاحات المحققة في تدبير هذا العرس الثقافي، بل هي دعوة هادئة لترميم الخيال المؤسساتي وتجاوز المقاربة القطاعية المنغلقة. فالحكمة تقتضي أن نتجاوز التدبير الصوري الذي يختزل الأمازيغية في ركن وحيد هو: «المغرب المتعدد»، كما لو كان ذلك واجبا مجاملاتيا يراد به تبرئة الذمة التدبيرية، بل إن الواجب، بقوة الاعتراف الدستوري، أن تستدعى الأمازيغية بوصفها روحا سارية في قلب كل الخانات المشار إليها آنفا، أي في صلب قضايا تتوزع على أشكال عديدة من الإنتاج الثقافي الوطني (أدب، موسيقى، سينما، مسرح، تعبيرات ثقافية مختلفة..)، وباعتبارها شريكا عضويا في صياغة الأسئلة الكبرى ضمن أكبر قدر من الفقرات التي تروم تقييم واستشراف إسهامنا الحضاري.

إن الهدف هو الانتقال من منطق الاستضافة الثقافية إلى منطق التجذر الأنطولوجي، بما يضمن انسجام الممارسة مع الأفق الدستوري، وبما يسمح للأمازيغية بأن تكون، كما كانت دوما، فاعلا عرضانيا في تشكيل الهوية والوعي المغربيين.

لا شك أن الحكمة تقتضي أن ندرك أن هذا النمط من التدبير، الذي يكتفي بتمثيليات رمزية تحت مسمى التعددية الصورية، صار اليوم متجاوزا، وأن الإبقاء على الأمازيغية حبيسة الاعتراف الخطابي مع الحرمان من إعادة التوزيع العادل للمنصات (بتعبير أكسيل هونيث ونانسي فريزر) صار سلوكا تدبيريا لا يليق بذكائنا الجماعي، ومستوى إشعاعنا الثقافي، وحكمتنا التاريخية في تدبير دينامياتنا الثقافية والسياسية.

* جمال ابرنوص – أستاذ باحث، كلية الآداب- وجدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *