فضاءات ثقافية: البلاند بحثا عن مساحات خصيبة أكثر تمجيدا للحرية

مثلما تمرد مسرح بريشت على إرغامات الجدار الرابع ومقتضياته، اجترحت مخيلة شباب من مدينة تزنيت لنفسها فضاءا ثقافيا خاصا بملامح بقدر ما تحتفي بالجذور بقدر ما تبحث عن مساحات خصيبة لممارسة مغامرتها الإبداعية،
شباب لا تغريهم المساحات الثقافية العمومية والرسمية، خلقوا لأنفسهم فضاءا حميميا يعكس رؤيتهم إلى الواقع وإلى مغرب الألفية الجديدة، مغرب ما بعد حركة نايضة وموجة الفوزيون واستعارة البولفار، يجسدون من خلاله صوتهم الخاص ورؤيتهم الحداثية المنتصرة للقيم الكونية والتي تصدر عن تصور للإبداع يعلي من شأن العنفوان ويبحث عن سياقات تواصلية جديدة لبناء الجسور مع الجمهور العمومي ومع الاجتماع الثقافي والفني، إنه صوت يصون فرادته، ليس صوت الإدارة وليس صوت الأحزاب، يشتغل في هوامش يقترح من خلالها على المتداول الثقافي إسهامات طلقت في تحققها كل صيغ العمل المدني المنبري والكلاسيكي وارتادت آفاقا مغايرة منشغلة في ذلك كله بأسئلتها الخاصة من قبيل سؤال الهوية وممكنات الفنون والتغيير الاجتماعي الخلاق والسينيما البديلة، وهي الأسئلة التي حظيت باهتمام خاص في مسار هذه التجربة الشبابية والتي نوعت أشكال اشتغالها وصيغ تحققها، البلاند وغيره من الفضاءات الثقافية الخاصة في تزنيت حسب السوسيولوجي المغربي رشيد أترحوت استطاعت أن تؤسس لها امتدادات في الفضاء العمومي استطاعت أن ترتب للشباب مسارات أخرى أكثر وعدا بالحياة، واستطاعت أن تجعل فضاء تزنيت منفلتا من إسار الهيمنة الذكورية وتؤمن لشباب من مختلف الجنسين هوامش الفعل الإبداعي وللحضور الوازن كقوى فاعلة في سيرة المدينة. انتماء البلاند إلى الهامش وإلى فضاءات الجنوب المغربي لم يكن ليحد من جموح إرادة الحياة والوجود، شباب اختار أن يشعل الشمعة بدل أن يلعن الظلام، واختار مقاومة البداهات والابتذال والكيتش بما هو حالة من يقول ما يرضي الجميع، شباب البلاند لا يهادن في عفويته وانسيابيته يقين المزاج العام، إنه يجسد صوته الخاص، ولا يقول أحدا، ولا يتكلم باسم أحد ولا يدعي ذلك، لا يقول غير قلقه وارتيابه وإيمانه بالمستقبل، بما هو فضاء تحرير الإمكانات التي لم تتحقق في الماضي، هكذا يستقي الفضاء جمالياته ويشيد معالم هويته البصرية من ذاكرة الجسد الجريح المغربي ومن ألوان التجربة الصباغية الأمازيغية في أشكالها المتصلة بالحياة اليومية وبالفن الفطري والفنون القروية حيث إعادة التفكير في الماضي الثقافي بوجه عام واستعادة أيقوناته وقاماته الكبرى من رايسات المراقص وشاعرات الفضاءات الأطلسية الليلية التي تنسجم ورؤية تستثمر الفنون البصرية المعاصرة، وإن كان لفضاء البلاند من رسالة فهي ذلك الرهان في تنمية الوجدان وبناء الإنسان، فضاء يؤمن بحكمة محمود درويش لما كتب ” لقد هزمتك يا موت الفنون جميعها” وفي ملحمة الفنون وحربها الشبيهة بحرب دي لامانشا وطواحين الهواء تنداح ظلال الموت وتبتهج الحياة الرمزية وتستعيد تيزنيت ديناميتها الثقافية ووجهها الثقافي بالمعنى المرجعي للثقافة كمنطلق للتغيير الاجتماعي بعيدا عن سرديات الكرم وفانطازيا الفضة وتصورها الاستشراقي وتستعيد جدارتها بالحفر في الحدائق السرية للوعي بحثا عن أزهار القلق الأكثر بهجة من صورة اختزال الفضاء في باقة النعناع المحاطة بمزق خيش الاسمنت، لتقترح على عابريها متاحا ثقافيا معاصرا وشجرة وحديقة سرية تلطف هواء المكان.

*أحمد بوزيد: كاتب مغربي

شاهد أيضاً

صوت المرأة الأمازيغية تستنكر الهجوم الذي تعرضت له الفنانة فاطمة تابعمرانت

أصدرت جمعية صوت المرأة الأمازيغية بينانا تضامنيا مع الفنانة الأمازيغية فاطمة تابعمرانت، ورفضت الجمعية أن ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *