سلا: ساكنة “الديبو” بين مطرقة الترحيل وسندان الإقصاء

بعد أن طال الإنتظار، يشهد اليوم الحي الصفيحي راس الما المعروف ب “الديبو” بتابريكت، انطلاق عملية ترحيل جزء من سكانه نحو الوجهة الجديدة ببوقنادل قرب سوق الحد، حسب ما جاء على لسان الساكنة، في إطار برنامج سلا بدون صفيح، الذي كان من المقرر إسدال الستار عليه مع نهاية سنة 2020، لكن بحكم الوضعية الوبائية التي يمر منها العالم بسبب تفشي فيروس كورونا، تم تأجيله على غرار العديد من المشاريع التنموية ببلادنا.

ساكنة “الديبو” عانت من التهميش والإقصاء لأزيد من 50 سنة مضت، مفتقرين لأبسط ظروف العيش الكريم، ناهيك عن انتشار المخدرات وارتفاع نسبة الجريمة، وانتظرت تفعيل البرنامج بفارغ الصبر لتتفاجئ بإقصاء من نوع آخر، حيث تم إرسالهم إلى “آخر الدنيا”، كما عبر أحد من الساكنة، فبعدما كانوا في مركز مدينة سلا، وعلى مقربة من جميع مرافق الحياة، والأغلبية يعملون بالأحياء الصناعية ب “حي الرحمة” التي لا تعتبر بالبعيدة على المنطقة، بالإضافة إلى سوق الجملة الذي يشكل مصدر رزق العديد من شباب “الديبو”، وكانوا بجوار جميع أنواع المواصلات، سيتم الآن نقلهم إلى بوقنادل نحو المصير المجهول، رفقة العديد من سكان الدواوير الأخرى التي استفادت بنفس المنطقة.

وتعاني غالبية الساكنة من قساوة الحياة والفقر المدقع، حيث لا يمكنهم توفير حتى الحاجيات اليومية الضرورية، فكيف يمكنهم اليوم أداء المبلغ المالي المحدد من طرف السلطات المختصة، مبلغ إجباري للحصول على البقعة الأرضية؟ وكيف يمكنهم تغطية مصاريف البناء والإصلاح، ونفقات الكراء ريثما تسلم لهم البقعة؟.

اليوم تمكنت السلطات من إخلاء وهدم العديد من دور الصفيح ب “الديبو”، واختفت معها ملامح الكثير من البنايات العشوائية، وانتقل أصحابها لدور للكراء انتظارا للاستفادة من بقعة قصد توفير السكن اللائق، ضمن مشروع إعادة إيواء قاطني دور الصفيح بمدينة سلا
وبالنسبة للساكنة، فالسكان القابلين للعرض والذين رحلوا بدون احتجاج هم إما ميسورون أو يتوفرون على شقق أو بيوت في ملكيتهم، أو من المستفيدون من الوضع، أي بطريقة أخرى الأشخاص حديثي السكن، والذين نجحوا في توفير “براكة” بتدخل من سماسرة السكن العشوائي بغية الاستفادة من البقعة الأرضية، ولا يمتون بصلة للساكنة الأصلية ل «راس الما”، والتي لازالت تدافع عن مطالبها إلى حدود اليوم وترفض الرحيل نحو الإقصاء والتهميش والعزلة.

وحسب البرنامج المقرر، ستستفيد كل عائلتين في بقعة واحدة من 80 متر مربع، أما بالنسبة للعائلات المركبة ستستفيد من بقعة أرضية واحدة، وهذا ما ترفضه الساكنة التي ترغب في استفادة كل رب أسرة لبقعة دون مشاركته لجار آخر، وتحاول فتح باب الحوار مع المسؤولين للتعبير عن مطالبها.

وفي تصريح أحد السكان، فقد أكد على مطلبهم الرامي باستفادة كل شخص في بقعة لوحده قائلا “عوض أن نستفيد من 80 متر مربع مع أحد آخر داخل صراعات لا منتهية، نفضل أن نستفيد من 40 متر مربع لكل رب أسرة، مع تفادي المشاكل التي من الممكن أن تطرأ مع الطرف الآخر”، مضيفا “صبرنا لكل مصاعب الحياة، وافتقرنا منذ ولادتنا بين أسوار هذا الحي الصفيحي إلى أبسط حقوق العيش الكريم، منتظرين لحظة التفاتة طيبة نعيش من خلالها ما تبقى من حياتنا بكرامة، وها نحن نتفاجئ بالإقصاء، ولاندري إن كان هذا عن قصد أم ماذا؟ وهل سيستمر المسؤولون في حياكة قصة تفقيرنا وتهميشنا؟؟ نريد جوابا صريحا من أحدهم”.

وعبرت امرأة في 60 من عمرها من الساكنة عن رغبتها في استلام البقعة بدون انتظار الذي لم تحدد مدته بعد، قائلة “انتظرنا هذه اللحظة بفارغ الصبر، كنا نحلم بالاستفادة في عين المكان، كل عائلة بشقة خاصة بها، واليوم أحلامنا تلاشت الواحدة تلوى الأخرى والترحيل أمر لا مفر منه، ولكننا نطالب في هذه الظروف بتسليمنا البقع، فليس لدينا إمكانية تغطية مصاريف الكراء في غياب موعد محدد لاستلامنا للبقعة”.

ومن جانب آخر، عبر أحد القاطنين ب “الديبو” عن استيائه من “ركوب المنتخبين زمن الانتخابات أمواج الأحياء الصفيحية، وحشد آلاف الأصوات مقابل تغرير الساكنة بالاستفادة من السكن اللائق في ظروف جيدة وأخد مطالبها بعين الإعتبار”، مضيفا “ها نحن اليوم نواجه مصيرنا لوحدنا دون مجيب ولا مساند”.

وأعرب أحد من سكان الحي الصفيحي عن عدم اختيار الوقت المناسب للترحيل “فعلى غرار الأزمة والركود الاقتصادي الذي يشهده العالم، فمعظم سكان “الديبو” يعانون من أزمات مادية بسبب الجائحة، وهناك من فقد عمله، فليس هذا هو الوقت المناسب لترحيل الساكنة”.

وجدير بالذكر، أن سنة 2004 شهدت التوقيع على برنامج سلا بدون صفيح أمام جلالة الملك، ومنذ ذلك الحين وساكنة المدينة تنتظر إعلانها مدينة خالية من دور الصفيح ومن البراريك والسكن الهش.

وطال الانتظار واستطال، وارتفع معه عدد سكان دور الصفيح، وبقي تحقيق هذا التحدي ومعالجة كل النقط الصفيحية، رهين لعدة عروض ولنفس العقد والبرنامج القاضي بإعلان مدينة سلا بدون صفيح، برنامج فشل الذريع الذي مني به، والذي جددت برمجته في سنة 2007 قبل أن يتم تحديد موعد آخر لسنة 2010، ليبقى الإعلان معلقا إلى ما بعد سنة 2020.

وبوادر الأمل في أن تصبح سلا مدينة بدون صفيح بدأت تلوح مع انطلاق عملية الترحيل بعدد من مناطق السكن العشوائي، بل والقضاء على بعضها بشكل نهائي، ك دوار “سهب القايد” الموجود قرب المحطة الطرقية لمدينة سلا والذي عمر لأزيد من سبعة عقود مضت، لكن سحابة الدور الصفيحية بالمدينة لم تنتهي بعد، فبغياب تام لحل يرضي جميع الأطراف، سيكون من الصعب أن يصبح “الديبو” في خبر كان، وستبقى معظم الساكنة الهشة لهته “البراريك” مهددة بسندان الترحيل نحو المجهول ومطرقة النوم في الخلاء.

دنيا أزداد

شاهد أيضاً

عادة “أفتال” بمنطقة آيت هاني

تقع منطقة ايت هاني في نفوذ دائرة أسول، عمالة إقليم تنغير، التي أبدع معمارها بناة ...

4 تعليقات

  1. مقال جميل دنيا بالتوفيق

  2. مقال يصف بدقة معانات ساكنة “الديبو” شكرا لك دنيا 🖤

  3. رضى حبيب الله

    مقال في المستوى لكن يجب تعجيل في ترحيل هذا الحي الصفيحي

  4. مقال رائع، بالتوفيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *