
لم يفقد بعض ضحايا زلزال الحوز منازلهم فقط، بل فقدوا شيئًا أعمق؛ جزءًا من ثقتهم في علاقتهم بمؤسسات الدولة. فبعد أن سقطت البيوت وتحولت الجدران إلى ركام، ظهرت مفارقة عجيبة؛ مواطن يُصنَّف “غير مقيم” في المنزل الذي انهار فوق ذكرياته، وهو يحمل وثائقه.
هناك من أدلى بشهادة السكنى المسلَّمة من السلطة المحلية، وبطاقة التعريف الوطنية، ووثائق إدارية تثبت ارتباطه بالعنوان نفسه. هناك من كانت مراسلاته تصل إلى الدوار ذاته، ويصوّت في العنوان نفسه، ومن عاينت السلطات انهيار منزله بالكامل. ومع ذلك، حين حان وقت التعويض، كان الجواب شفويًا “غير مقيم”.
إذا كانت شهادة السكنى وثيقة رسمية صادرة عن جهة مختصة، فكيف تُسقطها قراءة إدارية ضيقة؟ وإذا كانت المعاينة الميدانية تثبت الانهيار الكلي، فكيف يُقصى صاحبه من حقه في الدعم؟
لا أحد يجادل في ضرورة ضبط لوائح المستفيدين. لكن بين الضبط والإنصاف خيط دقيق. حين تُستوفى الشروط الشكلية، وتُقدَّم الوثائق المطلوبة، ثم يُرفض الملف دون تعليل واضح ومكتوب، فإن الأمر لا يبدو تطبيقًا صارمًا للقانون بقدر ما يبدو تأويلًا يفتقد المرونة والعدالة.
غير السليم أن حالات متشابهة عوملت بمعايير مختلفة. وهنا يطفو السؤال؛ أي قانون طبق؟ وأي معيار اعتمد؟ هل نحن أمام مسطرة موحدة، أم أمام قراءات انتقائية تفرز “محظوظين” و”مغضوبا عليهم”؟
الإقامة في السياق القروي ليست دائمًا حضورًا يوميًا كما في المدينة. كثيرون يشتغلون خارج الدوار، ويعودون دوريًا، ويرتبطون ببيوتهم ارتباطًا أسريًا وسوسيو-اقتصاديًا ثابتًا. المنزل هناك ليس مجرد عنوان إداري، بل مركز العائلة ومرجع الانتماء. فهل تتحول الهجرة الاضطرارية من أجل لقمة العيش إلى قرينة ضد صاحبها؟
القضية لم تعد مجرد نزاع حول تعريف الإقامة، بل أصبحت اختبارًا لمفهوم العدالة الإدارية. إعادة الإعمار لا تُقاس بعدد الأسقف المشيَّدة، ولا بالبلاغات الموزَّعة، ولا بالتصريحات الرسمية، بل بمدى شعور المتضرر بأنه مُعترف به. فالضحية لا يطلب امتيازًا، بل حقًا مؤطرًا بمعايير واضحة وشفافة تُطبَّق على الجميع دون استثناء.
حين يُحرَم المواطن من حقه في الدعم والتعويضات المخصصة للأسر المتضررة، رغم شهادة السكنى والوثائق الرسمية، ورغم فقدان منزله بالكامل، فإن السؤال يتجاوز الملف الفردي ليطال جوهر العلاقة بين الإدارة والمواطن؛ من يضمن عدالة المسطرة نفسها؟
عامان ونصف، ولا تزال مئات الأسر بلا سقف، بلا مأوى يؤويهم من برد الشتاء وحرارة الصيف. فقدوا منازلهم بالكامل، وتُركوا بلا حتى توضيح رسمي ولا بحث عن حلول لإنهاء الأزمة. ما كشفته التحقيقات التي نُشرت قبل أيام ؛ تحقيق حقوقي، تحقيق صحفي، وتقرير لترانسبرانسي ؛ وما يردده ضحايا زلزال الحوز على مدى أكثر من عامين في الوقفات الاحتجاجية والشكايات والتصريحات، واقعٌ لا يمكن إنكاره ولا تجاوزه.
ويبقى الطريق لإنصاف ضحايا زلزال الحوز واضحًا؛ فتح تحقيق شامل وشفاف يكشف الخروقات والتلاعبات التي استفاد منها بعض من لا يستحقون، بينما تُركت الأسر المستحقة بلا مأوى ولا تعويض. العدالة هنا ليست امتيازًا، بل حق مشروع، وقياسها الحقيقي هو أن تُطبق القوانين والمعايير على الجميع بلا استثناء، لتتحول الكوارث الطبيعية إلى فرصة لإعادة الثقة بين المواطن والدولة، لا إلى معاناة إضافية بفعل القرارات الإدارية.
وبين الحدث الطبيعي والقرار الإداري، تُقاس اليوم قيمة المواطنة.
جريدة العالم الأمازيغي صوت الإنسان الحر
