أخبار عاجلة

حين تكشف الكاميرا ما تخفيه النفوس والجدران

بقلم: أمينة ابن الشيخ أوكدورت

ما بثّه الصحافي حميد المهداوي على قناته في “يوتيوب” ليس مجرد فيديو يُضاف إلى محتوى عابر، بل هو مادة تستحق وقفة تأمل عميقة لما تكشفه من مستويات مقلقة تتجاوز مضمون الشريط نفسه. فالمشهد الذي قُدّم للرأي العام يعكس انحدارًا واضحًا في طريقة الحديث، وفي أسلوب إدارة شؤون البلاد وفي منهجية التداول في الجلسة التي يُفترض فيها أنها “جلسة محاكمة”، وفي نوعية النقاش الذي دار بين بعض الحاضرين. ولكن الأخطر من كل ذلك هو السلوك التنمّري الذي مورس تجاه هيأة الدفاع وبالأخص الأستاذ المحامي عمر الداودي، المعروف بالتزامه وبدافاعه عن الحقوق المرتبطة بالإنسان وبالمجال، وهو سلوك لا يمكن قبوله داخل فضاء يفترض فيه القدر الأعلى من الأخلاق والرصانة والمسؤولية.

كما يكشف الفيديو كذلك صورة مقلقة عن مستوى بعض مؤسساتنا، إذ إن المداولات والاجتماعات—سواء كانت قضائية أو إدارية أو مهنية—هي في الأصل أمانات، ولا يجوز أن تتحول إلى فضاءات للتصوير الخفي أو التسريبات أو التصيد. فكيف يمكن لأي فاعل أو مسؤول أن يعمل بثقة وطمأنينة إذا كان يعلم أن من خلف الجدار توجد كاميرا تتصيد وتترصّد له الأخطاء وتعد له المكائد بهدف التشهير و المزايدات؟

إن ما ظهر في هذا الشريط لا يسيء فقط إلى الأشخاص الذين ظهروا فيه، بل ينعكس سلبًا على صورة المهنة وعلى مستوى التسيير داخل بعض المؤسسات المرتبطة بها. فهو يكشف أزمة أعمق من مجرد حادث معزول، ويظهر الحاجة الملحة إلى ترسيخ المهنية واحترام أخلاقيات العمل وإعادة الاعتبار لهيبة المهنة ولقواعدها.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية القادمة، يصبح من الضروري الاعتراف بأن الأزمة ليست فقط أزمة ممارسات، بل أيضًا أزمة نخب. فقد حان الوقت للبحث عن كفاءات وشخصيات من نساء ورجال هذا الوطن، ليس فقط للمشاركة في الانتخابات، بل لتولي المسؤوليات الكبرى داخل المؤسسات.
نحن بحاجة إلى أشخاص تساء ورجال تربّوا على القيم والأخلاق الحسنة، وإلى بروفايلات سياسية وإدارية نزيهة قادرة على الاندماج في منطق الخدمة العمومية لا منطق الامتيازات.
إن دمقرطة الإدارة وتصالحها مع المواطن واستعادة الثقة في المؤسسات لن تكتمل إلا عبر انتقاء جيل جديد من المسؤولين يتحملون الأمانة بصدق، ويرتقون إلى مستوى تطلعات المواطنين.

لقد كان الفيديو مؤلمًا ومحزنًا، لكنه في الآن ذاته جرس إنذار ينبغي الإصغاء إليه، لأنه يعري واقعًا يتطلب إصلاحًا عميقًا يبدأ من الإنسان قبل النصوص والآليات.

اقرأ أيضا

ابن الشيخ: تكشف العداء القطري للمغرب ليس كرويا.. بل سياسي هوياتي بامتياز

كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن الطريقة التي تتعامل بها قطر مع الفريق الوطني الرديف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *