أخبار عاجلة

هل المغاربة عرب أم أمازيغ؟ سؤال الهوية الذي لا يموت

بقلم: أحمد ايت محند
أستاذ: اللغة الأمازيغية وباحث في خوارزميات الذكاء الاصطناعي

لماذا نخاف من المرآة؟

تخيل أنك تنظر في المرآة كل صباح، وترى وجهك واضحا بملامحه، بعيونه، ببشرته. ثم يأتي صوت من الخلف، صوت لا تعرف مصدره تماما، صوت تربيت عليه منذ طفولتك، ليقول لك: “لا، هذا ليس وجهك الحقيقي. وجهك الحقيقي مختلف. وجهك الحقيقي هناك، في الشرق، حيث طلعت الشمس أول مرة.” وتكرر الصوت سنوات، حتى كدت تصدقه. حتى كدت تكره المرآة.

هذا بالضبط ما حدث لملايين المغاربة. يكرهون المرآة لأنها تقول الحقيقة. يفضلون الصورة المرسومة لهم، الصورة المعلبة، الصورة المستوردة. الصورة التي تقول: “أنت عربي.”

وهنا بيت القصيد. هذا المقال ليس عن الدولة. ليس عن السياسة. ليس عن القوانين. هذا المقال عنك، أنت، أيها المغربي الذي تصر على أنك عربي أصيل. أنت بالذات. سأمسك بيدك وأقودك إلى المرآة. وستنظر. وسترى. وستؤلمك الرؤية. لكن الألم أول خطوة نحو الشفاء من وهم مريح دام طويلا.

من أين أتيت أنت؟

فلنبدأ بسؤال بسيط، سؤال طفل في السادسة: من أين أتيت؟

لا تسأل عن أجدادك الذين تحفظ أسماءهم عن ظهر قلب، المتصلين في شجرة العائلة إلى “سيدي فلان”. هذا سؤال آخر، سؤال أنساب مصنوعة. أنا أسألك عن أجدادك قبل خمسة عشر جيلا. قبل أربعين جيلا. قبل الإسلام أصلا. من كانوا؟

خذ وقتك. فكر. لا أعني “نحن كنا عربا وهاجرنا” التي سمعتها في العائلة. أنا أعني: حين كان العرب في شبه الجزيرة يبنون دولتهم الأولى على عهد النبي، أين كان أجدادك أنت؟

كانوا هنا.

في السهول الممتدة بين الأطلس والبحر. في الجبال الشاهقة التي تثقب السحاب نهارا وتحصي النجوم ليلا. في الواحات الخضراء المتشبثة بالحياة في قلب الصحراء. كانوا يزرعون ويرعون ويبنون ويحاربون. كانوا أمازيغ.

هذا ليس تنظيرا. هذه حفريات. هذه جينات. هذه بقايا مدن ومعابد ونقوش على الصخور لا تزال تصرخ: “هنا كان الأمازيغ.” قبل الرومان. قبل الفينيقيين. قبل العرب. قبل الإسلام. قبل كل ما تظنه أصلك.

فكيف، بربك، تحول أجدادك هؤلاء، فجأة، إلى عرب؟ كيف اختفوا من ذاكرتك؟ كيف صاروا “مرحلة سابقة” في سرديتك الشخصية؟ كيف صرت تستحي أن تقول: “أنا حفيد ماسينيسا ويوغرطة” وتفتخر بدلا من ذلك بأنك “حفيد الأدارسة”؟

أتعرف لماذا؟ لأن أحدا ما، في لحظة ما من التاريخ، أقنع أجدادك بأن الأمازيغي أقل شأنا. بأن الأمازيغي )بربري( و)همجي( و)لا دين له( و)لا حضارة له(. أقنعهم بأن العروبة هي الرقي، هي الشرف، هي النسب النبوي، هي الجنة. فماذا فعل أجدادك المساكين؟ تركوا مرآتهم، وأداروا ظهورهم لوجههم الحقيقي، ولبسوا قناعا عربيا، ظنا منهم أن القناع أنقذهم. ثم مرت الأجيال. وصار القناع لاصقا بالوجه. وصار الوجه الحقيقي غريبا مخيفا. وصار خلع القناع ألما لا يطاق.

وهكذا صرت أنت. أنت الذي تقول اليوم: “أنا عربي أصيل.”

الأنساب المشتراة وأكذوبة الشرف

لنتحدث عن شجرة عائلتك. تلك الشجرة المؤطرة في صالون البيت، أو تلك المحفوظة في صندوق الوثائق عند كبير العائلة. تلك التي تصل، في العادة، إلى “سيدي فلان بن فلان بن فلان” حتى تصل إلى الحسن أو الحسين أو أحد الصحابة. جميلة هي. مريحة للنفس. أليس كذلك؟

فلنكن صريحين بقسوة: كم دفعت أجدادك ثمنا لهذه الشجرة؟

لا، لا أتهم عائلتك بالكذب. أصف ظاهرة تاريخية موثقة: ظاهرة “شراء الأنساب الشريفة”. في المغرب، كما في كل شمال أفريقيا، صار الانتساب إلى آل البيت، أو على الأقل إلى قبيلة عربية قرشية، وسيلة اجتماعية للترقي. وسيلة للحصول على الاحترام. وسيلة لتجنب دفع الجزية في بعض الفترات. وسيلة لتبرير المكانة السياسية. “نحن لسنا مثل بقية )البربر(، نحن شرفاء.” وهكذا راجت سوق الأنساب. أنساب تشترى وتباع. أنساب تلفق وتوثق. أنساب تختفي تحتها أصول أمازيغية بادية كالشمس.

والنتيجة؟ أنت اليوم، بعد قرون، تحمل هذه الشجرة وكأنها إنجيلك المقدس. وتقول: “انظر، مكتوب هنا. نحن عرب.” ولا تسأل نفسك: مكتوب عند من؟ ومن كتبه؟ ولماذا كتبه؟ وفي أي سياق؟

إن سذاجة قبول الأنساب العائلية دون أي فحص نقدي هي منتهى السذاجة المعرفية. إنها مثل تصديق إعلان تجاري لأنه “مكتوب على العلبة”. الأنساب العائلية المغربية، في جزء كبير منها، ليست وثائق تاريخية محايدة. إنها وثائق سياسية واجتماعية. كتبت لغرض. والغرض لم يكن حفظ الحقيقة. الغرض كان حفظ المكانة.

تعال نقم بتجربة بسيطة: كم عدد “الشرفاء” في المغرب؟ إن جمعت كل من يدعي النسب النبوي، لحصلت على رقم خيالي. ملايين “الشرفاء”. فكيف هاجر هذا العدد الهائل من آل البيت من الحجاز إلى المغرب في القرون الأولى؟ هل كانوا يتكاثرون بالانقسام الخلوي؟ هل كانت نساؤهم تلد كل شهر؟ الجغرافيا السكانية وحدها تفضح هذه المبالغات. لكن العقل الذي يريد أن يصدق سيصدق. والعقل الذي يصدمك سيصدمك.

وهكذا تعيش أنت مطمئنا إلى نسب “عربي شريف”، بينما الحقيقة، الحقيقة المرة، أن أجدادك الحقيقيين يبكون في قاع ذاكرتك، متوسلين إليك أن تنظر إليهم مرة واحدة.

الجينات لا تكذب، لكنك تكذب على نفسك

دعنا ننتقل من التاريخ إلى البيولوجيا، لأن العلم أحيانا يكون أقسى من الكلام.

في العقدين الأخيرين، تطورت دراسات الحمض النووي تطورا هائلا. وصار بالإمكان، عبر تحليل بسيط، معرفة الأصول العرقية بدقة. ماذا قالت هذه الدراسات عن سكان شمال افريقيا؟

قبل أن أسرد النتائج، أريد أن أتخيل وجهك وأنت تقرأ. ربما تتوتر. ربما تشيح بالنظر. ربما تقول: “العلم لا يعنيني، هويتي في ديني ولساني.” لكن الحقيقة لا تهرب منها. الجينات لا تكذب. وهي تقول بكل وضوح: المغاربة، في غالبيتهم الساحقة، أمازيغ جينيا.

تقول الدراسات إن المكون الجيني الأمازيغي يشكل الأغلبية المطلقة في شمال أفريقيا. هناك مكونات أخرى قليلة: عربية، أفريقية جنوب الصحراء، أوروبية. لكنها مكونات هامشية مقارنة بالأساس الأمازيغي الصلب. حتى في المناطق التي تعتبر “عربية” تقليديا، الجينات أمازيغية في العمق.

فكيف تفسر لنفسك هذا؟

هل ستقول إن الجينات “مؤامرة”؟ هل ستقول إن “صحيح، الدم أمازيغي، لكن الروح عربية”؟ هذا كلام شاعري، لكنه كلام فارغ حين يتعلق الأمر بالأنثروبولوجيا. الروح لا تقاس بالجينات. الروح تتعلق بالثقافة والانتماء. لكن السؤال الذي أواجهك به هو: لماذا تنفي الجانب البيولوجي أصلا؟ لماذا تحذفه من حساب الهوية كأنه غير موجود؟

لأنك ببساطة لا تريد أن تواجه الحقيقة. لأنك استثمرت عاطفيا في سردية “العروبة”. والآن، أي دليل يخالفها يصبح تهديدا وجوديا. تفضل رفض الدليل على تعديل السردية. هذا اسمه في علم النفس “التنافر المعرفي”. تضبط نفسك بين فكرتين متناقضتين: “أنا عربي” و”الحمض النووي يقول أنا أمازيغي”. ولأن التغيير صعب، تختار إنكار العلم. تختار راحة الكذبة على ألم الحقيقة.

اللغة ليست عرقا، والدراجة ليست عربية

وهنا الحجة الأكثر ترددا، الحجة التي تخرج كل مرة حين تضيق السبل: “طيب، وإذا كنا أمازيغ، لماذا نتكلم العربية؟

لنفرق بين أمرين: اللغة التي تتكلمها اليوم، واللغة العربية الفصحى.

أنت، أيها المغربي، لا تتكلم العربية الفصحى في البيت. أنت تتكلم الدارجة. والدارجة ليست عربية خالصة. أبدا. الدارجة المغربية لغة هجينة، نبتت من رحم التمازج. فيها قاموس عربي كبير، نعم. لكن تركيبها العميق، طريقة بناء الجملة، إيقاعها، وحصة مهمة من مفرداتها، أمازيغية.

أمثلة عشوائية: “نقول “شكون” وهي من الأمازيغية “شكون”. نقول “شنو” “بزاف” “بوشويا” و بعض الجمل التي ترجمت حرفيا الى اللغة العربية مثلا “ضرب سكسو مع راسك ” “جا معك السروال” … . نقول “خيزو” و”ماطيشة” و”ساروت” و”مش” و”تْبنْ” ومئات الكلمات في الفلاحة والطبخ والجسد والحيوانات. نحن لا ننطق العربية مثل المشارقة لأن جهازنا الصوتي متأثر بالأمازيغية.

هذا يعني ببساطة: حتى حين تتكلم ما تظنه “عربية”، فإن أمازيغيتك تنطق من بين شفتيك من حيث لا تدري. لسانك يفضحك. لسانك أمازيغي يلبس ثوبا عربيا.

ثم إن قبول العربية كلغة ليس حكرا عليك. شعوب كثيرة في التاريخ تبنت لغة غير لغتها الأصلية وظلت هويتها العرقية مختلفة. الأتراك يتكلمون التركية وليس العربية، رغم أنهم مسلمون. الباكستانيون يتكلمون الأردو. و… كلهم مسلمون، ولم يتحولوا إلى عرب.

لماذا تعتقد أنت، وحدك، أن تكلم العربية جعلك عربيا؟ لماذا لا تقول ببساطة: “أنا أمازيغي تعربت لغويا”؟

لماذا ترفض هذه الصيغة المعقولة؟ لأنك لا تريد أن تكون أمازيغيا. هذا ليس موقفا علميا. هذا موقف عاطفي، بل مرضي. إنه كراهية ذات مبطنة. لقد أقنعوك بأن الأمازيغي شيء “ناقص” أو “بدائي”، ففعلت كل ما بوسعك لتخرج من جلده. والآن، بعد أن خرجت، تخاف من العودة.

أنت لست ضحية، أنت الجلاد

وهنا نصل إلى أعمق نقطة، النقطة الأكثر إزعاجا.

أنا لا ألومك على ما فعله التاريخ. أجدادك المساكين كانوا ضحايا لنظام ثقافي جعل من الأمازيغية عيبا. لكنك أنت لم تعد في القرن التاسع عشر. أنت تعيش في القرن الحادي والعشرين. لديك إنترنت. لديك كتب. لديك دراسات. لديك أمازيغ حولك ما زالوا يتحدثون لغتهم، وما زالوا يتذكرون.

المشكلة ليست أنك جاهل. المشكلة أنك تختار الجهل. تختار ألا تقرأ. تختار ألا تسمع. تختار أن تكرر ما سمعته من جدك دون تفكير. تختار أن تنظر إلى ابن بلدك الأمازيغي وتقول له، بابتسامة متعالية: “وا داك الشلح” و “الشلحة ديالكم” و”الأمازيغية ما تنفع في والو” و”هادو بقايا التاريخ.”

أنت، في هذه اللحظة، لست ضحية. أنت الجلاد. أنت من يعيد إنتاج الإقصاء. أنت من يهين أصل 90% من سكان هذا البلد، بما فيهم أجدادك أنت. أنت من يرفض الاعتراف، ليس خوفا على “وحدة الوطن”، بل خوفا على صورته الذاتية الهشة.

صحيح أنك لا تتحكم في الدولة. لا تتحكم في البرامج الدراسية. لا تتحكم في الخطاب الرسمي. لكنك تتحكم في نفسك. تتحكم في ما تعتقده. تتحكم في الكلمات التي تقولها لأطفالك. تتحكم في نظرتك إلى جارك الأمازيغي. تتحكم في قبولك للحقيقة أو رفضك لها.

وهنا مربط الفرس: مشكلتك ليست مع التاريخ. مشكلتك مع نفسك. أنت لا تريد أن تكون أمازيغيا لأن “الأمازيغي” في قاموسك النفسي شيء صغير. شيء متخلف. شيء فولكلوري. وهذا القاموس لم تضعه أنت وحدك، لكنك أنت من يحافظ عليه كل يوم. أنت من يرفض رميه.

كن صريحا مع نفسك للحظة: هل ترفض الأمازيغية حقا لأنك تعتقد أنك عربي، أم ترفضها لأنك تحتقرها في اللاوعي؟ لأنك تظنها أقل منزلة؟ لأن العروبة تعطيك شعورا بالتفوق؟ شعورا بالانتماء إلى “أمة عظيمة” بدل الانتماء إلى “قبيلة جبلية”؟

هذا هو السؤال الذي يلسع. وهذا هو السؤال الذي لن تجرؤ على طرحه على نفسك. لكنني سأطرحه نيابة عنك. وأترك الجواب معلقا في الهواء بين كلمات هذا المقال وضميرك.

الإسلام ليس عربيا، فلا تستخدم الدين درعا

وهنا تأتي النقطة الحساسة، النقطة التي يخاف كثيرون من الاقتراب منها.

يخرج أحدهم، حين تضيق به السبل العقلانية، ليقول: “حسبي الله، تريدون تفريق المسلمين. تريدون إبعادنا عن لغة القرآن. الأمازيغية مؤامرة علمانية.”

فلنتحدث بوضوح: الإسلام ليس ملكا للعرب. هذه حقيقة إسلامية قبل أن تكون حقيقة تاريخية. القرآن نفسه يقول: “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.” لا ليذوب بعضكم في بعض. الشعوب تبقى شعوبا، والقبائل تبقى قبائل، والتعارف هو الغاية، لا الإذابة.

عمر بن الخطاب كان عربيا، وبلال بن رباح كان حبشيا، وسلمان الفارسي كان فارسيا، وصهيب الرومي كان روميا. كلهم صحابة، وكلهم على قدم المساواة في الإسلام، ولم يطلب منهم أحد أن “يتعربوا”. الإسلام دين، وليس هوية عرقية. الخلط بينهما هو الخطر الحقيقي على الدين، لا الاعتراف بالأمازيغية.

ثم إن أجدادك الأمازيغ، الذين تتنكر لهم اليوم، هم من حمل الإسلام إلى أعماق أفريقيا. هم من نشروه في الصحراء الكبرى وفي السودان الغربي. هم من دافعوا عنه في الأندلس. قبائل صنهاجة ومصمودة وزناتة هي التي صنعت إمبراطوريات إسلامية عظيمة، بينما كانت الجزيرة العربية في فترات موغلة في فوضى قبلية. أين العروبة إذن في هذا المشهد؟

حين تستخدم الدين لإسكات الحديث عن الأمازيغية، فإنك لا تدافع عن الدين. أنت تدافع عن احتكارك للسردية. أنت تستغل قداسة الدين لحماية وضع مريح. لا أحد يطلب منك ترك الإسلام. لا أحد يطلب منك ترك العربية. ما يطلب منك بسيط: اعترف بأن الإسلام والعربية وصلا إلى أمازيغ، ولم يصلا إلى فراغ. اعترف بأن الأمازيغي مسلم، وبأن إسلامه لا يقل عن إسلام العربي شيئا، وبأن له الحق في أن يكون مسلما أمازيغيا لا مسلما مستعربا.

سيكولوجية المستلب، أو لماذا تقاتل الحقيقة؟

في أدبيات علم نفس ما بعد الاستعمار، هناك مفهوم اسمه “الاستلاب”. الاستلاب هو أن يتبنى الإنسان المقهور قيم الذي يقهره، وأن ينظر إلى نفسه بعيون سيده، فيحتقر ذاته ويحاول التشبه بالمسيطر.

هذا ما حدث لك، أيها المغربي الذي تصر على عروبتك الأصيلة. أنت مستلب. تنظر إلى نفسك الأمازيغية بعيون عربية. ترى الأمازيغي بدائيا لأن العين التي تنظر بها هي عين القومية العربية التي صنفت الشعوب. عين جعلتك في أسفل السلم، وجعلت العربي في أعلاه. فماذا فعلت؟ بدل أن تحطم السلم، حاولت أن تتسلقه. بدل أن تقول: “هذا السلم ظالم”، قلت: “دعوني أصعد إلى درجته العليا لأكون مثل السادة العرب.”

وهكذا صرت تتنكر لأمك وأبيك. صرت تقول بفخر: “أنا عربي” وتقول بازدراء: “أولئك أمازيغ.” لكنك لا تدري أنك في اللحظة التي تزدري فيها الأمازيغي، أنت تزدري جزءا من نفسك. أنت تمارس عنفا رمزيا على ذاتك كل يوم.

هذا مؤلم. أعرف. قراءة هذا الكلام ليست سهلة. لكن الدواء مر. والتغيير يبدأ من لحظة الوعي. من لحظة تنظر فيها في المرآة وتقول: “أنا لم أعد خائفا. أنا أمازيغي تعربت لغويا، وأمازيغيتي ليست عيبا، بل هي جذري في هذه الأرض منذ فجر التاريخ.”

المخرج، أو كيف تتصالح مع المرآة؟

بعد كل هذا الهدم، قد تسألني: “وماذا تريد مني؟ أن أترك العربية؟ أن أترك الإسلام؟ أن أحرق شجرة العائلة؟”

لا. لا. لا.

لا أطلب منك شيئا متطرفا. لا أطلب منك أن تلغي شيئا من هويتك الحالية. أطلب منك شيئا واحدا: التوقف عن الكذب على نفسك. التوقف عن رفض الأمازيغي الذي يسكنك. التوقف عن النظر إليه كشيء دخيل أو ماضٍ متجاوز.

أنت مغربي. وهذا يعني أنك وريث هذا التاريخ كله. الوريث الشرعي لماسينيسا كما أنت الوريث الثقافي للسان الضاد. الوريث البيولوجي لأولئك الذين سكنوا هذه الأرض قبل آلاف السنين، كما أنك الوريث الروحي للإسلام الذي جاء لاحقا. ليس مطلوبا منك أن تختار. مطلوب منك أن تعترف. أن تقول: “نعم، الجزء الأمازيغي في ليس حادثا عرضيا. إنه أصلي.”

الخطوة الأولى: اقرأ. اقرأ تاريخ بلادك قبل الإسلام. اقرأ عن نوميديا وموريطنية. عن ماسينيسا ويوغرطة. عن تاكفاريناس الذي دوخ روما. اقرأ كيف كان أجدادك يعيشون وينظمون مجتمعاتهم. ستكتشف عالما كاملا أخفي عنك.

الخطوة الثانية: استمع. استمع إلى الأمازيغية. لا تستنكرها. لا تقل “ما نفهمش”. حاول أن تفهم. إنها لغة أجدادك. كلماتها نائمة في لهجتك الدارجة. استمع إليها بقلب مفتوح.

الخطوة الثالثة: تكلم. حين يأتي الحديث عن الهوية، لا تقل “نحن العرب” كأنها حقيقة مطلقة. قل: “نحن المكونان معا.” أو “نحن الأمازيغ الذين تعربت ألسنتنا.” غير الخطاب ولو بكلمة. صدقني، هذه الكلمة تغير شيئا في دماغك. تغير شيئا في دماغ من يسمعك.

الخطوة الرابعة: علم أطفالك. لا تورثهم الكذبة. لا تقل لهم: “نحن عرب.” قل لهم: “نحن مغاربة. أصلنا أمازيغي قديم جدا. ثم جاء الإسلام وجاءت العربية وأصبحنا جزءا من هذه الحضارة الكبيرة. نحن الاثنان معا.” هذه الجملة البسيطة تصنع فرقا هائلا في نفسية طفل. تجعله ينشأ متصالحا مع نفسه، لا مستلبا.

الخاتمة: الشجاعة في آخر السطر

أنهي هذا المقال الطويل بالعودة إلى البداية. إلى المرآة.

كل صباح، حين تنظر إلى وجهك، تذكر هذا الكلام. وجهك ليس عربيا. وجهك أمازيغي في عمقه، تزينه طبقات من التاريخ والتمازج. هذا الوجه ليس عيبا. ليس أقل من أي وجه آخر. هذا الوجه يحمل في تضاريسه حكاية عريقة بدأت قبل آلاف السنين، وما زالت تكتب فصولها.

لا تخف من هذه الحقيقة. الحقيقة لا تأكل أحدا. الأكذوبة هي التي تأكل. تأكل احترامك لذاتك. تأكل علاقتك بأرضك. تأكل مصداقيتك أمام أطفالك.

أن تكون أمازيغيا ليس انتماءً حزبيا. ليس شعارا سياسيا. ليس بيانا انتخابيا. إنه ببساطة، وبكل هدوء، أن تعرف من أين أتيت حقا. أن تتصالح مع التربة التي خرجت منها. أن تتوقف عن استعارة هوية ليست لك، وتلبس أخيرا هويتك الحقيقية.

لكن هذه الهوية الحقيقية لا تلغي شيئا. أن تكون أمازيغيا لا ينفي أنك تتكلم العربية. لا ينفي أنك مسلم. لا ينفي أنك جزء من ثقافة امتدت قرونا. كل ما هنالك أنك تضع كل شيء في مكانه. الأساس تحت البناء، وليس العكس.

فانظر في المرآة. لا تدِر وجهك. واجه نفسك. واسأل نفسك السؤال الأخير، لا “هل أنا عربي أم أمازيغي؟” بل: “هل آن لي أن أتوقف عن الكذب على نفسي؟”

الجواب عندك. والمرآة تنتظر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *